عربي
أعاد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الأحد الماضي، تكليف توم برّاك مبعوثاً رئاسياً خاصاً إلى كل من العراق وسورية، إلى جانب منصبه سفيراً لواشنطن في أنقرة، ملف التمثيل الدبلوماسي الأميركي في العراق إلى الواجهة، وهو تمثيل تعددت الوجوه والشخصيات التي تولته خلال الـ18 شهراً الماضية، من دون تسمية سفير للولايات المتحدة لدى العراق.
ومنذ انتهاء مهمة السفيرة الأميركية السابقة في بغداد ألينا رومانسكي، أواخر شهر ديسمبر/ كانون الأول 2024، لم تُسم واشنطن خلفاً لها، إذ ما زالت البعثة الأميركية في المنطقة الخضراء، وسط بغداد، تدار عبر القائمين بالأعمال. وفي نهاية ولاية الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، رشّح الأخير تريسي آن جاكوبسون لشغل منصب سفير الولايات المتحدة في العراق، لكن الخطوة التي كانت مقررة في يناير/ كانون الثاني 2025 لم تتحقق مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض في الشهر نفسه، وظل المنصب شاغراً لمدة هي الأطول التي لا تسمي فيها واشنطن سفيراً لها في العراق منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003.
خلال هذه الفترة، منذ 2024 وحتى الوقت الراهن، تناوبت على رئاسة البعثة الأميركية في بغداد شخصيات عدة بصفة "قائم بالأعمال"، أبرزها إليزابيث ترودو، ثم دانيال روبنستين، قبل أن تعلن السفارة الأميركية ببغداد، في مايو/ أيار 2025، تولي السفير الأميركي في اليمن ستيفن فاغن مهمة القائم بالأعمال، ثم أسندت في سبتمبر/ أيلول 2025 المهمة لجوشوا هاريس. في الفترة ذاتها وصل إلى بغداد ثلاثة أشخاص بصفة مبعوثين أميركيين، وهم كل من مارك سافايا (عُين في أكتوبر/ تشرين الأول 2025) الذي لم يستمر بمنصبه سوى شهرين، ثم توم برّاك (فبراير/ شباط الماضي)، كما زار بغداد المبعوث الخاص لشؤون الرهائن آدم بوهلر، في آذار/ مارس 2025، للضغط باتجاه إطلاق سراح الإسرائيلية - الروسية إليزابيث تسوركوف (أفرجت عنها كتائب حزب الله العراقية في سبتمبر الماضي).
إعادة تعيين توم برّاك
في منشور على منصته للتواصل الاجتماعي "تروث سوشال"، قال ترامب، الأحد الماضي، إنه قرر تعيين سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توم برّاك مبعوثاً رئاسياً خاصاً إلى سورية والعراق، وذلك بعد يوم واحد من إعلان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو انتهاء التكليف الرسمي لبرّاك بصفته مبعوثاً خاصاً للولايات المتحدة إلى سورية. وأوضح ترامب أن القرار يأتي "في إطار تعزيز تعاوننا الاستراتيجي مع حكومتي سورية والعراق، واستمرار نمو علاقتنا معهما"، مضيفاً أن توم برّاك "سيستمر في منصبه سفيراً لدى تركيا، وسيعمل بدعم كامل من وزارة الخارجية الأميركية. نُعرب عن تقديرنا العميق للعمل الذي أنجزه توم برّاك، واستعداده الدائم لخدمة بلادنا".
وجاء إعلان وزارة الخارجية الأميركية بانتهاء مهمة برّاك بعد قضاء الفترة الزمنية المكلف بها في التواصل مع دمشق إلى جانب عمله سفيراً لواشنطن في أنقرة، وهو ما يُفهم باعتباره إجراء قانونياً، فيما جرت إعادة تجديد الثقة بالمهمة الممنوحة له. علماً أنه في اليوم نفسه الذي صدر فيه البيان الأول لروبيو، كتب مجدداً على منصة إكس أن برّاك "سيستمر في لعب دور حيوي، ليس فقط بصفة سفير لنا لدى الجمهورية التركية، ولكن أيضاً بينما نعزز التعاون الاستراتيجي للرئيس (ترامب) مع الحكومة في سورية ونبدأ عملنا مع الحكومة الجديدة في العراق". وأضاف أن برّاك "عضو لا غنى عنه في فريق الرئيس، ويحمل ثقتي الكاملة، ويعمل بدعم كامل من وزارة الخارجية. إن الشعب الأميركي يستفيد بشكل جيد من رغبته المستمرة في قيادة هذا العمل".
وفي أول تعليق له على المهام الجديدة، كتب برّاك على حسابه على منصة أكس، أمس الاثنين: "يشرفني بتواضع أن أخدم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي حقق ما لم يتمكن أي من أسلافه من تحقيقه في الشرق الأوسط. فعندما يتحدث، يُصغي إليه الجميع، الأصدقاء والخصوم على حد سواء؛ ولم يعد مسار العمل يُحدَّد من الغرب ولأجل الغرب، بل بات يُصاغ من قبل المنطقة ومن أجل المنطقة". وأضاف: "إن أسلوبه الشخصي القائم على التواصل المباشر بين القادة هو الوسيلة الوحيدة التي فهمتها هذه المنطقة المعقدة حقاً على الدوام. ويشرفني أن أقبل لقب المبعوث الرئاسي في ظل قيادته الجريئة. وتحت توجيهات الرئيس، أحدث وزير الخارجية ماركو روبيو - الذي سار على خطى هنري كيسنجر بوصفه وزير الخارجية الوحيد الذي شغل في الوقت نفسه منصب مستشار الأمن القومي - تغييراً جذرياً في النموذج الحاكم للسياسة الخارجية الأميركية في المنطقة". وتابع: "إن فلسفة الرئيس تعلمنا أن توازن القوى المتمحور حول الولايات المتحدة يعمل بأفضل صورة عندما يُشجَّع الحلفاء على أن يصبحوا أكثر اعتماداً على أنفسهم وأن يتقاسموا الأعباء من خلال ترابطهم وتكاملهم بعضهم مع بعض سعياً إلى تحقيق الازدهار المتبادل، ولكن دائماً ضمن إطار يحافظ على النفوذ الأميركي والاستقرار والانسجام مع الأهداف الاستراتيجية الأساسية للولايات المتحدة".
ولخص أبرز نقاط تركيزه في الفترة المقبلة بالقول: "وانطلاقاً من تقاليد أولئك الذين درسوا بلاد الشام والأناضول على مدى عقود، يظل العراق وسورية وتركيا نقطة الارتكاز الاستراتيجية التي يجب أن يستند إليها أي استقرار دائم في الشرق الأوسط. ويتطلب تحقيق التوازن بين هذه الدول الثلاث وجود نقطة اتصال ونفوذ أميركية واحدة ومتسقة، تتجاوز الفوارق القبلية أو الدينية أو المذهبية. وهذه المهمة الحيوية، التي يتبناها الرئيس ترامب، تهدف إلى مساعدة المنطقة على توجيه نفسها نحو ازدهار مشترك، من خلال نسج خيوطها المتباينة في نسيج واحد متماسك يقوم على النظام والمصلحة المتبادلة".
في هذا الصدد، قال مسؤول في مكتب شؤون الشرق الأدنى بوزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، في تعليق مقتضب لـ"العربي الجديد"، إن "تسمية سفير أميركي دائم ببغداد تعتمد على الخطوات التي ستتخذها الحكومة العراقية الجديدة (برئاسة علي الزيدي) حيال الجماعات الحليفة لإيران، وقدرتها (الحكومة العراقية) على إبعاد هذه الجماعات عن مصدر القرار، والإصلاحات الاقتصادية المرتبطة بمحاربة الفساد والتعاون مع الشركات الأميركية في مجال الطاقة والاستثمار". في المقابل، تفيد معلومات سياسيين ودبلوماسيين عراقيين في بغداد بأن واشنطن اعتمدت خلال الفترة الأخيرة إدارة سياستها مع العراق عبر عدة مسؤولين في وزارات الخارجية والدفاع والخزانة، فيما مارست وزارة الخزانة أقصى درجات الضغط من خلال فرض عقوبات على فصائل وقيادات مسلحة، ومصارف وشركات، ورجال أعمال بتهمة التعامل مع إيران خلال العامين 2025 و2026.
موقف أميركي ثابت
وقال دبلوماسي عراقي بارز في بغداد لـ"العربي الجديد"، إن العراق مضطر للتعامل مع من توفدهم الولايات المتحدة، بغض النظر عن صفتهم التي سيتحركون فيها، مشيراً إلى وجود تواصل مباشر بين بغداد وواشنطن يتجاوز عتبة منصب السفير الشاغر منذ 18 شهراً.
زيارة متوقعة قريباً لوفد رسمي أميركي إلى بغداد، للقاء رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي
وتوقّع المصدر، الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، أن يتم تعيين سفير أميركي أو تثبيت عمل القائم بالأعمال الحالي جوشوا هاريس، بناء على الانطباع الذي سيتشكل في واشنطن عن حكومة علي الزيدي. كما كشف المصدر نفسه عن زيارة قال إنها "متوقعة قريباً" لوفد رسمي أميركي إلى بغداد، للقاء رئيس الحكومة العراقية. وعن تجديد مهمة برّاك، استبعد المصدر حصول أي تغيير في الدور الذي مارسه سابقاً في العراق أو سورية، رغم وجود ما وصفه بـ"موقف سلبي" من أكراد سورية والعراق إزاء نهج برّاك في تعزيز سلطتي دمشق وبغداد على حساب إقليم كردستان و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد).
أحمد الساعدي، العضو السابق في تحالف "الإطار التنسيقي" الحاكم في العراق، قال لـ"العربي الجديد" إن تحركات المبعوث توم برّاك في العراق لم تكن لها صفة رسمية كـ"مبعوث"، مثلما كان الحال عليه في سورية، لكنه مارس هذا الدور. لذلك فمن المتوقع، وفق الساعدي، استمرار ممارسته هذا الدور في الفترة المقبلة مع أدوات ضغط وفترة زمنية مفتوحة، مبيّناً أن السياسة الأميركية في العراق تركزت على ثلاثة ملفات مترابطة، "وهي الفصائل، وإعادة ترتيب الوجود الأميركي سياسياً واقتصادياً، والسعي لعزل النظام المالي والمصرفي العراقي ومنع استخدامه في تمويل طهران ووكلائها".
أحمد الساعدي: يمكن اعتبار أي سفير أو مبعوث مستقبلي إلى العراق أنه يحمل العدائية نفسها
وأوضح أنه "يمكن اعتبار أي سفير أو مبعوث مستقبلي إلى العراق أنه يحمل التوجهات نفسها، بل العدائية نفسها ولغة التهديد التي اتسمت بها إدارة ترامب". ووصف الساعدي مهمة علي الزيدي بأنها "الأصعب، وستكون مستحيلة إذا لم يحصل على دعم سياسي شيعي (القوى العربية الشيعية)، حيال ملف الفصائل". أما الخبير بالشأن السياسي العراقي أحمد الحمداني، فقال لـ"العربي الجديد" إن تسمية برّاك مبعوثاً إلى العراق وسورية، "تعني أن الولايات المتحدة لم تقرر بعد التعاطي مع العراق باعتباره دولة مستقرة أسوة بدول الخليج العربي والأردن المجاورة للعراق".
وشدد على أن تثبيت برّاك في هذا المنصب قد يعني أن "خطوة إكمال الإطار الدبلوماسي للبعثة الأميركية ببغداد بتسمية سفير دائم ما زالت غير قريبة، وأن الانتقال إلى مرحلة التطبيع الدبلوماسي وتعيين سفراء لم يحن بعد (يشغل نزار الخير الله منصب سفير العراق في أميركا منذ 2023)". والأرجح، وفق الحمداني، أن "تربط واشنطن موضوع تعيين سفير دائم بقدرة الحكومة الجديدة على التعامل مع المليشيات العراقية المرتبطة بإيران"، معتبراً أن "العلاقات ما بين الولايات المتحدة والعراق تمر بأسوأ مراحلها منذ احتلال عام 2003"، وعزا ذلك بشكل رئيسي إلى "تزايد نفوذ المليشيات في نظام الحكم والتفافها على العملية الديمقراطية بقوة السلاح ونفوذ الفساد".
