الجيش الموازي... "الدعم السريع" تستميت لتكريس الانقسام
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تمضي مليشيات "الدعم السريع" التي تخوض حرباً مع الجيش السوداني منذ أكثر من ثلاث سنوات، في مشروعها القائم على تكوين مؤسسات عسكرية وأمنية وسياسية موازية لتلك التابعة للحكومة المركزية التي يقودها الجيش، وأحدثها الإعلان، أول من أمس الأحد، عن ترتيبات وخطط لتكوين جيش موازٍ للجيش السوداني و"بعقيدة عسكرية جديدة".  ويبدو قائد مليشيات الدعم محمد حمدان دقلو (حميدتي)، أقرب إلى استنساخ نموذج خليفة حفتر في ليبيا الذي ثبت فشله، إذ كما فرض الأخير جيشاً موازياً ومؤسسات موازية مستنداً إلى موارد المناطق الخاضعة لسيطرته، يحاول حميدتي السير على النهج نفسه، سواء عبر الحكومة الموازية التي شكلها في 26 يوليو/ تموز 2025، واتخذت من مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، مقراً رئيسياً لمؤسساتها الموازية وإن كانت الحكومة المركزية في السودان تحظى بالشرعية شبه المطلقة على المستوى العربي والدولي، أو عبر إصدار "الدستور الانتقالي" وتعيين رئيس للقضاء وحظر عملة الحكومة المركزية وصولاً إلى خطط بناء الجيش الموازي. وتدفع تحركات "الدعم السريع" مراقبين للتحذير من أن هذه الخطوات، وإن كان حميدتي يريد توظيفها على أي طاولة تفاوض متى ما حانت لحظة التسوية، قد تدفع البلاد نحو تقسيم فعلي وتعقيد أكثر. ويشهد السودان منذ 15 إبريل/ نيسان 2023 صراعاً عسكرياً بعد التمرد الذي قادته مليشيات الدعم السريع التي يقودها محمد حمدان دقلو (حميدتي). وتسببت الحرب في مقتل وإصابة مئات الآلاف وتشريد الملايين. ومع استمرار الحرب ودخولها العام الرابع توزعت السيطرة العسكرية في البلاد بين الجيش والمليشيات مع تحركات مستمرة من قبل "الدعم السريع" لتكوين مؤسسات موازية في المناطق التي فرضت سيطرتها عليها بعد مجازر واسعة. دقلو يشكل مجلساً للأمن والدفاع وفي تطور جديد، قرر قائد "الدعم السريع" محمد حمدان دقلو، أول من أمس، تشكيل مجلس للأمن والدفاع بمناطق سيطرة "حكومة السلام" الموازية التي يرأسها. وقال دقلو، في قرار أصدره الأحد الماضي، إن مجلس الأمن والدفاع المكون من 14 عضواً برئاسته سيعمل على إجازة الخطة العامة لتأسيس "جيش وطني" جديد، بعقيدة قتالية جديدة، نواته قوات الدعم السريع، والجيش الشعبي لتحرير السودان التابع للحركة الشعبية جناح عبد العزيز الحلو، والحركات المسلحة الموقعة على "تحالف السودان التأسيسي"، الذي تكونت بموجبه حكومته الموازية. وأضاف أن اختصاصات مجلس الأمن والدفاع تتمثل كذلك في "إعداد الخطط والسياسات الاستراتيجية للأمن والدفاع الوطني، وإعداد الخطة العامة لسياسات تحقيق الأمن والسلم الدوليين ومحاربة الإرهاب والجريمة المنظمة والعابرة للحدود والهجرة غير الشرعية، إلى جانب إجازة الخطة العامة لتأسيس قوات الشرطة وجهاز الأمن والمخابرات، واتخاذ القرارات الملزمة لكل أجهزة الدولة في ما يختص بالأمن القومي والدفاع الوطني وحماية المدنيين". ويأتي المجلس الذي أعلنه حميدتي لينضم لقائمة طويلة من المؤسسات المدنية الموازية التي شكلها في مناطق سيطرة قواته، إذ كانت جماعات سياسية وحركات مسلحة متحالفة مع "الدعم السريع" وتنضوي تحت ما يسمى بـ"تحالف السودان التأسيسي"، المعروف اختصاراً بـ"تأسيس"، قد وقّعت، في 22 فبراير/ شباط 2025، ميثاقاً سياسياً في العاصمة الكينية نيروبي لتشكيل "حكومة" في المناطق التي تسيطر عليها "الدعم السريع". وفي 26 يوليو الماضي، أعلن التحالف من مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، تشكيل الحكومة الموازية، والتي تتكون من مجلس رئاسي من 15 عضواً، من ضمنهم حكام الأقاليم، برئاسة حميدتي، ونائب له هو عبد العزيز الحلو، فيما عين محمد حسن التعايشي رئيساً للوزراء. كما أصدر التحالف دستوراً موازياً لدستور السودان باسم "الدستور الانتقالي"، ويتكون من 43 مادة، واعتبر أنه يلغي الوثيقة الدستورية التي تحكم البلاد منذ العام 2019، وحدد أن تكون الدولة علمانية ديمقراطية لا مركزية. وفي 12 إبريل/ نيسان الماضي جرى تعيين رئيس للقضاء ونائب له، وفي الأول من مايو/ أيار الماضي قررت الحكومة الموازية حظر التعامل بالعملة الورقية الصادرة في يونيو/ حزيران 2024 وما بعده. مشروع "الدعم السريع" وكان حميدتي قد قال في خطاب بمناسبة عيد الأضحى، الأربعاء الماضي، إن مشروعهم يتمثل في تأسيس دولة سودانية تقوم على قواعد الحرية والعدالة والمواطنة المتساوية والسلام المستدام. وأضاف أن المشروع يتطلب "بناء جيش جديد بعقيدة جديدة، ومهنيّ تنعدم فيه الجهوية والعنصرية والولاءات الضيقة، ويكون فيه الانتماء للوطن وحده". واعتبر أن ما سماه جيش الحركة الإسلامية (نظام الرئيس المخلوع عمر البشير) - قاصداً الجيش السوداني - ظل منذ تأسيسه "أداة أساسية للقهر والاستبداد والتمييز والتدمير".  وعلى الأرض يتقاسم "الدعم السريع" والجيش السوداني حالياً السيطرة على ولايات البلاد الثماني عشرة، بانتشار أوسع للجيش الذي يحكم قبضته على الولايات الشرقية، المتمثلة في ولايات البحر الأحمر، وكسلا، والقضارف وسنار، والولايات الشمالية متمثلة في نهر النيل والشمالية، إلى جانب ولايات الوسط على رأسها العاصمة الخرطوم، والنيل الأبيض والجزيرة، وأجزاء واسعة في ولاية شمال كردفان، جنوب وسط البلاد، وعلى معظم إقليم النيل الأزرق جنوباً، إلى جانب أجزاء من ولايتي جنوب وغرب كردفان. في المقابل، تسيطر "الدعم السريع" وحلفاؤها على ولايات إقليم دارفور الخمس غرباً، باستثناء أجزاء من ولايتي شمال وغرب دارفور حيث يسيطر الجيش والقوات المساندة له من الحركات المسلحة على عدد من المناطق بعضها قريب من الحدود التشادية. كما تسيطر "الدعم السريع" على بعض المناطق الصغيرة في شمال كردفان وأجزاء من جنوب كردفان، ومعظم ولاية غرب كردفان ومناطق صغيرة في إقليم النيل الأزرق. ولا توجد حالياً إحصائيات فعلية لتعداد مقاتلي الحركات والمليشيات الموالية لقوات الدعم السريع، لكن حميدتي جمع حوله الكثير من الحلفاء، إذ تقاتل إلى جانب "الدعم السريع" حركات مسلحة، أبرزها الحركة الشعبية لتحرير السودان ــ شمال جناح عبد العزيز الحلو، وحركة "تحرير السودان المجلس الانتقالي" بقيادة الهادي إدريس، وحركة "تجمع قوى تحرير السودان" بقيادة الطاهر حجر، و"حركة العدل والمساواة" التي يقودها سليمان صندل، وحركة "الجبهة الثالثة" (تمازج)، إلى جانب مجموعات ممن يطلق عليهم عرب الشتات، وهم مقاتلون أفارقة (مستوطنون وافدون) من أفريقيا الوسطى والنيجر، إلى جانب مقاتلين تابعين لمجموعات مسلحة من دولة تشاد، ومواطنين مجندين، ومقاتلين من مليشيات قبلية عربية موالية لقوات الدعم السريع. مجدي عبد القيوم: إنها حرب من أجل تقسيم وتجزئة البلاد لنهب مواردها والسيطرة على مناطق الإنتاج فيها وفي هذا الصدد، رأى المحلل السياسي مجدي عبد القيوم، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الإجابة عن سؤال لماذا تسعى "الدعم السريع" لتكريس الانقسام تقود إلى السؤال الأساسي المركب حول ما هي أسباب الحرب ولماذا تتدخل أطراف إقليمية ودولية فيها بهذا الشكل الواضح والفاضح. وأضاف أنه "بعيداً عن الخطاب الإعلامي الذي تسوق له الأطراف الخارجية الضالعة في الحرب، والمتصل بالتحول المدني الديمقراطي ومحاربة الإسلاميين وما إلى ذلك، فهذه مجرد كليشيهات محفوظة تهدف إلى التحشيد وإيجاد مبررات أخلاقية للحرب، فإن السبب الحقيقي أنها حرب من أجل تقسيم وتجزئة البلاد لنهب مواردها والسيطرة على مناطق الإنتاج فيها، لذلك استهدفت الجيش في المقام الأول تحت ذرائع واهية وربطه بالإسلاميين، وضرورة إعادة هيكلته وما إلى ذلك". وتابع: "هم في حقيقة الأمر يهدفون إلى تفكيكه حتى يسهل الانقضاض على الدولة باعتبار أن الجيش هو المنوط به حماية الدولة وحدودها". وأضاف عبد القيوم: "لذلك لا أرى غرابة في الخطوات التي تتخذها المليشيا وحلفاؤها السياسيون المحليون، كتحالف تأسيس أو صمود (برئاسة رئيس الحكومة الأسبق عبد الله حمدوك) سواء كان تشكيل حكومة أو إنشاء جيش، علاوة على إصدار عملة وإنشاء بنك مركزي، فهذه مظاهر تكرس الفكرة الأساسية للحرب، وهي فصل دارفور وربما كردفان كذلك"، محذراً من أن هذا هو السيناريو الحقيقي الذي تحاول ما سماها قوى الاستعمار الحديث إخفاءه بشتى الذرائع، لافتاً إلى أن نجاح أو فشل "قوى الاستعمار" ووكلائها المحليين في مسعاها هذا رهن بمقدرة السودانيين على إفشال هذا السيناريو. محمد عبد الغني: الغرض الأساسي من خطوات حميدتي وحلفائه هو المساومة بها في أي اتفاقيات ومفاوضات قادمة ورأى المحلل السياسي محمد عبد الغني، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الغرض الأساسي من خطوات حميدتي وحلفائه الخاصة بتشكيل مؤسسات مدنية وعسكرية موازية هو المساومة بها في أي اتفاقيات ومفاوضات مقبلة، محاولين بذلك فرض أمر واقع في مناطق سيطرتهم بإقليم دارفور على وجه الخصوص، والذي يخضع بصورة شبه كاملة لسيطرتهم. واعتبر أن تأخر الحل السياسي منح حميدتي وحلفاءه وداعميه المبررات والوقت لجعل تقسيم السودان واقعاً على الأرض، بإنشاء مؤسسات موازية وإحكام السيطرة على الولايات الغربية، والتي تتمتع بحدود مع دول مثل ليبيا وتشاد وجنوب السودان وأفريقيا الوسطى، لافتاً إلى أنه من المتوقع أن تطالب هذه القوى السياسية والعسكرية الجديدة على الأقل بالحكم الذاتي في إطار الدولة الواحدة بموجب أي حلول مستقبلية، محذراً في الوقت ذاته من أن تكرار النموذج الليبي بحكومتين وجيشين هو السيناريو الأقرب حالياً في حال استمرت الأمور كما هي عليه الآن. واعتبر عبد الغني أنه ليس من الصعب حصول حكومة حميدتي على التمويل اللازم لتسيير أعمالها، بسبب سيطرتها على كامل إقليم دارفور الغني بالموارد الطبيعية وأجزاء من ولايات أخرى غنية بالذهب والثروات الحيوانية، إلى جانب سيطرتها على معظم مناطق إنتاج الصمغ العربي في إقليم كردفان، و"هي أيضاً مدعومة من دول مثل الإمارات وحكومة اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر، وكينيا، إلى جانب سيطرتها على معظم الحدود الغربية للسودان، وهي مناطق تزدهر بها تجارة السلاح مع الحركات والمليشيات الأفريقية الموجودة على الحدود".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية