عربي
يقف تمثال مارلين مونرو شامخاً في شيكاغو. يحتمي به المواطنون. يعلو ارتفاعه قامة جميع البشر. يذكّر هذا الخلل في المنظور برسم القديسين عمالقة، قبل اكتشاف المنظور منتصف القرن الـ15. كانت قامات القديسات أطول حتى من القلاع الصخرية التي تظهر حولها. هذه أليغوريا للتعبير عن الأسطورة بالصورة، بهندسة الشكل والحجم: "الصورة أكثر ضرورة من الكتابة، لأنها تفرض الدلالة دفعة واحدة من دون أن تقوم بتحليلها أو بعثرتها"، بحسب "أسطوريات" السيميولوجي رولان بارت، الذي عرّف فيه الأسطورة "بأنها منظومة اتصال" (ص. 225).
هذا دليل مُصوّر: ذات ليلة، صعدت مونرو المنصة بنيويورك، والضوء ينصبّ عليها وحدها. نزعت معطف الفرو، فاهتزّت القاعة التي سُرّت عندما رأت جغرافية جسد. حدّقت الأسطورة في الجالسين بالظلام، ولم ترهم. نطقت بغنج وهنّأت، فسرَت القشعريرة في الحضور. هنّأت الرئيسَ بعيد ميلاده. من هو الرئيس؟ من يهتم؟
مرّ قرن على ميلادها، ولا يزال شكلها وصوتها يتواصلان مع البشر. لا يوجد اسمها بين "الخالدين المائة" الذين اصطفاهم مايكل هارت. لكنّ مئات ملايين البشر يعرفونها، ولا يعرفون نصف أولئك المائة. مارلين مشهورة بتنورتها. هذا مفهوم تماماً أكثر من مثلثات إقليدس الخالد. يتعزّز هذا بوجود صورة للقطة التنورة في كتاب أندريه بازان، "ما السينما؟". صورة لها أبعاد جديدة عن ممثلة أثارت دهشة الجمهور والنقاد معاً.
ما السبب الذي يجعل الكاميرا تتبع المرأة والممثلة؟ جواب وثائقي: "لغز مارلين مونرو: التسجيلات المجهولة" (2022) لإيما كوبر. وصلت مارلين إلى لوس أنجليس، حيث يجري اختيار بنات ذوات أجساد من مقاس 12 في العنق و34 ونصف في الصدر. كانت وجهاً واعداً يفيض كبرياء وطموحاً. اختيرت لهوليوود. حين سئلت عن بداياتها، قدّمت رواية جنسية، كما في "الشقراء" (2022) لأندرو دومينيك، الذي أدّت فيه الفاتنة الكوبية آنا دي آرماس دور البطولة، لأن بطلته الشابة تستحق أن تُشاهد عن قرب، وهي تعيش الحب. شقراء بخال أسود كحبة عنبر في صحن مرمر. بفضل معيار الشكل والجمال، تزوجت مارلين مخرجاً عجوزاً، فتح لها الأبواب. وفور دخولها من الباب الأول، طلّقته.
كانت مارلين مونرو وآنا دي آرماس، زمن التصوير، في السنّ المناسبة لما سمّاه إدغار موران "سِفر تكوّن النجوم وتحولاتهم". فيه، يتحدّث عن السنّ المثالية للنجمات في السينما، بين الـ20 والـ25 (نجوم السينما، ص 34). كان متوسط عمر نجمات هوليوود محدوداً. لذا، كانت فترة عملهن قصيرة. الزمن لا يرحم. بعدها، يبدأ بريق الجسد في التراجع. النجومية هنا أساساً.
يقول بارت إنّ "السيمولوجيا دراسة الأشكال، لأنها تدرس الدلالات بمعزل عن مضمونها". كيف شكل مارلين مونرو؟ جسد ممشوق. بطن مسطّح. صدر نافر. شعر أشقر. ساقان طويلتان. أعلن موران أن مارلين انطلقت عارية، ثم "أصبحت امرأة شاملة". هذا شرط كلّ نجمة تُرى.
كانت مارلين مونرو تمثّل وتغنّي وترقص. هذا يزيد جاذبيتها الجنسية، التي تُلمّح إليها عناوين أفلامها: "الرجال يفضّلون الشقراوات" (1953) لهاورد هوكس، و"حكة السنوات السبع" (1955) الذي رفع فيه المخرج بيلي وايلدر تنورة الممثلة، و"البعض يفضّلونه ساخناً" (1959) لوايلدر أيضاً.
يتكامل التواصل هنا بتأثير الجسد، وتوقيع الصوت المغوي، لتوفير اتصال خالد بالطبقة البورجوازية التي اشترت التذاكر في عاصمة الفن الحديث، لتسمع تهنئة الرئيس (1962). حينها، وقع اتصال قوي، ذو طابع احتفالي، فيه شكل ملائكي فاتن، وصوت يُغري المنتجين لينفقوا ويكسبوا. ليست مصادفة أنّ "نتفليكس" أنتجت "الشقراء"، وفيه يقول المنتج لمونرو: "أنت الممثلة الأكثر رواجاً الآن"، كاشفاً لحظة مجدها التي تفرض فيها أجراً على المنتجين. الرواج معيار الجدارة الفنية. يستنتج مؤرّخ ثقافي: "تغيّر معيار الحكم على الفن، فلم يعد الجيد والرديء أو المُعقّد والبسيط، بل ما الذي يستهوي العدد الأكبر والعدد الأقل من الناس" (إريك هوبزباوم، "عصر التطرّفات"، ص 885).
كانت مارلين فاتنة ومرغوبة، ويسهل التماهي معها. كانت شخصية فاتنة، تعاني بصمت طفولةً فقيرة شقيّة، رفقة أمّ متسلّطة سكّيرة. لكن، في شبابها، كانت تبُثّ الفرح حولها حيثما حضرت، تقدّم كوميديا مرحة تلائم "التفاؤلية الجديدة" التي تنقذ المتفرج من التشاؤم والواقعية (موران، "نجوم السينما"، ص 29). فالنجمة الشقية في الواقع تصنع منفعة للناس، إذاً تستحق التعاطف على السخاء العاطفي الذي تتصرّف به، وتهنّئ الرئيس الأميركي في عام موتها.
مارلين مونرو جسد فاتن أكله الدود، لكنّ صاحبته جزء من موجة الـ"بوب آرت" الثقافية الممتدة. تكمن قيمتها في الموجة التي حملتها، حين تفوّقت السينما على باقي الفنون، وصار الروك أند رول المستمدّ من البلوز رمزاً للثورة، وغَدا لغة عالمية لثقافة الشباب. يضيف هوبزباوم: "مع نهضة فن البوب، فَقَد المتراس الرئيس للحداثة في الفنون البصرية، التجريد، سيطرته على الوضع، واستعاد التصوير التمثيلي مشروعيته مرة أخرى" (ص. 889). ظهرت مارلين في لحظة مفصلية، صار فيها الفيلم السينمائي الفن المركزي في القرن الـ20. بحسب موران، "تزامن ظهور النجمة مارلين مع إطلاق الشاشة العريضة في السينما، للتميّز عن التلفزيون، ولإبراز النجوم المتفوّقين، ولتخليد شفتيها القرمزيتين في كلوز آب، مساحته أكثر من 20 متراً مُربّعاً، تمسّ شغاف قلب المشاهدين".
ذكر موران اسم مارلين 18 مرة في كتابه. ذكرها باسم مارلين، واعتذر للقارئ على هذا الاستخدام الأليف للاسم (نجوم السينما، ص. 40). بعد الاعتذار، لديه تعليل: تملك النجمة السينمائية هيمنة الروح وهيمنة الجسد، "أي تلك القوة الأسطورية التي تخلق الألوهية".
لذا، وصفها بمعجم لاهوتي، لأنها نجمة ماتت لكنّها تستحوذ على البقاء (ص. 191). نجمات السينما قديسات العصر الحديث المغريات، كما كانت القديسة تيريزا الأفيلية (1515 ـ 1582)، التي تغنّت بالحب الإلهي، وبمعجم حسّي كرابعة العدوية (717 ـ 796). من يحدّق في لوحات تيريزا، سيتذكّر شبقية تلك.
بالعودة إلى صُور الشكل والقداسة، يوجد شبه كبير بين جسد مارلين مونرو بتنورة فصيرة، وشكل قارورة كوكاكولا صغيرة. قارورة تقبض من الخصر، لتشرب فماً لفم.

أخبار ذات صلة.
نبوءات صارت واقعاً
العربي الجديد
منذ 41 دقيقة
متى الردّ على وقاحة نتنياهو؟
العربي الجديد
منذ 42 دقيقة
من وقع في الفخّ... ترامب أم إيران أم العرب؟
العربي الجديد
منذ 42 دقيقة