عربي
كيف تحوّلت هذه الفتاة، ذات الماضي المضطرب، وضحية الاعتداء الجنسي في طفولتها، والمتعطشة للشهرة، إلى أسطورة عالمية، لا يزال بريقها خالداً؟ ما الثمن الذي دفعته في المقابل؟ عَرضُ محطة آرتي الفرنسية الألمانية، في الذكرى المئوية لولادة مارلين مونرو (1926 ــ 1962)، سلسلة وثائقية عنها، مناسبة لا تُفوّت للتعرف على أيقونة السينما، وصعودها الصاروخي.
ثلاثة أجزاء (3 ساعات) ثمرة عشر سنوات من البحث، ترسم في سرد ثري صورة شاملة للممثلة، كاشفة جوانب مجهولة في حياتها، ومُدقّقة في معلومات تتعلق خاصة بطفولتها ولهاثها لأن تصبح نجمة في هوليوود. اعتمدت السلسلة لقطات أرشيفية استثنائية، ومقاطع أفلام، ومقابلات عدّة مع كُتّاب سيرتها الذاتية، وشخصيات هوليوودية بارزة، كتوني كورتيس، زميلها في "البعض يفضّلونها ساخنة" (1959) لبيلي وايلدر، وجيري لويس صديقها، إلى شخصيات أخرى.
حُرمت نورما جين مورتنسون، الشهيرة بمارلين مونرو، من حنان أمّ هجرتها قبل بلوغها سن المراهقة. تأثّرت بغياب أب غير شرعي، لم تره قط. تنقلت بين دور الأيتام وبيوت الرعاية، منذ طفولتها. سرت مبالغات كثيرة حول معاناتها، بينما يكشف الفيلم أنها كانت بحماية خالتها، وعائلة اعتنت بها إلى حين عودة أمها غلاديس. لكن شعوراً بأنْ لا أحد يريدها رافقها إلى آخر العمر، وزاد عليه شعور بذنب، بعد تعرضها لاعتداءات جنسية (كانت تبلغ ثمانية أعوام) من الممثل موراي كينيل. بطلب من أمها، العاملة في ورشة مونتاج الأفلام، عرض (كينيل) أن يكون مرشدها إلى نجومية، كانت الأمّ تحلم وتؤمن بها لابنتها، فكانت تصحبها إلى السينما، وتشاهد معها أفلام الكبار، ما جعلها تعلن، في الرابعة من عمرها، أنها ستصبح نجمة.
بعد زواجها، في الـ16 من عمرها، انقطعت صلتها بأمها، التي كانت آنذاك في مصحّة نفسية. ثم انفصلت عن زوجها بعد أربع سنوات، مع بداية مسيرتها في عرض الأزياء. لكنها كانت ممتلئة، ولديها مشكلة في الركبة، فاتجهت إلى التصوير، الذي كان نقطة انطلاق فتحت لها أبواب السينما. كانت تتنقل بين التصوير والسينما، وما ميزها، رغم جاذبية جنسية واضحة، مظهرها كـ"ابنة عائلة". كانت تعرف كيف تستخدم جسدها. طبيعية. تغيّر تعابيرها، ولا يطبعها جمود كالأخريات. ذكية جداً، تعرف ما تريد، وتقترح الكثير. ولدعاية شامبو، صبغوا شعرها بالأشقر، لأول مرة. أقنعت صورها، بفضل براءتها وصدقها، شركة سينشري فوكسز، عام 1946، فوقّعت عقداً تجريبياً معها. كانت التجربة كارثية، إذْ كانت تُتأتئ، ولا تمشي جيداً. أرسلوها إلى مدرسة لتعلّم الأصول، وغيّروا اسمها، فباتت مارلين مونرو (اسم عائلة أمها).
تكشف الشهادات أن مارلين مونرو تابعت دروساً في كل مراحل حياتها. من دونها، لم تكن لتصل. كان هناك دائماً مدرّب خاص لها، يعلّمها المشي والنطق والحركة، إذ كانت خجولة، وجهها طفولي، وتفتقد اللياقة والأناقة في مشيتها. يؤكد بعض من شارك في الوثائقي أنها كانت، من بداياتها، متعطشة إلى التدريب، وعمل كل شيء لتحقيق هدفها في أن تصبح نجمة. لا تتعب، ولا تريد التوقف أبداً. تتمتع بغموض لا يمكن التغلغل فيه، وتنظر في عين محدّثها مباشرة، وتخيفها جداً فكرة التخلّي عنها.
في مسيرتها، سعت إلى لقاء شخصيات لها وزنها. تعرّفت من بداياتها إلى مسؤولي المافيا، وقبلت مساعدتهم، ما أدخلها في حلقة خطرة، لن تنجو منها. التقت شارلي شابلن الذي نصحها باختراع شخصية خاصة بها، حارّة، يتعلق بها الناس. تلقّت دروساً مع موسيقي جاز لتعلّم كيفية استخدام صوتها. قال كيرتس عنها إنها لم تكن تفكر إلا بطموحها، وتريد الوصول، وتعرف أنها ستنجح، ولا شيء يوقفها أبداً.
وكيل المواهب جوني هايد من أكثر الأشخاص الذين أثّروا في حياتها المهنية. تعرّف عليها وعمرها 23 عاماً، بينما هو في الـ53. كان كأب لها، كرّس له الفيلم مساحة واسعة تتناسب ودوره في حياتها، إذ عرّفها بكبار الشخصيات، وروّج لها، ونصحها بتغيير نظرتها إلى الأمور، لا سيما إلى نفسها، واعتقادها بسوء تمثيلها. نجح في انتزاع دور لها في "كل شيء عن حواء" (1950) قبل وفاته بفترة قصيرة.
حين مات، أصيبت بصدمة، إذْ كانت نهاية مرحلة الحماية، وبداية مرحلة النضج القاسي، الذي حوّلها من موهبة واعدة، تتمّ رعايتها، إلى أيقونة سينمائية تفرض شروطها. أسّست شركتها الإنتاجية عام 1955. وأبرز الفيلم رفقتها مع ناتاشا لاتيس، المدرّبة الشهيرة في هوليوود، التي قيل إنها كانت مثلية، تسيطر عليها، في الخمسينيات الماضية. لم تكن تعمل شيئاً من دون ناتاشا. تمسك بيدها قبل كل مشهد، لتعطيها الثقة، وتعلّمها التصرّف.
أفضل ما أبرزه الفيلم، الذي يعتمد التسلسل الزمني لصعودها، شخصيتها الطفولية، عبر الشهادات، وذكر ظروف تصوير كل أفلامها. هذه الهوة، بين صورتها على الشاشة والطفلة الخائفة في أعماقها، وتحوّلها من طفلة إلى نجمة بمجرد شعورها أن هناك من ينتظر منها أن تبدو كنجمة.
بقيت مارلين مونرو ست سنوات تتأرجح بين الأدوار والشخصيات والمساعدين ذوي النفوذ في المافيا، وغيرهم. كانت جادة، تحاول أن تكون دائماً على المستوى، وتعمل لوقت متأخر مع مدرّبين. باتت لها مشية خاصة، وصوت مميز. عام 1953، نالت الاعتراف، وغدت الممثلة المفضّلة لدى الجمهور، ومعبودة ذات وجوه عدّة. لكنها ظلت تحمل أثر رفض والديها لها. فأبوها رفض بشدة رؤيتها، وأمها تخلّت عنها. كانت تخشى الصحافة، وتحبطها الانتقادات، فتختفي ليومين قبل أن تعيد الظهور.
كانت بحاجة دائمة إلى التأكد من أنها ممثلة جيدة. تبالغ في ما تقوله عن طفولتها، ليتعاطف الناس معها. في "كيف تتزوج مليونيراً" (1953) لجان نيغولسكي، الذي ساهم "الرجال يفضّلون الشقراوات" (1953) لهاورد هوكس، في ترسيخ صورتها كأيقونة إغراء. قال لها نيغولسكي: "مارلين، لا تحاولي المبالغة بلعب دور القنبلة الجنسية. أنت هكذا بالأصل. أنت مؤسسة الجنس".
فصّل الفيلم علاقاتها العاطفية، فكانت مارلين مونرو تخرج مع من سيعيدها إلى الواجهة، كلاعب البيسبول الشهير جو ديماجيو الذي ظنّ خاطئاً أنها ستترك السينما من أجله. تزوجته، وهي تعشق آرثر ميلر، الذي عاملها باحترام كما لم يعاملها أحد من قبل، ونصحها بأدوار جدية، وترك هوليوود إلى نيويورك. هذا ما كانت تود سماعه. لكن، كما قال أحدهم: "مستحيل أن تقوم بدور جدّي، فهناك طاقة جنسية تنبعث منها".
بينما هي مرتبطة بميلر، أغرمت بإيف مونتان، الذي اعتبرها غير ناضجة. كانت تتناول الحبوب المنوّمة والمخدرات، وبات تأثّرها بها واضحاً، ما يؤثر على عملها، فتصل متأخّرة، ولا تحفظ أدوارها. عرّفها فرانك سيناترا على رئيس المافيا سام جيانكانا، المعروف بعلاقاته الوثيقة مع الشخصيات السياسية، لا سيما عائلة كينيدي، وبدأت علاقتها مع الرئيس جون. أشار الفيلم إلى أن جيانكانا أعطاها المخدّر، الذي قضى عليها، بعد أن مزّق رسائل الرئيس إليها. أُعلن، في 5 أغسطس/آب 1962 عن انتحار من وصفت بأنها "أفروديت التي تضيء الحياة".

أخبار ذات صلة.
سان جيرمان بطلاً لـ«أوروبا»
الشرق الأوسط
منذ 8 دقائق
مارلين مونرو... كيف خلدت الشاشة قديسة الفن؟
العربي الجديد
منذ 11 دقيقة