شركات التكنولوجيا تنتصر على الشفافية الأوروبية
عربي
منذ ساعة
مشاركة
نجحت شركة مايكروسوفت الأميركية ومجموعة ديجيتال يوروب (DigitalEurope)، وهي إحدى أبرز جماعات الضغط الممثلة لصناعة التكنولوجيا في بروكسل وتضم في عضويتها شركات عملاقة مثل "أمازون" و"غوغل" و"ميتا"، في إدراج بند للسرية ضمن اللوائح الأوروبية المنظمة لمراكز البيانات، ما أدى إلى تقييد الوصول العام إلى معلومات تتعلق باستهلاك هذه المنشآت للطاقة والمياه وتأثيرها البيئي، وفق تحقيق نشرته صحيفة لوموند الفرنسية. ويعود أصل القضية إلى مراجعة الاتحاد الأوروبي لتوجيه كفاءة الطاقة عام 2023، حين فرض على مشغلي مراكز البيانات التي تتجاوز قدرتها الكهربائية 500 كيلوواط تقديم بيانات دورية تشمل استهلاك الطاقة والمياه ومؤشرات الكفاءة التشغيلية والأداء التقني. وكان الهدف من هذه الخطوة تطوير نظام أوروبي موحد لتقييم استدامة مراكز البيانات المنتشرة في دول الاتحاد. وفي المسودة الأولى للتنظيم التي نشرتها المفوضية الأوروبية أواخر عام 2023، اقترحت بروكسل نشر المعلومات المقدمة من الشركات بصيغة مجمعة، إلا أن "مايكروسوفت" و"ديجيتال يوروب" قدمتا، مطلع عام 2024، ملاحظات متطابقة تقريباً، طالبتا فيها باعتبار البيانات التفصيلية الخاصة بكل مركز بيانات معلومات سرية بحجة حماية المصالح التجارية. وتبين المقارنة بين المقترحات التي قدمتها جهات الضغط والنص النهائي الذي اعتمدته المفوضية الأوروبية في مارس/آذار 2024 أن جزءاً كبيراً من الصياغة المطلوبة أُدرج في التشريع النهائي بصورة شبه حرفية. وبموجب المادة الخامسة من التنظيم، أصبحت المفوضية الأوروبية والدول الأعضاء ملزمة بالحفاظ على سرية جميع المعلومات ومؤشرات الأداء الخاصة بكل مركز بيانات على حدة، فيما لا تنشر سوى الإحصاءات الوطنية المجمعة. ولم يقتصر الأمر على حجب البيانات عن الرأي العام، إذ أظهرت وثائق اطلعت عليها "لوموند" أن مسؤولاً بارزاً في المفوضية الأوروبية بعث مطلع عام 2025 رسالة إلى السلطات الوطنية، شدد فيها على التزام الدول الأعضاء بعدم الكشف عن هذه المعلومات، حتى عند تلقي طلبات بذلك من الصحافيين أو المواطنين. وأثارت هذه السياسة انتقادات قانونية واسعة، إذ رأى عدد من الخبراء أن بند السرية الجديد قد يتعارض مع قواعد الشفافية الأوروبية ومع التزامات الاتحاد الأوروبي بموجب اتفاقية آرهوس التي تضمن حق الجمهور في الوصول إلى المعلومات البيئية. وقال الخبير القانوني البولندي يرزي يندروشكا، العضو السابق في الهيئة الرقابية للاتفاقية، إنه لا يتذكر خلال عقدين من الزمن حالة مماثلة، وأضاف أن الإجراء يبدو غير متوافق بوضوح مع نصوص الاتفاقية. كما رأى الرئيس الفخري للمحكمة الدستورية البلجيكية والمتخصص في القانون البيئي، لوك لافريسن، أن التنظيم يشكل انتهاكاً واضحاً لقواعد الشفافية الأوروبية. أما أستاذة قانون المعلومات في جامعة أمستردام كريستينا إيريون فانتقدت "الافتراض الشامل للسرية" لمصلحة الشركات الخاصة، وأكدت أن حماية الأسرار التجارية ينبغي أن تُقيَّم على أساس كل حالة على حدة. في المقابل، دافعت المفوضية الأوروبية عن موقفها، وذكرت أن مبدأ السرية كان مطروحاً منذ المراحل الأولى لإعداد التنظيم، وأن الصياغة النهائية جاءت بعد دراسة الملاحظات الواردة خلال فترة المشاورات. أما شركة مايكروسوفت فأكدت أنها تؤيد زيادة الشفافية بشأن مراكز البيانات مع الحفاظ في الوقت نفسه على المعلومات التجارية الحساسة. وتكتسب هذه القضية أهمية إضافية في ظل التوسع المتسارع للقطاع. فوفق تقديرات الرابطة الأوروبية لمراكز البيانات، يُتوقع ضخ نحو 176 مليار يورو (نحو 205 مليارات دولار أميركي) من الاستثمارات في أوروبا بين عامي 2026 و2031. وقد أدى هذا النمو إلى تصاعد المخاوف المتعلقة باستهلاك الكهرباء والمياه وتأثير هذه المنشآت على المجتمعات المحلية والأنظمة البيئية. وحذرت "لوموند" من أن نفوذ القطاع لا يقتصر على ملف السرية، ففي ديسمبر/كانون الأول الماضي كشفت المفوضية الأوروبية مشروع قانون يهدف إلى تسريع تقييمات الأثر البيئي للمشاريع الكبرى، بما في ذلك العديد من مشاريع مراكز البيانات الضخمة. كما أظهرت وثائق رسمية أن "مايكروسوفت" مارست ضغوطاً على مؤسسات الاتحاد الأوروبي لتحديد سقوف زمنية لإجراءات الترخيص. وفي فرنسا، أقر البرلمان، في إبريل/نيسان الماضي، قانوناً للتبسيط الإداري، منح بعض مراكز البيانات الكبرى صفة "المشاريع ذات المصلحة الوطنية الكبرى"، ما يسمح بتسريع إجراءات الترخيص وربطها بشبكات الكهرباء وتعديل المخططات العمرانية المرتبطة بها. وكانت شركات القطاع تطالب بهذه الخطوة منذ عام 2024، وفق سجلات جماعات الضغط المنشورة لدى الهيئة الفرنسية العليا للشفافية في الحياة العامة. ويكشف هذا المسار عن تنامي نفوذ شركات التكنولوجيا الكبرى في صياغة التشريعات الأوروبية والوطنية المتعلقة بالبنية التحتية الرقمية، في وقت تتصاعد فيه المطالبات بمزيد من الشفافية حول الأثر البيئي لمراكز البيانات. كما يسلط الضوء على مفارقة أوروبية لافتة، فبينما تقدم بروكسل نفسها بوصفها رائدة في تنظيم القطاع الرقمي وفرض قواعد الشفافية، نجحت جماعات الضغط التقنية في الدفع نحو تشريعات تحجب عن الجمهور معلومات تتعلق بالأثر البيئي لهذا القطاع المتنامي.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية