سمير عبد الباقي.. شعر العامية ومسرح العرائس ضد الظلم والخرافة
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
بين عتمة الزنازين وبهجة العرائس تمتد هوّة مخيفة، قلّة من نجحت في عبورها دون أن تفقد روحها. من هؤلاء الشاعر والفنان المصري سمير عبد الباقي، الذي رحل قبل أيام عن عمر ناهز السابعة والثمانين، بعدما أمضى أكثر من ثلثي حياته في صراع مفتوح على جبهات عديدة، فكان الشاعر والمهرج والمناضل، القابض بإحدى يديه على جمر الواقع، فيما تحرّك الأخرى الدمى كي تمنح المستقبل ابتسامة طفل. ينتمي عبد الباقي إلى ذلك الجيل الذي بلغ ذروة الحلم مع رومانسية ثورة يوليو 1952، وانتصارات حركات التحرر الوطني في أكثر من بلد حقق استقلاله آنذاك. جيل آمن بالبشارة الكبرى، ودفع ثمنها سنوات من العمر خلف القضبان. ثم جاء السقوط مدوّياً؛ هزة عنيفة أطاحته من نشوة الحلم القومي إلى قاع هزيمة يونيو 1967. لكن الهزيمة لم تكسره تماماً، بل دفعته إلى لملمة شظاياه ومواصلة المعركة، وحين لاح له طيف الانتصار في أكتوبر/ تشرين الأول 1973، باغتته زلازل عصر السادات، فبددت ما تبقى من يقين، وأسلمته إلى غضب عارم، من دون أن تدفعه يوماً إلى فقء عيني دمية. ابتعد عبد الباقي بشعر العامية عن مقاربة القضايا الكبرى، والانغماس المباشر في السياسة مثل شعراء سبقوه وآخرين جايلوه، حيث انشغل بيوميات الناس وتفاصيل حركتهم في بيوتهم وأشغالهم وأحلامهم البسيطة. الحلم بغدٍ جميل لم يكد عبد الباقي يتجاوز السابعة عشرة من عمره حتى انخرط في صفوف المقاومة الشعبية، مساهماً في دعم مهجّري بورسعيد إبّان العدوان الثلاثي عام 1956. وقبل أن يبلغ العشرين، كان يشارك في إصدار جريدة سرية بعنوان "صوت الفلاحين"، ترفع شعارات "الأرض، والديمقراطية، والاستقلال الوطني". ذلك الشغف الثوري قاده سريعاً إلى المعتقلات في سبتمبر/ أيلول 1959، حيث أمضى خمس سنوات عجاف خلف القضبان، متنقلاً بين زنازين المنصورة وعتمة سجن الواحات؛ تلك العتمة التي ما إن يطؤها شاعر بقدميه حتى تتخلى الجدران عن صلابتها: "ليلاتي ألقى المجرّة في حضني/ ليلاتي/ تطوف بكل الشطوط الحرة/ جناحاتي/ آهاتي همس المدار/ في صمت زنزانتي/ خلّت حجارة الحيطان/تشهق بغنواتي...". انشغل شعره بيوميات الناس وتفاصيل حياتهم وأحلامهم البسيطة هناك، في أكثر البقاع وحشة، تشارك عبد الباقي مع الكاتب والفنان المصري صلاح حافظ في تحويل الخامات البدائية داخل المعتقل إلى دمى ومجلات كاريكاتيرية، جاعلين من ذلك الحيز الخانق مساحة للعب؛ لا مجرد وسيلة لتزجية الوقت أو الهروب من وطأة الحبس الانفرادي، بل أداة للتهكم على السجن والسجّان، والأهم من ذلك، الترويح عن رفاق العزلة الذين اختُزلت جريمتهم في عشق هذا الوطن، كما يقول في إحدى قصائده: "عن عشق هذا التراب.. عمرك ما تمنعني/ جميع سجون العرب.. يعرفني سجانها/ وجميع بنوك العرب.. عجزت تبيعني/ أنا كل ما يمزَّعُوني.. إيزيس تجمَّعني". أثمرت تجربة السجن أيضاً، عن عملين بارزين في أدب السجون العربي؛ أولهما سيرته الذاتية "زمن الزنازين"، التي اتسمت بالصدق في تصوير الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه، بعيداً عن بطولات الخطابة الجاهزة. أما العمل الثاني فهو روايته "هكذا تكلمت الأحجار" (1979)، التي مزج فيها الواقعي بالأسطوري، مستلهماً روح الريف وحكاياته الشعبية لتفكيك قبضة السجّان. قرص عسل من غير كسل هكذا استمد أدب الطفل عند عبد الباقي خصوصيته من صنع الألعاب، محولاً المسرح إلى ساحة تفاعلية؛ يثور فيها العقل ضد الخزعبلات. ومنها مسرحية "قرص عسل من غير كسل"؛ تلك المغامرة الغنائية التي تحمل العديد من القيم، وأهمها روح الجماعة والإنجاز المشترك، ما يحول مشاق العمل إلى احتفال بالحياة، وتؤكد على منظومة متكاملة من حقوق الأطفال وحقهم في العيش الكريم. في "حلم علاء الدين"، و"بركات الحكيم"، و"بقبق الحمال"، ينفض عبد الباقي الغبار عن قصص التراث، ليحوّلها إلى دراما تخاطب طفل القرن الحادي والعشرين لأنها بالبديهة، صالحة لكل زمان ومكان لا سيما عصرنا المفتقر للخيال. وحين يقتحم عوالم الفنتازيا في "مملكة القرود" أو يواجه الطغيان بالسخرية في "جحا وتيمور لنك"، يمزج الشعر بالرقص بالصورة البصرية، وهو ما امتد إلى صفحات مجلتي "ميكي" و"سمير"، ولم ينتهِ حتى وثّق الراحل أسرار صنعته نقداً وتنظيراً في سلسلته الشهيرة "دفاتر ابن عبد الباقي". كرة الساحر البلورية في مسرح عبد الباقي، يسقط قناع الساحر دائماً في اللحظة التي يظنه فيها الجميع قادراً على صنع المعجزات؛ فلا يعود السحر قوة خارقة تحرك الكون بلمسة عصا، بل يتحول إلى علم ومعرفة وعزيمة الإنسان. لذلك تنتهي العروض عادةً بنزع الهيبة عن الدجال، ليكتشف الأطفال أن صاحب العباءة اللامعة ليس سوى مخادع يتغذى على جهل الآخرين، ويمارس سلطته عبر التضليل والخداع: "واللي افتكرناه عقل/ من صغره كان أهبل". ترك أكثر من أربعين مؤلفاً إلى جانب السيناريوهات والقصص المصورة في المقابل، يدفع عبد الباقي بأبطاله الكادحين إلى مواجهة هذا "الساحر" الذي يعد بالثراء السريع والحلول السهلة، ضمن معارك مسرحية صاخبة بالمفارقات الكوميدية؛ حيث يضحك الطفل من الساحر بدلاً من أن يخشاه، ويسخر من ألاعيبه قبل أن يكتشف، في نهاية الرحلة، أن الخلاص الحقيقي لا يأتي إلا عبر الحب والعمل. لهذا لم يكن غريباً أن يحتفي المشهد الثقافي العربي بصوت سمير عبد الباقي؛ فثمة مفارقة آسرة تنطوي عليها تجربته: كيف لشاعر عركته المعتقلات، وعرف قسوة الزنازين وعتمة القضبان، أن يخرج إلى العالم بكتابة تكاد تخلو من المرارة، محتفظة بقدرتها المدهشة على صناعة البهجة؟ غير أن ذلك الحس المرح بدا وكأنه يتشقق في خواتيم الرحلة، حين تسللت مرارة الخذلان إلى "نهنهات المشيب"، فتخلى الشاعر عن كبريائه المعتاد، وواجه العالم بصوت مكسور: "على شط بحر الهوى.. رسيت مراكبنا/ صبرنا خمسين سنة .. وهلكنا وتعبنا/ ملعون أبوها الشطوط .. اللي بتطفح ملح/ نزفت جراحنا وليه .. تكرهنا حبايبنا!/ داحنا رقصنا لهم .. والحبل في رقابنا!". على إيقاع هذا النزف، ترجّل سمير عبد الباقي عن صهوة الحياة. ومع طيِّ الصفحة الأخيرة من دفاتره التي تجاوزت الأربعين مؤلفاً مطبوعاً، إلى جانب مئات السيناريوهات والقصص المصورة، يتردد صدى صوته الحالم بالمستقبل، متشبثاً بشعلة الأمل ومحتمياً بـ "اكتئابه النبيل": "مَحْلاه.. شعور الاكتئاب النبيل/ لو شقّ قلبك حزن ساعة أصيل/ الكون ينام يبكي في كفّ إيديك/ وإنتَ بلا حضن طيّب في حنانه تميل../ ... ورغم جمر الألم/ تحلم ببُكرة.. جميل".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية