عربي
قبل نحو أسبوع على انتخابات برلمانية مفصلية في أرمينيا، تزداد المؤشرات إلى تنافس دولي ساخن لكسب البلاد ذات الموقع الاستراتيجي في جنوب القوقاز والواقع على عقدة مواصلات بين آسيا الوسطى وأوروبا وجنوب آسيا مع روسيا والقارة الأوروبية. وفيما انضمت الولايات المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي في دعم رئيس الحكومة الحالي نيكول باشينيان، صعّدت موسكو ضغوطها على أرمينيا عبر منع دخول بعض المنتجات الزراعية الأرمينية إلى الأسواق الروسية بحجة عدم مطابقتها المعايير الروسية، ولوّحت مجدداً بورقة أسعار الغاز التفضيلية والطاقة. ورغم تأكيد باشينيان سعيه إلى المحافظة، قدر الإمكان، على علاقات مع روسيا، فإنه شدّد على حق بلاده في تنويع علاقاتها الاستراتيجية. ورغم تبريره الغياب عن قمة الاتحاد الاقتصادي الأورواسي في أستانة يومي الخميس والجمعة الماضيين، فإن تصريحات باشينيان بمناسبة ذكرى استقلال أرمينيا في 1918، وحضوره استعراضاً لأسلحة غربية وهندية إضافة إلى الأسلحة الروسية، قد تسهم في توتير إضافي للعلاقات بين موسكو ويريفان، ما يطرح أسئلة حول قدرة موسكو على تعطيل أكبر عملية إعادة تموضع استراتيجي لدور أرمينيا العالمي باستخدام مؤيديها ومريديها في يريفان، وحدود الرد الروسي على إمكانية تكرار تجربة أوكرانيا. والمعلوم أن الرئيس الأرميني الأسبق سيرج سركيسيان تراجع فجأة في عام 2013 عن خطط توقيع اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي، وانضم بدلاً من ذلك إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وحينها فُسّر القرار على أنه جاء تحت ضغط الكرملين.
أكد باشينيان أن أرمينيا لا تنوي الانسحاب من الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ولكن ستواصل إصلاحاتها المتعلقة بالاندماج في الاتحاد الأوروبي
ونظمت أرمينيا عرضاً عسكرياً، الخميس الماضي، في يريفان، وقال باشنيان في كلمة: "يُقدّم الجيش الأرمني نفسه في العرض العسكري بمناسبة يوم الجمهورية بأسلحة ولباس جديدين، بالإضافة إلى رؤية أيديولوجية مُبتكرة". ومع إشارته إلى أن أسواق السلاح الدولية باتت مفتوحة لبلاده بعد التوصل إلى اتفاقات ثنائية مع أذربيجان، أفاد باشينيان بأن العرض العسكري تضمن أسلحة منتجة من سبع دول، إضافة إلى الأسلحة محلية الصنع. وشاركت أسلحة هندية وفرنسية وروسية في العرض العسكري.
باشينيان يرفض التهديد
وفي مؤتمر صحافي لاحقاً، انتقد باشينيان طريقة تعامل روسيا مع خطوات أرمينيا لتعزيز علاقاتها مع الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وقال إنه من غير المنطقي تهديد بلاده برفع أسعار الغاز، رداً على تصريحات سابقة لعدد من المسؤولين الروس بشأن مراجعة الأسعار التفضيلية للغاز الروسي المصدر إلى أرمينيا في حال قررت الانسحاب من الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. وشدد باشينيان على أنه "يجب أن يكون لدى شعب أرمينيا خيار آخر، سواء الانضمام إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي أو إلى الاتحاد الأوروبي. لست أنا من سيقرر ذلك، بل أنتم من سيقرر. مهمتي هي أن أُهيّئ لكم البدائل، وهي متوفرة لديكم بالفعل. إن شركاءنا الذين يردون على ذلك بالتهديدات، حتى وإن كانت خفية، إنما يتصرفون ضد مصالحهم". وخلص باشينيان إلى أنه إذ كان من المفترض أن يقدّم الروس مقترحات للشعب الأرميني فالأجدى أن يقولوا: "سنفعل هذا الأمر الجيد وذاك الأمر الجيد، ولكنهم، بدلاً من ذلك، يقولون: سنفعل هذا الأمر السيئ". وفي الوقت ذاته، شدّد باشينيان على أن حكومته ستواصل العمل مع روسيا "بهدوء" لمعالجة جميع القضايا العالقة، وقال إن "استراتيجيتنا لم تتغير، سنواصل العمل بهدوء مع شركائنا في روسيا الاتحادية لحل جميع قضايانا".
وتبيع روسيا الغاز الطبيعي لأرمينيا بسعر 177.50 دولاراً لكل ألف متر مكعب، بينما يصل سعره في أوروبا إلى 633 دولاراً لكل ألف متر مكعب. وأكد باشينيان أن أرمينيا لا تنوي الانسحاب من الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، بل ستواصل إصلاحاتها المتعلقة بالاندماج في الاتحاد الأوروبي.
وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد صرح في التاسع من مايو/أيار الحالي بأنه من المناسب لأرمينيا تنظيم استفتاء حول مواصلة تطوير التعاون مع الاتحاد الأوروبي. وبحسب بوتين، فإن نتيجة الاستفتاء تساعد روسيا على استخلاص النتائج المناسبة والمضي قدماً نحو "انفصال حضاري" بين البلدين. ورغم تشديد بوتين على أن روسيا مستعدة لـ"انفصال واعٍ ومُرضٍ للطرفين" إذا اختار الناخبون الأرمن المسار الأوروبي، إلا أنه أشار أيضاً إلى أوجه تشابه مع ما حدث في أوكرانيا في عام 2014، وقال: "كيف بدأ الأمر؟ لقد بدأ بانضمام أوكرانيا أو محاولتها الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي"، ومعلوم أن روسيا ضمّت شبه جزيرة القرم في ذلك العام، ودعمت الانفصاليين في دونيتسك ولوغانسك.
وفي وقت سابق من هذا الشهر، ذكرت صحيفة كوميرسانت الروسية، أن وزير الطاقة الروسي، سيرغي تسيفيليف، أرسل خطاباً إلى وزارة الإدارة الإقليمية والبنية التحتية الأرمينية يحذّر فيه من إمكانية إنهاء اتفاقية الغاز من جانب واحد. وبحسب التقرير، نصّ الخطاب على أن روسيا قد تعلّق أو تلغي من جانب واحد الاتفاقية الموقّعة في ديسمبر/كانون الأول 2013 بشأن توريد الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية والماس الخام إلى أرمينيا، إذا ما واصلت يريفان رسمياً إجراءات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
قيود روسية على أرمينيا
وفي تكرار لسيناريوهات سابقة في التعامل مع عدة بلدان من ضمنها بولندا وجورجيا ومولدوفا وأوكرانيا في سنوات سابقة، فرضت هيئة الرقابة الصحية الروسية قيوداً مؤقّتة على استيراد عدد من منتجات الفاكهة والخضراوات من أرمينيا إلى روسيا اعتبارا من اليوم الجمعة 30 مايو. وتشمل هذه القيود استيراد البندورة والخيار والفلفل والخضروات الورقية والفراولة ذات الأصل الأرمني. وأعلنت الهيئة أن هذا القرار جاء نتيجةً لتزايد المخالفات في توريد منتجات الفاكهة والخضروات من أرمينيا ولضمان سلامة المنتجات النباتية.
وخوفاً من التبعات السياسية والاقتصادية للقطيعة مع روسيا، تطالب جماعات معارضة عدة في الانتخابات بتوثيق العلاقات مع روسيا، من ضمنها تحالف "أرمينيا القوية" بقيادة الملياردير الروسي الأرميني سامفيل كارابيتيان الموقوف على خلفية تهم بالتهرب الضريبي ومحاولات الاستيلاء على السلطة، وحزب "أرمينيا المزدهرة" الذي يتزعمه رجل الأعمال غاغيك تساروكيان، وتحالف "أرمينيا" بقيادة الرئيس الأسبق روبرت كوتشاريان، الذي حكم البلاد لعقد من الزمن حتى عام 2008. ورغم الدعم الروسي للمعارضة، فإنها لا تحظى بدعم شعبي كبير، كما أن صورة روسيا كحليف استراتيجي تراجعت كثيرا منذ حرب ناغورنو كاراباخ 2020.
ودانت وزارة الخارجية الروسية، في 20 مايو الحالي، تقارير زعمت أن الكرملين ينسق حملة إعلامية ضد باشينيان، وأن عدداً من شخصيات المعارضة الأرمينية على صلة بالاستخبارات الروسية، واصفةً إياها بـ"الأخبار الكاذبة". وحمّلت الوزارة في بيانها "دعاة بروكسل" المسؤولية، وزادت أنها تعتبر "الضجة الأخيرة حول وجود عملاء روس في يريفان حلقة أخرى في حملة طرد روسيا من جنوب القوقاز".
لوّحت روسيا بإمكانية إنهاء اتفاقية الغاز من جانب واحد، وفرضت قيوداً على استيراد فاكهة وخضروات من أرمينيا
وبدأت التوترات تتصاعد بعد انتصارات أذربيجان العسكرية في عامي 2020 و2023 وسيطرتها على إقليم ناغورنو كاراباخ، والتي كشفت عن محدودية الضمانات الأمنية الروسية لأرمينيا. وجمّدت حكومة باشينيان فعلياً المشاركة في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، وتغيبت مراراً عن اجتماعات رفيعة المستوى، ما أثار ردات فعل عدائية من المسؤولين الروس ووسائل الإعلام الرسمية. كما بدأت بتعزيز التعاون مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (ناتو).
وقال وزير الخارجية الأرمني، أرارات ميرزويان، للصحافيين في 19 مايو الحالي، إن يريفان لا تُفكّر في الانفصال عن روسيا، وترغب في إقامة علاقات طيبة مع موسكو حتى في الوقت الذي تُعزّز فيه علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي. في المقابل، فإن موسكو تشدد ضغوطها على أرمينيا من أجل قرار حاسم.
وتعليقاً على نهج أرمينيا المتمثل في البقاء في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي إلى حين انتقالها إلى الاتحاد الأوروبي، قال نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل غالوزين، في 20 مايو الحالي، إن هذا النهج "غير مقبول بتاتاً" بالنسبة لموسكو، مشيراً إلى أنه "لن تتمكن أرمينيا من الرقص في حفلي زفاف في الوقت ذاته".
انتقدت موسكو استضافة يريفان زيلينسكي الذي أصبح أول رئيس أوكراني يزور أرمينيا منذ 24 عاماً
وفي مقابل التوتر في العلاقات مع روسيا، واصلت الولايات المتحدة انتهاز الفرصة للتقرب من أرمينيا، ودعم حظوظ حكومتها الحالية للاستمرار في الحكم. وبعد زيارة قصيرة لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى يريفان يوم الثلاثاء الماضي، وتوقيع البلدين على ثلاث اتفاقيات، دخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الخط، وكتب في منشور على منصة "تروث سوشال"، إن "رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، الصديق والقائد، يعمل على جعل بلاده قوية ومزدهرة وآمنة للغاية. ويشاركني نيكول تماماً رؤيتي للسلام والازدهار لأرمينيا ومنطقة جنوب القوقاز بأكملها". وأضاف ترامب: "زار وزير خارجيتنا ماركو روبيو أرمينيا أخيراً، حيث أبرم عدة اتفاقيات مهمة لبلدينا. قريباً، ستضع الولايات المتحدة وأرمينيا معاً أسس "خريطة طريق ترامب للسلام والازدهار الدوليين"، التي ستُحدث نقلة نوعية في جنوب القوقاز وتُمكّن شركات الطاقة الأميركية الكبرى من الوصول إلى أسواق الولايات المتحدة من آسيا الوسطى". وأعرب الرئيس الأميركي عن دعمه لباشينيان في الانتخابات المقبلة قائلاً: "لهذه الأسباب، يحظى نيكول بدعمي الكامل لإعادة انتخابه في 7 يونيو/حزيران 2026. وبمساعدة نيكول، سنرتقي بالولايات المتحدة وأرمينيا وجنوب القوقاز وآسيا الوسطى إلى مستويات أعلى من أي وقت مضى. لنجعل (أرمينيا) عظيمة مرة أخرى".
وتصاعدت حدة التوترات ببطء بين يريفان وموسكو على مدى سنوات، خلال الأسابيع الأخيرة، وأخذت منحى خطيراً مع استعداد أرمينيا للانتخابات الوطنية المقررة في 7 يونيو. واستضافت أرمينيا قمة المجموعة السياسية الأوروبية، الشهر الحالي. وانتقدت موسكو خصوصاً استضافة فولوديمير زيلينسكي الذي أصبح أول رئيس أوكراني يزور أرمينيا منذ 24 عاماً. وفي 10 مايو الحالي، قال المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، إن الاجتماع وفّر منصة "لتصريحات معادية لروسيا" دون أي توازن من جانب القيادة الأرمينية. وأضاف أن هذا الحدث "يتنافى مع روح العلاقات" بين أرمينيا وروسيا.
