عربي
وسط أزمة سياسية حادة ترافقها أصوات انفصالية في بلوشستان وإقليم خيبربختونخوا، يتصاعد الحديث في باكستان عن اختراق الجماعات المسلحة مؤسسات الدولة. وقال مصدر أمني باكستاني لـ"العربي الجديد"، إن الأجهزة الأمنية توصلت إلى معلومات تفيد بأن نحو ألفي موظف حكومي، من بينهم مسؤولون محليون وأعضاء في برلمانات إقليمية، في إقليمي خيبربختونخوا وبلوشستان، تربطهم علاقات مباشرة أو غير مباشرة بجماعات مسلحة تنشط في المناطق الحدودية والشمالية الغربية من باكستان. وأكد المصدر أن هؤلاء يقدمون أشكالاً مختلفة من الدعم، تتراوح بين تسريب المعلومات الأمنية، وتسهيل تحركات المسلحين، والتغاضي عن نشاطاتهم، وصولاً إلى تقديم مساعدات لوجستية لهم، ما جعل الهجمات الكبيرة ميسّرة للمسلحين، وأحدث مثال على ذلك، الهجوم الانتحاري الذي استهدف قطاراً خاصاً بعناصر الجيش الباكستاني وضباطه وذويهم، يوم السبت الماضي، وهو ما أثار تساؤلات حول كيفية وصول المسلحين إلى معلومات مهمة، وكيفية علم المسلحين بالتوقيت الدقيق للقطار، وكيفية وصول السيارة المفخخة التي كان يقودها انتحاري إلى منطقة اتخذت فيها الإجراءات اللازمة من قبل الجيش والاستخبارات، على حد قول المصدر.
جذور في قبائل باكستان
وفي تعليقه على الهجوم، أوضح المحلل الأمني الباكستاني اللواء المتقاعد صادق خان كاكر، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن القطار الذي يقل عناصر للجيش لا يسير على طريق إلا بعد أن يتم تأمينها من قبل الاستخبارات العسكرية، وهذا القطار كان على متنه 300 عنصر من الجيش وذويهم، متسائلاً: "كيف وصلت السيارة المفخخة وفي التوقيت الدقيق إلى مكان الحادث، ومن سهّل الطريق لوصولها محمّلة بأطنان من المتفجرات، وانتحاري بداخلها؟"، معرباً عن اعتقاده بأن "هناك من ساعد الانتحاري في الوصول إلى المكان ومن أمدّه بالمعلومات، وهذا ما يحدث دائماً".
صادق خان كاكر: الانفصاليون البلوش عندما يهاجمون مدينة، يلتف الناس حولهم ويلتقطون معهم الصور
ولفت صادق خان كاكر إلى أن الجماعات المسلحة سواء كانت تلك التي تدعي أنها دينية، كحركة "طالبان" الباكستانية، أو تلك التي ترفع علم القومية مثل الانفصاليين البلوش، كل تلك الجماعات في باكستان لها جذور في القبائل. وسمّى أمثلة على ذلك، حركة طالبان الباكستانية واتحاد المجاهدين وفصائل أخرى، والتي هي كلها بشتونية، والمعروف لدى البشتون أنهم يضحّون من أجل قومهم، كذلك البلوش. وتابع أنه علاوة على ذلك، فقد باتت سياسات صنّاع القرار في باكستان تصب في مصلحة هؤلاء. وأوضح: "نرى أن الانفصاليين البلوش عندما يهاجمون أي مدينة، يلتف الناس حولهم ويلتقطون معهم الصور، يقبّلون جباههم، ويضعون قلائد الورد في أعناقهم ترحيباً بهم، ذلك لأن استراتيجيات الحكومة والجيش أرهقتهم، وهم يريدون الخلاص".
وأشار كاكر إلى أن أبناء القبائل لهم وظائف ومناصب، ومستعدون للتعاون مع المسلحين لأن صنّاع القرار حرموهم من حقوقهم، مقدّماً مثالاً هجوم طالبان الباكستانية على مدينة بنو في 28 إبريل/نيسان الماضي، ثم عودة مقاتليها إلى مناطقهم بعد معارك استمرت على الأقل خمس ساعات، لافتاً إلى أن هذا النشاط يطرح العديد من الأسئلة حول كيفية تنقلهم، والجواب هو أن خلفهم عشائرهم وقبائلهم، وأبناء القبائل الذين يساعدونهم على كل الأصعدة.
محمد عبد الله: يتبنى بعض الموظفين أفكاراً متشددة أو يتعاطفون مع خطاب الجماعات المسلحة
في غضون ذلك، نشرت بعض القنوات الباكستانية تسجيلات صوتية، حصلت عليها من مصادر أمنية لم تسمها، لاتصالات داخلية بين قيادات "طالبان" الباكستانية الميدانيين وهم يتحدثون عن تعاون بعض المسؤولين وأعضاء البرلمان، ويشيدون بدورهم، وذلك بالتزامن مع قرار السلطات إقالة ثلاثين عنصراً من الشرطة في بلوشستان بعد رفضهم المشاركة في عمليات أمنية ضد المسلحين، وهو ما اعتبرته الحكومة تمرداً على الواجب الأمني، بينما اعتبر مراقبون أن الحادثة تعكس حجم الخوف والتعقيد الذي يواجهه العاملون في المؤسسات الأمنية والإدارية داخل المناطق المضطربة.
الحوار أو الحرب
وقال العميد المتقاعد من الجيش عادل راجه، على قناته على "يوتيوب"، في 25 مايو/أيار الحالي، إن 800 من عناصر الشرطة والقوات شبه العسكرية قدموا استقالاتهم في مقاطعة باجور القبلية إلى الشمال الغربي، لأنهم لا يريدون الحرب. ونشر راجا تسجيلاً صوتيا لضابط في الجيش يتحدث معه من الميدان، حيث قال إن 13 عنصراً من قواته مع خمسة عناصر آخرين من فرقة أخرى، قتلوا في ليلة واحدة، كما أصيب 30 جنديا بجراح، واصفاً الوضع بالمأساوي. وذكر أن هؤلاء القبائل على طرفي الحدود، هم من يأتون للحرب، بل هم يأتون ليقتلوا أو يُقتلوا. وأضاف أن "هؤلاء لم يهزمهم الإنكليز ولا الروس ولا أميركا، نحن لن نهزمهم في الحرب وجهاً لوجه، الوضع سيئ جداً، والحل هو الحوار معهم لكن قائد الجيش (عاصم منير) لا يقبل ذلك".
ومعلّقاً على هذا الوضع، اعتبر الإعلامي الباكستاني محمد عبد الله، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن ظاهرة تعاون بعض الموظفين في الإدارات أو أجهزة الأمن مع الجماعات المسلحة ليست جديدة في باكستان أبداً، لكنها باتت أكثر وضوحاً خلال السنوات والأشهر الأخيرة الماضية، مع تصاعد نفوذ الجماعات المسلحة في بعض المناطق القبلية والحدودية، موضحاً أن هناك أسباباً عدة، تدفع بعض الموظفين إلى هذا التعاون، من أبرزها الضغوط القبلية والاجتماعية، حيث تفرض الجماعات المسلحة نفوذها على قرى ومناطق كاملة، ما يجعل كثيراً من الموظفين يعيشون تحت تهديد مباشر يطاولهم أو يطاول عائلاتهم.
ولفت عبد الله إلى أن الاعتبارات الفكرية والأيديولوجية تؤدي أيضاً دوراً في بعض الحالات، إذ يتبنى بعض الموظفين أفكاراً متشددة أو يتعاطفون مع خطاب الجماعات المسلحة، خصوصاً في المناطق التي تعاني من ضعف التنمية وانتشار الخطاب الديني المتشدد. أضف إلى ذلك، وفق رأيه، العامل الاقتصادي، حيث تستغل الجماعات المسلحة الأوضاع المعيشية الصعبة وتقدم إغراءات مالية لبعض العاملين في المؤسسات الحكومية مقابل الحصول على معلومات أو خدمات.
وبات تغلغل الجماعات المسلحة داخل مؤسسات الدولة في باكستان يمنحها قدرة كبيرة على تنفيذ عملياتها، لأن حصولها على معلومات دقيقة حول التحركات الأمنية وخطط المداهمات يساعدها على تجنب الضربات أو استهداف القوات الأمنية بشكل أكثر فعالية. كما أن وجود متعاونين داخل الأجهزة الرسمية يضعف ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية ويخلق حالة من الشكّ داخل الأجهزة الأمنية نفسها.
وفي حين يشهد إقليما خيبربختونخوا وبلوشستان نشاطاً مكثفاً لجماعات مسلحة، لا سيما "طالبان" الباكستانية وجيش تحرير بلوشستان، فإن تعاون الموظفين مع الجماعات المسلحة قد يجعل بعض المناطق في الإقليمين خارجة عن قبضة الحكومة، وإن كان هناك من يرى أن جزءاً كبيراً من الإقليمين هو فعلاً خارج سيطرة الحكومة وأجهزة الدولة، مثل زعيم جمعية علماء الإسلام المولوي فضل الرحمن، الذي حذر أكثر من مرة أن الوضع إذا استمر على هذا النهج، فإن الإقليمين سيصبحان قريباً جزءاً من "الإمارة الإسلامية" (في إشارة إلى حكومة طالبان في أفغانستان، وهؤلاء يعتقدون أن طالبان الباكستانية ليست إلا امتداداً لطالبان الأفغانية).
