السينما الفرنسية... مشهد كابوسي بطله اليمين المتطرف
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تخوض السينما الفرنسية معركة سياسية وثقافية مفتوحة مع صعود اليمين المتطرف في فرنسا. بهذا؛ تحوّلت الدورة الأخيرة من مهرجان كانّ إلى منصة تحذير من محاولة إعادة تشكيل المجال الثقافي الفرنسي وفق خطاب قومي محافظ يرتبط بالتوسع الإعلامي لرجل الأعمال فنسنت بولوريه الذي بات يملك نفوذاً واسعاً في التلفزيون والإنتاج والتوزيع. بالنسبة إلى قطاع واسع من المخرجين والممثلين، يتعلّق الأمر بصراع على من يملك حق تعريف الهوية الفرنسية ومن يتحكم بالرواية الثقافية في بلد اعتاد اعتبار السينما جزءاً من قوته الناعمة ونموذجه الجمهوري. جوهر المواجهة يتمثل في الهجوم المتزايد على منظومة الدعم الحكومي للسينما الفرنسية، وخصوصاً المركز الوطني للسينما، المؤسسة التي موّلت لعقود السينما الفنية والمستقلة وحمتها من منطق السوق التجاري الخالص. اليمين الفرنسي يتهم هذه المنظومة بأنها تحتكر المال العام لصالح نخبة ثقافية يسارية منفصلة عن المجتمع، بينما يرى المدافعون عنها أن تفكيكها سيعني إخضاع السينما بالكامل لسلطة رأس المال والإعلام المؤدلج. في هذا السياق، تسلط صحيفة ذا غارديان الضوء على التداعيات المباشرة لهذا التمدد اليميني، مشيرة إلى الخطر المحدق بالسينما الفرنسية بعدما قررت إدارة شبكة كانال+ (يملكها فنسنت بولوريه) وقف العمل مع 600 شخصية سينمائية وقعت على رسالة مفتوحة مناهضة للملياردير المحافظ. هذا القرار الإقصائي أرسل موجة من الصقيع في أروقة مهرجان كان السينمائي في دورته التاسعة والسبعين، ليعمق حالة عدم اليقين في صناعة تعاني أساساً من ضغوط مالية خانقة ومرحلة تعافٍ شديدة الصعوبة. الفنانون الموقعون على الرسالة، ومن ضمنهم الممثلة جولييت بينوش والمخرجون ريموند ديباردون وسبيده فارسي، حذروا في بيانهم من التداعيات الخطيرة لترك السينما في أيدي مالك يميني متطرف، معتبرين أن هذه الخطوة تمثل تهديداً صريحاً يمهد لاستيلاء فاشي على المخيلة الجماعية ويؤدي حتماً إلى تنميط الأعمال الفنية وإفقادها لتنوعها. بدورها، تنقل صحيفة لو موند واقع التمويل السينمائي المتأزم الذي تفاقم بسبب هذه التوترات، إذ خفضت شبكة كانال+ استثماراتها في السينما كثيراً بموجب اتفاقية مدتها ثلاث سنوات وُقعت عام 2025. ورغم حفاظ "كانال+" على موقعها داعماً مالياً رئيسياً للسينما الفرنسية، فقد قلصت مساهمتها بنسبة 13.7% لتصل إلى 155.6 مليون يورو فقط في عام 2025. هذا التراجع يضع المنتجين أمام تحديات يومية متصاعدة؛ إذ تشير المديرة العامة لشركة كوفيسينيه (Coficiné) المتخصصة في التمويل السينمائي، سيلفيا لاج، إلى الصعوبة البالغة في إيجاد تمويل ملائم للأفلام حالياً. وتوضح أن الوضع أصبح مقلقاً جداً لقطاع الإنتاج المستقل، وتحديداً الأفلام متوسطة الميزانية (بين 4 و7 ملايين يورو)، وهي الفئة الأكثر تضرراً، فضلاً عن القيود الهائلة التي تواجه المشاريع ذات الميزانيات الأقل من أربعة ملايين يورو. تشير صحيفة لو موند إلى أن المنتجين باتوا يلجؤون إلى تدابير تقشفية قاسية وغير مسبوقة، كتقليص عدد أيام التصوير، والدخول في مرحلة الإنتاج الفعلي من دون تأمين كامل التمويل المطلوب سلفاً. وفي أحيان كثيرة، يتنازل المنتج عن أجره الشخصي كلياً لتخفيف الأعباء، بينما تتراكم الديون الثقيلة على شركات الإنتاج. توازياً مع ذلك، يواجه الموزعون المستقلون خطر الانهيار التام بسبب نضوب احتياطياتهم النقدية إثر انخفاض نسب ارتياد صالات السينما في عام 2025. هذا الخنق المالي أدى بالفعل إلى وضع شركات توزيع أصيلة معروفة بدعمها لأفلام فنية راقية، مثل شركة شيلاك (Shellac)، تحت الحراسة القضائية في أواخر شهر إبريل/نيسان الماضي. في سياق تراجع الاستثمارات الكلاسيكية، تكشف صحيفة لو موند عن محاولات منصات البث العالمية (مثل نتفليكس وديزني+ وأمازون برايم) التعويض الجزئي لهذا النقص، بعدما ضخت 76 مليون يورو في الأفلام الفرنسية خلال عام 2025. ورغم تعهد "أمازون برايم" برفع مساهمتها من ثمانية ملايين إلى 18 مليون يورو حدّاً أدنى بموجب اتفاقية جديدة مرتقبة، يظل ذلك غير كافٍ لتغطية العجز الكلي. القنوات التلفزيونية الخاصة مثل TF1 وM6 تقدم بدورها دعماً ضئيلاً نظراً إلى تراجع إيراداتها الإعلانية التي ترتبط بها التزاماتها التمويلية المباشرة. ورغم ثبات مساهمة تلفزيون فرنسا العام عبر زيادة طفيفة بنسبة 2.2%، تراجع إجمالي التمويل العام للقطاع، شاملاً دعم المركز الوطني للسينما والسلطات الإقليمية، بنسبة 13.8% في عام 2025. هذا الشح ترك دور السينما الصغيرة تكافح من أجل البقاء، لعجزها عن تسديد قروض حقبة جائحة كورونا أو الاستثمار في تقنيات العرض الحديثة الموفرة للطاقة بالليزر، وسط شكاوى مستمرة من ممارسات احتكارية تمارسها سلاسل العرض الكبرى مثل "أو جي سي" (UGC) و"ميغاراما" (Megarama)، التي تضغط على الموزعين لحرمان الصالات الصغيرة من عرض الأفلام في يوم إطلاقها الوطني. سياسياً، وكما يشير تقرير نشره موقع بوليتيكو حول مساعي اليمين المتطرف إلى تقويض السينما الفرنسية، أصبح المركز الوطني للسينما والصورة المتحركة (CNC) الهدف الأول لحزب التجمع الوطني. تجلى هذا الهجوم بوضوح في تصريحات النائب اليميني المتطرف جان فيليب تانغي، الذي انتقد بعنف إشادة الممثلة كاميل كوتان بالمركز خلال حفل توزيع جوائز سيزار. تانغي لجأ إلى منصة إكس ليشن هجوماً لاذعاً، متهماً المركز باستخدام 800 مليون يورو من أموال الضرائب لتوزيعها على الأصدقاء والعائلة، ولدفع أجور باهظة ضمن نظام يديره "المحتالون". ومضى نائب آخر من الحزب نفسه، هو ماتياس رينو، أبعد من ذلك بمحاولته تمرير تعديل قانوني في الجمعية الوطنية في أكتوبر/تشرين الأول 2025 لإلغاء المركز تماماً، متذرعاً بإهداره أموال الشعب على "أفلام يسارية فاشلة ومنعدمة الربحية". بالنسبة إلى حزب التجمع الوطني، يمثل هذا المركز التجسيد المطلق للنخبوية المؤسّسية والمحسوبية التي تجب إزالتها من الوجود. وفي حال نجاح اليمين المتطرف في الوصول إلى سدة الرئاسة في انتخابات 2027، تصبح فكرة الإغلاق النهائي لهذه المؤسسة العامة العريقة أمراً وارد الحدوث. باتت معركة السينما في فرنسا صراعاً على تعريف الهوية الوطنية ولأول مرة في تاريخ فرنسا المعاصر، يطالب حزب سياسي علناً بتصفية المركز الوطني للسينما، وهي الخطوة التي حذرت منها بشدة آن فلامانت، مديرة الإعلام والقطاع الرقمي في بنك Neuflize OBC، واصفة إياها بالكارثة المحققة؛ لكونها ستتسبب في اختفاء الأفلام والمسلسلات الفرنسية فوراً لصالح الإنتاجات الأميركية الضخمة، ما يهدد مباشرةً السيادة الثقافية والاقتصادية للبلاد ويضع آلاف الوظائف في مهب الريح. لفهم أبعاد هذه المعركة، توضح صحيفة لو موند آلية عمل المركز الوطني للسينما، واصفة إياه بمضخة عملاقة صُممت عام 1946 لسحب الإيرادات وإعادة ضخها في شرايين الصناعة السينمائية. يعتمد هذا المركز في ميزانيته على اقتطاع رسوم إلزامية من مبيعات التذاكر، والقنوات التلفزيونية العامة والخاصة، ومنصات البث الرقمي وشركات الإنترنت الكبرى، متجنباً استخدام أموال الضرائب المباشرة للمواطنين. يُعاد توزيع هذه الحصيلة الضخمة، المقدرة بنحو 800 مليون يورو، لتمويل مشاريع تتنوع بين الأفلام التجارية والأعمال المستقلة، مروراً بألعاب الفيديو الفرنسية، ووصولاً إلى ترميم دور السينما في القرى والبلدات. يوفر المركز نوعين من الدعم الأساسي: دعم آلي يعتمد على النجاح التجاري للأفلام السابقة لتوفير رصيد مالي لتمويل أعمال مستقبلية بحرية أكبر، ودعم انتقائيّ يخصص ميزانية قدرها 351 مليون يورو سنوياً لسينما المؤلف عبر لجان متخصصة، حمايةً للتنوع الإبداعي من قسوة منطق السوق. ولعلّ فيلم "تشريح سقطة" (Anatomy of a Fall) للمخرجة جوستين ترييه، الفائز بالسعفة الذهبية وجائزة أوسكار عام 2024، أحد أبرز ثمار هذه الآلية الانتقائية الرائدة. رغم نجاح هذه المنظومة المعقدة في إبقاء فرنسا ضمن أكبر ثلاث قوى عالمية في سوق السينما والتصدير، يعاني المركز من ثغرات إدارية يستغلها خصومه السياسيون لتشويه صورته. تلفت صحيفة لو موند الانتباه إلى أن الهيكل الإداري المتشعب، الذي يضم 44 لجنة وأكثر من 600 عضو، يثير انتقادات حادة بسبب البيروقراطية وانعدام الشفافية في بعض قراراته. وينتقد منتجون محليون، مثل مانويل مونز، المركز علانية، واصفين إياه بالملاذ النقابي المغلق وبأنه معبد للزمر التي تحتكر الفكر المهيمن داخل الصناعة وتستبعد الأفلام الجماهيرية. فضلاً عن ذلك، يواجه المركز استنزافاً مالياً من داخل مفاصل الدولة؛ إذ سطت وزارة المالية الفرنسية على 550 مليون يورو من ميزانيته واحتياطياته خلال عامَين متتاليَين بحجة المساهمة في المجهود المالي الوطني العام. توازياً، تعرض المركز لانتقادات لاذعة وحملات كراهية على شبكات التواصل الاجتماعي لتخصيصه منحاً لدعم أفلام وثائقية ذات توجهات سياسية ويسارية صريحة، مثل فيلمي "العلم" (Le Repli) و"الانتفاضات" (Soulèvements). أمام سيل الانتقادات وحملات التشكيك الممنهجة، يتولى الرئيس الشاب للمركز الوطني للسينما، غايتان برويل، مسؤولية الدفاع بصلابة عن المؤسسة، معتبراً إياها التجسيد الحقيقي للسيادة الوطنية والأداة الفرنسية الأهم للتأثير الثقافي عالمياً. ويفند برويل اتهامات التجمع الوطني بتبديد الأموال حصرياً على مشاريع يسارية مناهضة لتيار اليمين، مقدماً دليلاً رقمياً يثبت أن 47 فيلماً من أصل 52 حصلت على دعم الإيرادات المتوقعة من المركز عام 2023، جرى تمويلها المشترك بالتعاون مع شبكة كانال+ نفسها التي يمتلكها الملياردير المحافظ بولوريه، غير أنّ هذا الدفاع العقلاني يصطدم دائماً بمناخ سياسي شديد السمية، تفاقم بشدة إثر تفجر أزمة صانعة المحتوى أولتيا (Ultia) على منصة تويتش، التي أُقيلت فوراً من إحدى لجان المركز في مارس/آذار 2026 بعد إعلانها صراحة رفضها منح أي تمويل مالي لأشخاص ينتمون إلى اليمين المتطرف. أطلقت هذه الحادثة العنان لموجة عنيفة من التنمر الإلكتروني والتهديدات الصريحة بالقتل ضد موظفي المركز، ما دفع المؤسسة إلى تعليق عمل اللجنة مؤقتاً، ومنح السياسيين المحافظين، مثل البرلماني فرانسوا كزافييه بيلامي، ذخيرة إضافية للهجوم على المنظومة تحت لافتة "اختلاس الإعانات بين النشطاء اليساريين". تبلور النقابات السينمائية حالياً استراتيجية تهدف إلى إدراج مفهوم السيادة الفرنسية والثقافية داخل الدستور في هذا المشهد الدرامي المتقلب، تعجز الأخبار الإيجابية الخجولة عن تبديد حالة القلق الهيكلي السائدة في القطاع. فرغم القفزة الملحوظة في ارتياد دور السينما في فرنسا بنسبة 19% لتسجل 62.7 مليون تذكرة بين مطلع يناير/كانون الثاني ونهاية إبريل 2026، وتوقعات الخبراء باحتمال تجاوز حاجز الـ185 مليون تذكرة بنهاية العام، تظل هذه الأرقام المتفائلة بعيدة عن الانتعاش القياسي لمستوى 213 مليون تذكرة المسجل في عام 2019 قبل تفشي جائحة كوفيد-19. وبات جلياً لكبار صناع القرار داخل القطاع أن هذه التحديات المالية الخانقة تمثل مجرد مؤشرات أولية لأزمة وجودية أعمق بكثير. يتمثل الخطر الأكبر، وفقاً لقراءاتهم، في الانهيار المتسارع للإجماع السياسي الوطني العريض الذي تكفل بحماية التمويل الثقافي والسينمائي طوال العقود الماضية وجعله محصناً ضد المزايدات الحزبية وتقلبات الحكومات. في ظل تنامي مخاوف تحقيق سيناريو وصول حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف إلى قصر الإليزيه، سارعت النقابات الأساسية للمخرجين والمنتجين والموزعين لتنظيم صفوفها وتوحيد جبهتها الدفاعية. يؤكد المخرج بيير جوليفيه، نائب رئيس جمعية المؤلفين والمخرجين والمنتجين، سعي الأنظمة اليمينية المتطرفة سعياً ممنهجاً إلى ضرب الثقافة المستقلة وخنقها فور بلوغها السلطة في أي بقعة من العالم، معتبراً أن النضال لاستمرار المركز الوطني للسينما يعادل النضال من أجل حماية الديمقراطية نفسها. ولتحصين هذا الإرث ضد رياح التغيير العاتية، تبلور النقابات السينمائية حالياً استراتيجية سياسية طموحة بالتعاون مع مستشارين مخضرمين، تهدف إلى إدراج مفهوم السيادة الفرنسية والثقافية بصيغة رسمية ملزمة داخل الدستور الفرنسي، بغية جعل خطوة تدمير المركز الوطني للسينما أمراً شبه مستحيل من الناحية القانونية. توازياً مع هذا الحراك القانوني، تكثف النقابات اجتماعاتها مع قيادات التشكيلات الحزبية المختلفة لمطالبتهم باتخاذ مواقف حاسمة وقاطعة لحماية هذه الصناعة الاستراتيجية. وبينما ترفض أطراف عدّة مبدأ فتح قنوات حوار مع قيادات اليمين المتطرف، يرى آخرون ضرورة مجابهتهم على طاولة النقاش لفضح أخطاء قراءتهم لواقع الصناعة. يبقى مستقبل السينما الفرنسية متأرجحاً في قلب عاصفة قاسية تديرها تحولات سياسية راديكالية وأجندات رأس المال المتحكم، في انتظار الجولة المفصلية المتمثلة في الانتخابات الرئاسية المرتقبة عام 2027، التي قد تُسطّر الفصل الأخير في رواية هذا الاستثناء الثقافي.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية