عربي
على مدى 11 يوماً تلت اختتام زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي دامت ثلاثة أيام إلى الصين، كانت الأجواء توحي بالتهدئة النسبية بين البلدين، على الصعد السياسية والتجارية، غير أنّ تطورات الأيام الأخيرة، بما في ذلك إعادة واشنطن إحياء "مجموعة كواد" تعكس أجواءً أو نيّات، تحديداً أميركية، مغايرةً. فقد أعلنت الولايات المتحدة والهند وأستراليا واليابان التي تشكّل معاً مجموعة "كواد"، أمس الثلاثاء، عن تعاون جديد في مجالَي الأمن البحري والمعادن الحيوية، في خطوة لإحياء الشراكة بينها، وذلك في أعقاب الخلافات حول الحرب في إيران، فضلاً عن شكوك إزاء مدى التزام الولايات المتحدة تجاه حلفائها التقليديين. وجاء اجتماع "كواد" الذي عُقد في العاصمة الهندية نيودلهي، بعد زيارة ترامب إلى الصين التي استمرت بين 13 مايو/أيار الحالي و15 منه، والتي تحدث خلالها بإيجابية عن تعاون القوّتَين العالميتَين كـ"مجموعة ثنائية"، ما أثار خشية دول حليفة لواشنطن من أن يؤدي إلى تهميشها، علماً أن بكين تنظر بريبة إلى "كواد". كما جاء اجتماع "كواد" في وقت تتصاعد فيه المخاوف العالمية إزاء تزايد المناورات العسكرية الصينية في المنطقة.
مجموعة "كواد"
والمجموعة عبارة عن منتدى حوار غير رسمي إلى حد كبير، تأسس عام 2007 وأُعيد إحياؤه بعد عشر سنوات من حله في الفترة الفاصلة. وتضم مجموعة (كواد) أستراليا والهند واليابان والولايات المتحدة، وهي شراكة استراتيجية رئيسية للتعاون في مجال الأمن البحري وسلاسل الإمداد والاستراتيجية الإقليمية، في ظل توسع النفوذ العسكري والاقتصادي للصين في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ. ولا تستهدف المجموعة رسمياً أي دولة بعينها، لكنها تعتبر جزءاً من الجهود الرامية إلى مواجهة تصاعد النفوذ الصيني في المنطقة. وتشمل مجالات التعاون الأخرى الأمن الصحي والتكنولوجيا والعمل المناخي وتطوير البنية التحتية. وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو استبق اجتماع أمس بالإعلان أن واشنطن تريد أن تتجاوز "كواد" دور منصة الحوار، إلى اتخاذ خطوات أكثر عملية في ملفات تشمل الأمن البحري والمعادن الحيوية، كما أوضح أن المسؤولين يعملون على عقد قمة لقادة الدول الأربع في وقت لاحق من العام الحالي، من دون تحديد موعد.
بكين: لا ندعم تشكيل تكتّلات حصرية أو مواجهة بين الكتل
وخلال لقائه نظراءه، قال روبيو إن "كواد" تضم دولاً "تشترك في قيم قوية، ديمقراطيات مزدهرة ونابضة بالحياة، كما تلتزم بمفاهيم مشتركة تتعلق بالتنمية الاقتصادية ولديها مصالح متقاربة"، لافتاً إلى أنّ الدول الأربع ستعمل معاً على مبادرتَين بحريتَين: الأولى تجمع قدراتها في مجال المراقبة، والثانية ستوفّر معلومات آنية معزّزة لحركة الملاحة التجارية في البحر. كذلك، دعا روبيو المجموعة إلى التعاون في تأمين إمدادات المعادن الحيوية، وهو مجال لجأت فيه إدارة ترامب إلى الدبلوماسية التقليدية، في ظلّ خشيتها من هيمنة الصين على الموارد الأساسية في قطاع التكنولوجيا المتطورة.
ورغم أن روبيو عقد اجتماعَين لمجموعة "كواد" العام الماضي، بما في ذلك بعد ساعات من تولّيه منصبه في 21 يناير/كانون الثاني 2025، فإنّ ترامب لم يلتزم بعقد قمّة رباعية على مستوى القادة، فيما يبدو أن التطورات التي أعقبت الحرب على إيران وتمدد تداعياتها، دفعا باتجاه عقد قمة في العام الحالي. وخلال لقائه نظراءه في نيودلهي، قال الوزير الأميركي إن "كواد" أصبحت "أكثر أهمية في ضوء التطورات الحاصلة على مستوى العالم". وأضاف: "كان هدفنا الجماعي خلال العام الماضي تحويل هذه المجموعة من منصة لمناقشة المشكلات إلى جهة تتّخذ إجراءات فعلية"، مشيراً إلى أن التعاون يتقدّم "بوتيرة سريعة"، كما لفت روبيو إلى أن مجالات التعاون الأخرى تشمل حرية الملاحة والاستجابة الإنسانية وأمن الطاقة. وقال: "تمثّل الدول الأربع قدرات فريدة، يمكننا مجتمعين توظيفها لمواجهة بعض أبرز التحديات العالمية". ولطالما استخدمت واشنطن مفهوم "حرية الملاحة" للتعبير عن معارضتها لتوسّع الصين البحري، وهو ما يثير قلقاً خاصّاً بالنسبة إلى اليابان. لكن الولايات المتحدة بدأت أخيراً باستخدام المبدأ نفسه لحشد حلفائها ضد إيران، التي فرضت قيوداً على الملاحة عبر مضيق هرمز الاستراتيجي رداً على الحرب الأميركية الإسرائيلية عليها، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً".
وكررت الصين، أمس الثلاثاء، موقفها بشأن "كواد"، قائلة إن التعاون بين الدول يجب أن يساهم في السلام والاستقرار والازدهار الإقليمي، وألا يستهدف أي طرف ثالث. وصرحت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينغ، في مؤتمر صحافي يومي قائلة "نحن أيضاً لا ندعم تشكيل تكتلات حصرية أو مواجهة بين الكتل. ولا ينبغي لأي تعاون أن يقوض الثقة المتبادلة والتعاون بين دول المنطقة". واتهمت الدول الأعضاء في "كواد" الصين مراراً باستعراض قوتها العسكرية في بحر الصين الجنوبي، ودفع مطالبها الإقليمية البحرية على نحوٍ هجومي. في المقابل، تؤكد بكين أن جيشها ذو طابع دفاعي بحت لحماية ما تصفه بالحقوق السيادية الصينية، وتعتبر "كواد" محاولة لاحتواء نموها الاقتصادي ونفوذها.
ورغم إعادة إحياء المجموعة، وتحديد روبيو الأهداف العريضة للفترة المقبلة، لا تقف الدول الأعضاء على مسافة واحدة من جميع القضايا. وقال وزير الخارجية الهندي سوبراهمانيام جايشانكار، إنّ التركيز سينصبّ على "منطقة المحيطيَن الهندي والهادئ"، التي تشكّل الإطار الرئيس لعمل "كواد"، وأضاف في كلمته الافتتاحية، أمس الثلاثاء، أنه يتعين على "كواد"، العمل على ضمان الأمن البحري وتعزيز الخيارات الاقتصادية في المنطقة، بحسب وكالة أنباء "برس ترست أوف إنديا" الهندية. ودعا جايشانكار تحديداً إلى إقامة شراكات "موثوقة وشفافة" من أجل جلب السلام والازدهار إلى منطقة المحيطَين الهندي والهادئ. وأضاف: "على الصعيد العالمي، يتعيّن علينا معالجة قضايا مثل صمود سلاسل التوريد، ونقاط الاختناق في شبكات التواصل، والتركيز على التصنيع والموارد، والفجوات في البنية التحتية الحيوية. وتطرح كل واحدة من هذه القضايا سبباً إضافياً لصالح المزيد من الشراكات".
روبيو استبق اجتماع أمس بالإعلان أن واشنطن تريد أن تتجاوز "كواد" دور منصة الحوار، إلى اتخاذ خطوات أكثر عملية في ملفات تشمل الأمن البحري والمعادن الحيوية
مسؤوليات مجموعة "كواد"
وقال جايشانكار إنه مع نمو النشاط الاقتصادي، والطاقة والتجارة، والتجارة البحرية في المنطقة، "ستتزايد مسؤوليات مجموعة كواد على نحوٍ متناسب، ويجب أن نكون مستعدين لذلك". مع العلم أن الهند تختلف مع بقية أعضاء المجموعة بشأن الغزو الروسي لأوكرانيا، إذ رفضت قطع علاقاتها التاريخية مع روسيا. من جانبها، قالت وزيرة الخارجية الأسترالية بيني وونغ: "يجب أن نجعل مجموعة كواد قوية وفعالة قدر الإمكان، فنحن مصممون على مواصلة زخمها، ونريد لمنطقة المحيطَين الهندي والهادئ أن تكون سلمية ومستقرة ومزدهرة". وكشفت، أمس الثلاثاء، أن المجموعة تتعاون في دعم تطوير الموانئ في فيجي، وهي دولة جزرية رئيسة في جنوب المحيط الهادئ تسعى الصين إلى تعزيز نفوذها فيها.
واعتبرت أن هناك الكثير من الملفات التي تتطلّب الانتباه في آسيا، في ظلّ "تدهور البيئة الاستراتيجية والضغوط الاقتصادية الحادة"، وشدّدت على "أهمية الحفاظ على مبدأ حرية الملاحة، ونعارض أي مقترح لفرض رسوم عبور"، في إشارة إلى خطة إيران لفرض رسوم على السفن المارة عبر مضيق هرمز، وأكدت وونغ أن مجموعة "كواد" تعكس التزاماً مشتركاً بين أربع دول ذات سيادة بمنطقة حرة ومفتوحة في المحيطَين الهندي والهادئ. وقالت وونغ: "هناك توافق كبير بين مصالحنا. نحن جميعاً نتشارك رؤية لمنطقة المحيطَين الهندي والهادئ باعتبارها منطقة حرة ومفتوحة".
(فرانس برس، رويترز، أسوشييتد برس)

أخبار ذات صلة.
ضيوف الرحمن ينفرون إلى مزدلفة بسلام
الشرق الأوسط
منذ 5 دقائق
احتكاك في «هرمز» يُربك مسار الاتفاق
الشرق الأوسط
منذ 13 دقيقة