عربي
مع تزايد نفوذ المؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي في باكستان وتحوّل المنصات الرقمية إلى مصدر تأثير واسع على الشباب والرأي العام، بدأت الحكومة الباكستانية، خلال الأشهر الماضية، حملة متصاعدة لإحكام السيطرة على الفضاء الإلكتروني، عبر فرض قوانين جديدة وإجراءات مشدّدة استهدفت صناع المحتوى.
وفي حين قالت السلطات إن هذه الإجراءات تهدف إلى الحدّ من المحتوى الضار ومكافحة الترويج للقمار والمخدرات، يرى منتقدون أن الأمر يتجاوز التنظيم إلى ممارسة ضغوط متزايدة على المؤثرين الذين باتوا يمتلكون حضوراً يفوق أحياناً وسائل الإعلام التقليدية، والهدف هو القضاء على كل صوت لا يقبل ضغوط الجهات الرسمية، ولا يتماشى مع السياسة العامة للبلاد، خاصة ما يأتي من المؤسسة العسكرية الباكستانية.
وأقرّت الحكومة الباكستانية تعديلات وقوانين جديدة لتنظيم المحتوى الرقمي، ومنحت الجهات المختصة صلاحيات أوسع لمراقبة الحسابات، وحذف المحتوى، وفرض الغرامات، وحتّى حظر بعض المؤثرين الذين تتهمهم السلطات بانتهاك القوانين أو القيم الاجتماعية. وقد شملت الإجراءات إغلاق حسابات معروفة، وفرض عقوبات مالية، إلى جانب ملاحقة بعض صناع المحتوى قضائياً.
تستند السلطات الباكستانية في تشديد الرقابة على وسائل التواصل الاجتماعي إلى التعديلات الجديدة على قانون منع الجرائم الإلكترونية (PECA). وقد صادق البرلمان الباكستاني على التعديلات الجديدة في يناير/ كانون الثاني 2025، قبل أن يوقع عليه الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري ليدخل حيّز التنفيذ رسمياً في الـ29 من الشهر نفسه.
تضمّنت التعديلات الجديدة إنشاء هيئة خاصة لتنظيم ومراقبة وسائل التواصل الاجتماعي تحت اسم هيئة حماية وتنظيم وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب منح السلطات صلاحيات أوسع لحذف المحتوى، وحظر الحسابات، وملاحقة صناع المحتوى والمؤثرين. كما ينصّ القانون على عقوبات بالسجن قد تصل إلى ثلاث سنوات وغرامات تصل إلى 2 مليون روبية بحق من ينشر ما تصفه السلطات بـ"الأخبار الكاذبة أو المضللة"، أو المحتوى الذي "يثير الخوف أو الفوضى، أو الاضطراب داخل المجتمع".
وأثار القانون منذ إقراره موجة واسعة من الانتقادات من قبل الصحافيين والناشطين ومنظمات حقوق الإنسان، الذين اعتبروا أن صياغته قد تُستخدم لتقييد حرية التعبير وإحكام السيطرة على الفضاء الرقمي.
وبعد المصادقة عليها شهدت مدن باكستانية مختلفة احتجاجات من نقابات الصحافيين والمؤسسات الإعلامية اعتراضاً على القانون، معتبرين أنه يمنح الحكومة نفوذاً واسعاً على المحتوى الرقمي والمؤثرين والصحافيين العاملين عبر الإنترنت. مع ذلك، مضت الحكومة في تطبيق القانون، وهو ما دفع الكثير من الناشطين على منصات التواصل أو المؤثرين للهرب خارج البلاد، كما واجه الكثيرون غرامات مالية.
وقال الصحافي المختص في منصات التواصل الاجتماعي، محمد نديم بتي، لـ"العربي الجديد"، إنّ هذا القانون كان نتيجة لرغبة المؤسسة العسكرية في السيطرة على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن أصبحت وسائل الإعلام التقليدية تحت سيطرتها بشكل كامل، حسب قوله.
وأضاف أنّ الحكومة قادت حملات منظّمة على منصات التواصل الاجتماعي، تبدأ من الترويج لدعاية المؤسسة العسكرية والإشادة بالجيش، ومن ثمّ تطبيق قانون الجرائم الإلكترونية، من خلال غرامات مالية على بعض المؤثرين من الطبقة الثانية والثالثة وحظر بعضهم، وصولاً في النهاية إلى المؤثرين المشهورين، الذين هرب جزءٌ منهم خارج باكستان.
أشار بتي إلى أن استهداف المؤثرين الكبار الذين يتمتعون بشعبية هائلة أصعب على الحكومة، بسبب تأثيرهم الواسع وقوة حضورهم بين الشباب، خاصة عندما يكون محتواهم لا يحتوي على مخالفات واضحة وفق القانون الجديد. ومع اتساع هذه الفجوة، بدأت تظهر قضايا تتعلق بالترويج للقمار الإلكتروني أو المخدرات، كمدخل قانوني للتحرك ضد بعض الأسماء البارزة.
وبرزت أخيراً قضية المؤثر دكي بهايي (اسمه الحقيقي سعيد الرحمن)، الذي يعد من أشهر صناع المحتوى في البلاد مع أكثر من 15 مليون متابع على "يوتيوب"، بعد اتهامه بالترويج لأنشطة مرتبطة بالقمار والمحتوى الضار، في قضية اعتبرها البعض جزءاً من حملة أوسع تستهدف ضبط نفوذ المؤثرين على الإنترنت.
وكانت السلطات الباكستانية قد أكّدت سابقاً أنها تنظر بعين القلق إلى أنشطة المؤثرين، خاصة مع الأرباح الضخمة التي يحققها بعضهم، عبر الإعلانات والبث المباشر والترويج للتطبيقات الإلكترونية، لافتة إلى أنّ ترويج جزء منهم لمنصات مراهنات إلكترونية بشكل مباشر أو غير مباشر، سواء عبر الإعلانات أو المسابقات أو الروابط الدعائية، ساهم في انتشار تطبيقات القمار بين الشباب والمراهقين.
وحذّرت السلطات من التأثير المتزايد لبعض المشاهير على سلوك الجيل الجديد، مؤكدة أن عدداً منهم يصنعون أنماطاً جديدة من الثقافة الرقمية في المجتمع الباكستاني، تشمل أساليب الحياة والاستهلاك وحتى طريقة التفكير، في ظل غياب الرقابة على المحتوى الذي يقدمونه. ويتفق بعض المراقبين مع الموقف الحكومي.
وقال الصحافي شيروز خان، لـ"العربي الجديد"، إن ما تفعله الحكومة "شيء جيد ومهم"، معتبراً أن نشاط المؤثرين "يجلب الكثير من الأمور السلبية، منها القمار والمخدرات"، كما أشار إلى وجود فساد مالي كبير في أوساطهم، إذ إنهم لا يدفعون الضرائب ولا يصرّحون بمصادر دخلهم، حسب قوله.
في المقابل، يرى آخرون أن الحكومة تستخدم قضايا القمار والمخدرات أدوات للضغط على المؤثرين الذين يصعب تقييدهم عبر القوانين التقليدية، خاصة أن بعضهم يمتلك قدرة هائلة على التأثير في الرأي العام. وقال الناشط الاجتماعي سفرازخان يوسف زاي، لـ"العربي الجديد"، إن القوانين الجديدة تتضمن بنوداً غامضة تسمح بتفسيرات واسعة، ما يثير مخاوف من استخدامها لتقييد حرية التعبير، أو إخضاع الفضاء الرقمي لمزيد من السيطرة الرسمية.
ورأى يوسف زاي أن الحكومة، ومن ورائها الجيش، استهدفا الفضاء الرقمي لأنّه يتيح حرية التعبير، وهو ما لا يمكن لهما تحمله، حسب قوله، مضيفاً أن محاربة الفساد الأخلاقي والمالي يجب أن تبدأ من الساسة والجنرالات، لا من مستخدمي الإنترنت.
حذّرت السلطات من تأثير بعض المشاهير في سلوك الجيل الجديد
وفي حين كان دكي بهايي أبرز من تعرّض للتوقيف، إلّا أن هناك مؤثرين آخرين يملكون ملايين المتابعين ما زالوا يواجهون ملاحقات قضائية، منهم: مدثر حسن، واقرأ كنول، ورجب بت. فيما واجه مؤثرون أقل شهرة، يملكون آلاف المتابعين، قيوداً مختلفة، تضمّنت الحظر والغرامات.
ومع تصاعد الحملة عليهم، فضّل بعض مشاهير المؤثرين مغادرة البلاد أو تقليل نشاطهم على منصات التواصل، بينما حذف آخرون منشورات سابقة، وتجنّبوا الترويج لتطبيقات وإعلانات قد تضعهم تحت المساءلة القانونية. كما أصبحت شركات الإعلانات أكثر حذراً في التعاون مع المؤثرين المرتبطين بمحتوى مثير للجدل.
وبين تأكيد الحكومة أن حملتها تهدف إلى حماية المجتمع والشباب من المحتوى الضار، وتحذيرات المنتقدين من تضييق متزايد على الحريات الرقمية، تبدو سلطات باكستان اليوم أمام مواجهة مفتوحة مع عالم المؤثرين، في وقت صار من الأصعب فيه السيطرة على منصات التواصل الاجتماعي بسهولة.

أخبار ذات صلة.
ضيوف الرحمن ينفرون إلى مزدلفة بسلام
الشرق الأوسط
منذ 4 دقائق
احتكاك في «هرمز» يُربك مسار الاتفاق
الشرق الأوسط
منذ 12 دقيقة