عربي
أكد تقرير اقتصادي اليوم السبت، أن التحديات التي تواجه آفاق التضخم في الولايات المتحدة تتزايد نتيجة للزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة، والضغوط الجمركية المستمرة، وقوة الطلب المحلي. وتشير هذه العوامل مجتمعة إلى أن التضخم من المرجح أن يبقى أعلى من المستوى المستهدف لفترة أطول، ما يعرقل مسار بنك الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) نحو تطبيع السياسة النقدية.
وأوضح التقرير الأسبوعي الصادر عن بنك قطر الوطني "QNB" أن المستثمرين يتوقعون الآن بقاء أسعار الفائدة دون تغيير هذا العام عند حوالى 3.75%، على عكس التوقعات السائدة قبل النزاع التي كانت تشير إلى تخفيضين بمقدار 25 نقطة أساس. وذكر التقرير وفقاً لوكالة الأنباء القطرية "قنا" أن مسار تراجع الفائدة المرتفع منذ جائحة كورونا، تعرّض لتغير مفاجئ نتيجة لتصعيد الصراع الإسرائيلي الأميركي مع إيران في أواخر فبراير/ شباط الماضي. وأدى الارتفاع في أسعار الطاقة الناتج من الحرب إلى انعكاس جزئي في عملية تراجع التضخم، حيث ارتفع التضخم إلى نحو 4%، أي ما يناهز ضعف النسبة المستهدفة في السياسة النقدية، التي تبلغ 2%، ما استدعى إعادة تقييم التوقعات.
ولفت التقرير إلى أن صانعي السياسات يعيدون تقييم مدى الاستمرارية والعمق للموجة الجديدة من ضغوط الأسعار. كذلك إن تولي كيفن وارش رئاسة البنك المركزي، يزيد المشهد تعقيداً، حيث يميل وارش إلى خفض أسعار الفائدة. لكن الوضع الحالي يفرض احتمالات أكثر تعقيداً. وسبق لوارش، قبل ترشيحه من قبل ترامب، أن قدم مبررات لخفض أسعار الفائدة، في وقت لا يظهر فيه مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي توجهاً واضحاً نحو الخفض حالياً بسبب ارتفاع التضخم. وكان البنك المركزي قد أبقى أسعار الفائدة من دون تغيير يذكر الشهر الماضي، في نطاق يراوح بين 3.5% و3.75%، فيما اعترض ثلاثة أعضاء على البيان الختامي للاجتماع الذي أشار إلى احتمال خفض الفائدة في مرحلة لاحقة.
عوامل ارتفاع التضخم
ووفقاً للتقرير، هناك عدد من العوامل التي دفعت التضخم إلى الارتفاع في الولايات المتحدة، أولها الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة بعد تصاعد الصراع، الذي كان المحرك الرئيسي للزيادة الأخيرة في التضخم. فقد ارتفعت أسعار خام برنت بأكثر من 25% خلال الأسابيع التي تلت اندلاع الأعمال العدائية، متجاوزة 120 دولاراً للبرميل في ذروتها. وأدى ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى زيادة سريعة في تكاليف البنزين والكهرباء والنقل، ما تسبب في ضغوط تصاعدية على التضخم العام.
وارتفعت تكلفة الطاقة ضمن سلة أسعار المستهلك بنسبة 17.9% على أساس سنوي في إبريل/ نيسان. وإلى جانب هذا التأثير المباشر، امتد أثر الصدمة عبر تأثيرات ثانوية، إذ تؤدي زيادة تكاليف الطاقة إلى ارتفاع نفقات الإنتاج والخدمات اللوجستية والتوزيع، ما يرفع الأسعار عبر نطاق أوسع من السلع والخدمات. كذلك يزيد انتقال ضغوط التكاليف من مخاطر استمرار ارتفاع التضخم، وهو ما يشكل تحدياً أمام السياسة النقدية.
أما العامل الثاني، فتمثل بالسياسة التجارية التي برزت مصدراً مهماً للضغوط التضخمية. فقد أدت الرسوم الجمركية المرتفعة التي فرضتها الولايات المتحدة منذ عام 2025 إلى زيادة تكلفة السلع المستوردة، ما عكس جزئياً اتجاه تراجع التضخم الذي لوحظ خلال العام الماضي. وارتفع متوسط معدلات الرسوم الجمركية الفعلية من 2.3% في عام 2024 إلى 9.4% حالياً، فيما تمثل الواردات ما يقرب من 15% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة. وتشير تقديرات بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس إلى أن الرسوم الجمركية أضافت ما يقرب من نقطة مئوية واحدة إلى التضخم.
أما ثالث العوامل، فهو قوة الطلب المحلي، ما يعزز ضغوط الأسعار الأساسية. كذلك لا يزال صافي ثروة الأسر الأميركية قريباً من مستوياته القياسية عند نحو 180 تريليون دولار، مدعوماً بالأداء القوي لسوق الأسهم واستقرار أسعار المساكن. وعلى الرغم من أن سوق العمل يشهد تباطؤاً تدريجياً، فإنه لا يزال ضيقاً مقارنة بالمعايير التاريخية، إذ يظل معدل البطالة قريباً من 4.5%. إضافة إلى ذلك، لا تزال السياسة المالية داعمة بصورة عامة، مع استمرار العجز الكبير والإنفاق الحكومي الذي يدعم الطلب. وتسهم هذه العوامل مجتمعة في زيادة ضغوط التضخم، ولا سيما في قطاع الخدمات، حيث يميل التضخم إلى أن يكون أكثر استدامة مقارنة بالقطاعات الأخرى.
