في تحليل مشهد سورية الجديدة.. خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع
عربي
منذ ساعة
مشاركة
لا يمكن لأي متابع للمشهد السياسي السوري، وبعد مرور سنة ونصف سنة على سقوط نظام الأسد، أن يخرج بنتيجة حاسمة عما آل إليه حال البلاد التي عانت إرث الاستبداد وكوارثه، إذ تبقى الأمور مفتوحة دائماً على التغيرات والاحتمالات. وفي هذا المسار، يصبح أي حديث سياسي مشروعاً حينما ينظر إلى ما جرى وما قد يحدث لاحقاً، من خلال رؤية الواقع بعيداً عن التنميط الأيديولوجي، ومن خلال أفق يرى كيف يتبدل وعي الأشخاص من خلال احتكاكهم بمشكلات البلاد، ومع مصالح الأفراد الآخرين من مكوناتها الدينية والطائفية والقومية، وكذلك القوى الإقليمية والدولية. من هذه الأرضية ينطلق الكاتب والباحث اللبناني منير ربيع في تحليل المشهد السوري في كتابه "خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع" (رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، 2026) ليعيد كتابة حكاية مقطع زمني يحاول الإمساك به، أي مرحلة ما بعد الأسد، فالسؤال الذي يلح عليه "ليس من يحكم دمشق، بل كيف تُدار اللعبة بأكملها". الانطلاق من كشف الحقائق الغائبة في معركة ردع العدوان، يضع القارئ أمام معطيات لا يعرفها، لم يجر الحديث عنها إعلامياً من قبل، لكن هذا الانشغال بوصفه بؤرة سردية يخضع لرغبة المؤلف في إظهار علاقته الشخصية بالواقع الذي يتحدث عنه، وهذا عنصر إضافي يمنح النص بعداً إنسانياً، ولا يبقيه في الحيز السياسي والمعلوماتي الجافين. يربط الكتاب بين ما عاشه السوريون 14 عاماً وأسبوع واحد انتهى فيه كل شيء، وتحولت فيه موازين القوة مع الإعداد التقني الذي بُذل من أجل اختراق جيش النظام وتحول أفراده إلى أهداف سهلة من خلال تطبيق إلكتروني ضلّل الجميع، إضافة إلى حؤول تركيا دون عودة الأسد إلى البلاد من خلال إغلاق المجال الجوي التركي أمام أي طائرة قادمة من روسيا، وحتى حين وصل ووجد أن سلسلة الأوامر لدى جيشه مقطوعة أدرك أن الجميع تخلى عنه وقرر النجاة تاركاً نظامه ينهار. كان من أوائل الصحافيين الذين زاروا دمشق بعد زوال النظام السابق   منير ربيع صحافي وباحث عايش المأساة السورية عبر اقترابه من معاناة ضحايا التسلط وسياسات الأسد الإجرامية في لبنان كما في سورية، وأضاف إلى ذلك قربه من السوريين النازحين داخلياً، وتواصله مع اللاجئين في بلدان عدة، من خلال تتبع قصصهم ومعاناتهم، ولهذا يجد القارئ أن البعد الشخصي مهيمن في الكتاب، ولا سيما حين يقرن التفاصيل بما شاهده شخصياً في دمشق بعد ساعات من رحيل بشار الأسد، حيث كان من أوائل الصحافيين الذين دخلوا البلد ليسجلوا تفاصيل هذه اللحظة المفصلية، ليس في تاريخ سورية ولبنان فقط وإنما الإقليم بأكمله. تدوين الوقائع ولا سيما إبراز سياسات أحمد الشرع، يقود القارئ إلى مداخل يستطيع من خلالها فهم ما يجري بعيداً عن اللغة الإعلامية التي تنحاز داخلياً إما إلى مناصرته وإما إلى معارضته، إذ إن لحظة الانتصار تعمي عيون وعقول فئات كبيرة من الشعب السوري سعيدة بالخلاص من الدكتاتورية، لكن المصيبة قد تكون كبيرة في حال أدير الحال من خلال هذه النشوة، ولم تتوفر للمنتصرين رؤية لإدارة المرحلة بطريقة صائبة. ومن هذه الزاوية تتحول الكتابة في جوانب كثيرة من عرض للأفكار الملتقطة من الشرع نفسه، في حوارات متعددة، إلى شرحٍ لما يجري على خشبة المسرح في مشاهد اللحظة الراهنة وفصولها. والذهاب أكثر فأكثر نحو عرض ما يواجه السلطة الجديدة من مخاطر، تنبع من تكوينها، ومن المعادلة الداخلية، حيث الصراعات بين المكونات السورية في هذا الوقت المضطرب، وصولاً إلى التحكم في تأثير الملفات المشتعلة في الإقليم، والإحاطة بما يريده العالم من سورية، وصناعة توجه جديد، يجعل منها مركزاً لتقاطع المصالح المنسجمة مع ما يحتاج إليه السوريون، بدلاً من تركها مساحة تصفية للحسابات والصراعات الدولية. يمكن النظر إلى الكتاب من تعدد الجوانب التي يحاول المؤلف الإحاطة بها، لكن محاولات التكثيف، جعلت بعض التحليل مستعجلاً، وربما حدث هذا ضمن هدف الإيجاز خدمة للقارئ، لكن عدم الإشباع هنا لا ينقص من أهمية المفاتيح التي يثبتها وبما يفيد من يطلع عليها.  يركز منير ربيع على السياق السوري اللبناني، مستفيداً من معرفته بخفايا العلاقات بين البلدين، وكذلك من تأمله في التاريخ الذي يجمعهما، ويقرأ إمكانية كبيرة للنهوض المشترك، بعيداً عن الهيمنة التي رسّختها المحاور المتداعية، بفعل تبدلات القوة في الإقليم، وضرورات الدوافع الذاتية في "إعادة تموضع استراتيجي" جديد، يخدم مصالح الجانبين.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية