توماس مان.. العودة من المنفى بعد سقوط النازية
عربي
منذ ساعة
مشاركة
بسبب اهتمامه الراسخ بتشريح الندوب العميقة التي خلفتها الحرب العالمية الثانية داخل الوعي الأوروبي، استدعى المخرج السينمائي البولندي بافل بافليكوفسكي، في فيلمه الجديد "أرض الأجداد" (Fatherland) التي عُرض الأسبوع الماضي بمهرجان كان، شخصية الكاتب الألماني توماس مان (1875-1955)، واضعاً "عودته" مع ابنته إيريكا إلى ألمانيا الجريحة أمام أسئلة الحرب وذاكرة الهزيمة، في رحلة تتقاطع فيها حكايات المنفى والندم مع أسئلة الأدب، حيث يمتزج وجع المبدع بانهيار الشعارات التي ازدهرت يوماً تحت دخان الحرب. شكّل المنفى جرحاً عميقاً في حياة توماس مان، لكنه منح تجربته الفكرية مزيداً من العمق والنضج. فمن منفاه الأميركي واصل معركته ضد النازية التي استولت على المعنى وانكبّت بكل حزم على احتكاره، وألقى عبر الإذاعات البريطانية والألمانية خطابات مؤثرة دعت الشعب الألماني إلى مقاومة الاستبداد والتشبث بالقيم الإنسانية؛ وهي المواقف التي رسخت صورته بوصفه "مثقف التفكير السليم" الذي يحمل مسؤولية أخلاقية تجاه عصره وبلده. ومع ذلك، ظلت علاقته بألمانيا بالغة التعقيد ومشحونة بالعاطفة والأسى، إذ رغم سنوات المنفى الطويلة، بقي مرتبطاً باللغة الألمانية وبالتراث الثقافي لبلاده، وكان يرى في ثقافة بلاده فضاء إنسانياً عظيماً شوهته النازية والحرب. وهو ما ينقله بافليكوفسكي الذي يقدم مان مدافعاً عن تراث كامل من الموسيقى والفلسفة والأدب، وسط ركام سياسي من الانهيار الهائل، إلى درجة يبدو كأنه يقاتل من أجل إنقاذ صورة ألمانيا الثقافية من الخراب الذي ألحقته بها النازية، عبر الإصرار على أن غوته وبيتهوفن ونيتشه وشيلر لا يمكن اختزالهم في تجربة هتلر. اضطر إلى محاربة ألمانيا من أجل إنقاذ الروح الألمانية الحقيقية   ظهر هذا التمزق، بوضوح، في المقالات والرسائل واليوميات التي كتبها خلال سنوات المنفى، حيث كتب: "إنها مفارقة مأساوية أن أجد نفسي مضطراً إلى محاربة ألمانيا من أجل إنقاذ الروح الألمانية الحقيقية"؛ وهي "الجملة المرتدة" التي تكشف طبيعة الصراع الداخلي الذي عاشه. وظهر ذلك، أيضاً، في رسائله الخاصة إلى أبنائه، خصوصاً الرسالة التي وجهها إلى ابنته إريكا وابنه كلاوس، حين كتب من منفاه في زيوريخ: "لقد نصحوني بعدم العودة، يبدو أن ألمانيا لم تعد مكاناً آمناً لأمثالي"، مما يعني أنه كان يعيش شعوراً عميقاً بالانكسار. بيد أن اليوميات السرية التي نشرت بعد وفاته أظهرت وجهاً أكثر هشاشة وألماً في شخصية توماس مان، وذلك حين كتب: "أشعر أحياناً كأني شبح، شبح من عالم لم يعد موجوداً، يتجوّل في عالم لا ينتمي إليه". أما في رسالته إلى هيرمان هيسه، فقد كتب: "لقد أصبحت بلا جنسية، لكن ربما هذه هي الحالة الطبيعية للفنان الحقيقي". ومثّلت أعمال توماس مان، الحائز جائزة نوبل للآداب (1929)، مختبراً عميقاً لتحليل الشلل الروحي العام الذي أصاب أوروبا الحديثة، منذ رواية "آل بودنبروك: قصة انهيار عائلة" التي رسمت أفول البرجوازية الألمانية، وصولاً إلى رواية "الجبل السحري" التي تحولت إلى مرآة عاكسة لكوابيس الحضارة الأوروبية عشية الحرب الكبرى، ثم  رواية "موت في البندقية" ورواية "الدكتور فاوستوس" ورواية "يوسف وإخوته"؛ وهي نصوص روائية جمعت العمق الفلسفي بالبناء السردي المركب والقدرة النادرة على تحويل الرواية إلى فضاء للتأمل في مصير الإنسان والتاريخ والفن. دافع عن تراث كامل من الموسيقى والفلسفة والأدب وسط ركام سياسي في "الجبل السحري"، وهي الرواية التي استقبلها القارئ العربي بنوع من الاحتفاء الفني والقيمي، بلغ مشروع مان ذروة في الأدب العالمي بنص شديد الكثافة تدور أحداثه داخل مصحة جبلية تتحول تدريجياً إلى استعارة عن أوروبا المريضة قبيل الحرب العالمية الأولى. فالشخصيات، خاصة بطل الرواية هانز كاشتورب، والحوارات والفضاءات داخل الرواية تحمل أبعاداً فلسفية عميقة تتعدى المحنة الأقصى نحو تأمل شامل في الزمن والمرض والموت والهوية والمعرفة، مما جعل القارئ العربي يعثر فيها على مساحة رحبة للتفكير في هشاشة الحضارات الحديثة، وفي العلاقة المعقدة بين الإنسان والتاريخ. أما رواية "موت في البندقية"، فقدمت بعداً آخر لعبقرية مان السردية، حيث استطاع عبر نص مكثف وقصير نسبياً، وبحس مأساوي لا يمكن إغفاله، أن يقدّم تأملاً بالغ الحساسية في الجمال والرغبة والانهيار الداخلي. فالمدينة الإيطالية داخل الرواية تتحول إلى فضاء للذبول البطيء، فيما تتحول الشخصية الرئيسية (غوستاف فون آشنباخ) إلى مرآة للإنسان الحديث الذي يطارد الكمال الجمالي حتى حدود التلاشي. بيد أن "الدكتور فاوستوس" تعد أكثر أعماله تعقيداً، لأنها تشتبك مباشرة مع ما يمكن أن نسميه "كارثة القرن العشرين" (اليأس الذي يليق بألمانيا)، إذ يستعيد فيها أسطورة "فاوست" داخل سياق حديث، عبر شخصية موسيقي عبقري (أدريان ليفركون) يبرم صفقة مع الشيطان للحصول على قدرات إبداعية استثنائية، مما يقوده في النهاية إلى الجنون؛ وهي استعارة كثيفة لبروز الشراسة النازية، فضلاً عن تحلل الروح الأوروبية، مما دفع كثيراً من النقاد إلى النظر إلى الرواية بوصفها قمة هرم المشروع الفكري لتوماس مان، لأنه نجح في تحويل الرواية إلى تشريح فلسفي وأخلاقي لعلاقة الثقافة بالتوحش السياسي. 

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية