عربي
يتفنّن ملايين السائقين يومياً في إخراج أيديهم من نوافذ سياراتهم، للاحتجاج على بعضهم البعض، من دون النزول منها. يتبادلون شتائم وتهديدات. يكشف الشارع مدى وقاحة البشر. في "180" (2026، نتفليكس) لألكس يزبك، بدأ يوم صعب في حياة مواطن في جنوب أفريقيا، حيث لا قيمة للضوء الأحمر في شوارع المدينة. اندلع خلاف بسيط في السواقة، وصار كارثة. حكاية بسيطة تدحرجت شخصياتها نحو حفرة دموية. ما جدوى أن تكون مُحقاً في غابة؟
يشعر مُشاهد "180" بتوتر وضيق تنفّس كل الوقت، لأن البطل تعرّض لظلم رهيب. يجري القتال في الشوارع بين سود وسود. يظهر البيض في المستشفى فقط. ليت الزعيم نلسون مانديلا يطلّ من قبره، ليرى ما يجري في بلده.
اشتكى الطفل من عنف رفاقه، فحثّه والده على مواجهتهم. ثم وقع هجوم، فانكمش الأب. الهجوم اختبارٌ للنصيحة. ثم تكرّر الهجوم. أفريقيا غابة، فيها عدالة الغاب: العين بالعين والقتل بالقتل. الدم يجذب الدم. قرّر استرجاع حقه بيده. وليسترجعه، عليه معاملة المعتدين بالمثل، ويصبح مجرماً. حينها، تنقلب حياته. تُفترَض بالفيلم محاكاة الواقع الجنوب أفريقي. ولأن عنف الشارع أشدّ من عنف "180"، يُصبح العمل الفني مطابقة لا محاكاة.
هذه التجربة عاشها شاب من عائلة تمارس مهناً يدوية. ضحّت من أجله ليدرس، فيترقّى اجتماعياً، ويصير بورجوازياً صغيراً. هذا نوع بشري يخاف العنف ويكرهه، بحسب أنطونيو غرامشي. تعرّض هذا البورجوازي الصغير للظلم في الشارع، فلجأ إلى الشرطة لتحصيل حقه. يُحقّق الأمن بفعالية الشرطة. إنها مختَرَقة. النتيجة: "لا بقاء للأفراد من دون الدولة"، بحسب يوهان غوتليب فيشته.
حين يفشل جهاز الشرطة، يفقد الفرد كل شيء. يصير مُهدّداً، لأنه مرغم على العيش في عالم يديره تجار الخردة. في لحظة المواجهة، تكشف حوارات الضحية مع عدوّه حقيقة الوضع، بالاستعارة التالية: يقول له أنت كنيش (بورجوازي صغير)، وقعت بين يدي بولدوغ دموي (كلب بورجوازي ضخم). بسبب هذه الإهانة، غيَّر البورجوازي الصغير اتجاهه 180 درجة. يشير الرقم إلى تحوّل نفسي، وتغيّر مصير. بسبب الفساد، يضطرّ البورجوازي الصغير إلى ممارسة العنف، أي ارتكاب ما يخالف طبعه. يبحث عن العدالة في عالم الخردة. هذا يزعزع نفسيّته. ثم يقف أمام المرآة ليتأمّل وجهه وروحه ومصيره.
وجه مصدوم بعد خسارة لا تحتمل. يظهر ذلك في كادرات طويلة على وجه يحاول هضم الخسارة.
حكمة الفيلم بسيطة: يتطلّب الاستمرار في العيش تعطيل حاستي السمع والنظر، لتجنّب ردّة الفعل. هذا يتناقض مع فلسفة المواطنة، التي يقتات منها كل بورجوازي صغير مسؤول. تقوم الضحية بنقد ذاتي غير مُجدٍ. لا مساحة للنقد الذاتي عند خصمها الشرس.
فشلت الشرطة في معاقبة المجرم، فلجأت الضحية إلى الكاميرات التي تصوّر الشوارع. الكاميرا وسيلة لتحقيق العدالة، إذْ تثبِّت الأدلة، وتُسهّل تداولها. يكتفي الحاضرون بالتقاط صُور. فَقَد الدم الآدمي قدسيّته. صارت الحياة البشرية مبتذلة. ثم صارت الكاميرا أداة إثبات. تقدّم الكاميرات الأدلة مُصوّرة، وهذا يلائم التحقيق البوليسي في السينما.
في تصوير المعركة الأخيرة، التي ينتصر فيها المظلوم ويحقّق العدالة، تنحلّ عِقَدٌ ومواقف كثيرة بحوارات مباشرة، وبالحظ. الحظ نصير الضعفاء. لماذا؟ لا يملك ألكس يزبك موارد كثيرة. يُكثر الشرح حين لا يسعفه الكادر الكثيف وأداء الممثل والوقت، ليكون التنفيذ احترافياً. يُصوّر ممثلاً أُصيب برصاصة، فيخرج الدم من فمه. رغم قسوة السياق، بحث يزبك بشكل مُضن عن مسار للوصول بفيلمه إلى صورة مُشرّفة للشرطة، ونهاية سعيدة للأسرة. تؤثّر الميزانية على إعداد الديكورات والبروفات، وتُقلّص وقت التصوير. يمكن تفهّم هذا الضعف الفني بالنظر إلى الرقابة وميزانيات إنتاج الأفلام الأفريقية. يمكن لفهم المخرج لسوسيولوجيا مجتمعه إنقاذ فيلمه، رغم نقص الإمكانات. في النصف الثاني من "180"، صمتٌ قاسٍ، أقوى من أي حوار. فيه لقطات قريبة لإظهار مشاعر الأم الثكلى.
بعد أنْ فَقَد الأبوان الطفلَ، تتهم الأمُّ الأبَ. هل يرجع الطفل المفقود؟ هذا يكشف عبث الانتقام. هذا مستوى ثان للفَقْد، يجعل المُشاهد يفكّر في تحطّم صورته عن نفسه. يُطرح سؤال: هل الشخصية ضحية ظروفها، أم مسؤولة عن قراراتها؟
ينتهي "180" بأنين أم أثقلتها المحن. فات أوان إقرار العدالة. نظراً إلى كلفة فقدان الطفل الوحيد، يكون درسُ الفيلم ما يلي: حين يقع نزاع في الطريق، لا تخرج أبداً من السيارة.
