عربي
الحرب مساحة استقطاب وتحيّز، مهما كانت الصفات التي تُلحَق بها. سواء كانت حرباً أهلية أم بين دول، تبقى الحرب بذاتها ساحة صراع، وحلبة اقتتال وتنافر، ولا ينجو من استقطاباتها إلا قلّة. فما يبدأ لدى السياسيّ، سرعان ما يمتدّ ليشمل المجتمع ككلّ. وكلّما كانت الحروب أكثر شراسة ومصيريّة، ازداد الاستقطاب الذي تُحدثه، وقد يُوصَف مَن يتبنّى خطاباً مختلفاً عن الخطاب الذي يُمجِّد الحرب بصفاتٍ تنبذه، تبدأ بالخيانة، ولا تنتهي بأعداء الداخل، مروراً بالعمالة.
كلّ الحروب تتشابه في هذا الجانب الذي يجد فيه الكتّاب أنفسهم معرّضين لاتخاذ موقف استقطابي: إمّا مع الحرب، أو ضدّها. وفي الدول الشمولية أو الأمنية، يكفي أن يكون أحدهم ضدّ الحرب كي يُصوَّر على أنّه ضدّ وطنه، إذ لا تحتمل الحروب خطاباً ثالثاً، إمّا "مع" أو "ضدّ"، ضمن آلية أشبه بالتصويت بين خيارين. غير أنّ هذا التصويت لا ينطوي على حقّ اقتراع ديمقراطي، إنما يحمل معه خطورة الإقصاء والسجن والقتل المعنوي، وغير ذلك من الآليات العقابية. وأحياناً تكون هذه العقوبات اجتماعية، تتبنّاها الجماعة، لكنّها كثيراً ما تكون آليات تتبنّاها الدول نفسها، وتُقرّها، وتشرف على تنفيذها.
في مؤشر حرية الكتابة لعام 2025، الصادر قبل أيام، رصدت منظمة "القلم الأميركي" وصول عدد الكتّاب المسجونين إلى 401 كاتب في 44 بلداً، وهو الرقم الأعلى منذ إطلاق المؤشر عام 2019. لكن، في ما يخصّ الحروب، يلفت التقرير إلى نمطٍ واضح في ثلاث دول من بين الدول العشر الأكثر سجناً للكتّاب، هي إيران وروسيا و"إسرائيل/الأراضي الفلسطينية المحتلة"، حيث استُهدف كتّاب استخدموا لغة مناهضة للحرب، أو طرحوا موضوعات تتعلّق بها، في قصائدهم ونصوصهم المسرحية ومقالاتهم وأعمالهم الأدبية.
يكفي أن يكون أحدهم ضدّ الحرب كي يُصوَّر على أنّه ضدّ وطنه
في إيران، اشتدّ القمع في أعقاب الحرب مع إسرائيل في يونيو/ حزيران 2025. وفي روسيا، احتجزت الحكومة 18 كاتباً خلال العام نفسه بسبب تعبيرهم عن آراء مناهضة للحرب، من أبرزهم المؤرّخ والكاتب الصحافي ألكسندر سكوبوف، الذي صدر بحقّه حكم بالسجن 16 عاماً على خلفية منشوراته المناهضة للحرب على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن في فلسطين المحتلّة، تحمل مقاربة احتجاز الكتّاب بُعداً أكثر خصوصيّة، لكون "إسرائيل" دولة احتلال أساساً. ويشير التقرير إلى أنّ "إسرائيل" -التي تحتلّ المرتبة السادسة في هذا المؤشر- احتجزت 21 كاتباً خلال عام 2025، بينهم 20 صحافياً وكاتباً فلسطينياً، وصحافي وكاتب إسرائيلي واحد. ومن بين هؤلاء، اعتُقل ستّة كتّاب على خلفية تصريحات مناهضة للحرب، بتهم التحريض، أو من دون توجيه تهم، بسبب تعليقاتهم على الحرب والإبادة الجماعية في غزّة وسياسات الاحتلال.
مع ذلك، يبقى الوصول إلى هذا المؤشّر مقتصراً على ما يُعرَف، وما ينقله الإعلام بوضوح، وما يُعلَن عنه من حالات توقيف واحتجاز، فيما يغيب عنه مَن يتعرّضون للاختفاء القسري، ومَن يقتلون في فوضى الموت، من دون أن يظهروا في مؤشّرات الحرية، والإحصاءات المرتبطة بها.
