عربي
يتضمّن عنوان هذا المقال واحدة من مقولات المنشد الراحل عبد النبي الرنّان "قوم روّح يا مسكين". ولا يعرف الواحد كيف وصلت إليه تلك الصياغة بعد مئات التنقّلات من فمٍ إلى فمٍ عبر القرون. أحياناً أصدّق هذا القول، وأكون معه قلباً وقالباً، وفي المحبّة خاصّةً، وهذا ما أعنيه، خصوصاً إذا قادني مزاج لحظاتي إلى هذا التصديق. فهل المحبّة، حتى قبل أن تبدأ تشابكاتها وحرير خيوطها ومصادفاتها وتناقضاتها، تكون لها وجاهة ما، وجاهة خفيّة أو ظاهرة أو مضمرة في ثنايا القصّة والحكاية، حكاية الحبّ تلك التي تبدأ في مصيف أو داخل مصنع أو بجوار حنفية عمومية في بدايات القرن الماضي، أو في قاعة انتظار مطار أو فرح أو كرنفال أو مدرَّج جامعي؟
أحياناً تتغلّب عليّ الوجاهة، وفي بعض الأحيان تخفت لديّ تلك الوجاهة المزعومة عندي، ولا أعرف لماذا، قد يكون ذلك من بقايا تأثيرات ألف ليلة وليلة، وحظوظ الفقراء فيها، في الحبّ خاصّةً، من غير وجاهة أبداً، مثل صياد سمك فقير أو حتى حطّاباً أو جمّالاً فقيراً أو حتى خادم سبيل أو حمّالاً في مكّة أو في بركة الرطلي، فأرى في الحبّ شيئاً ما من حظّ صاحبه، أي حظّ القلب ولطف القدر بالمساكين من أصحاب القلوب والأيدي الطيّبة، تناقض صعب أحمله داخلي في هذا الموضوع خصوصاً، فقد تتغلّب الوجاهة لديّ حتى تصير صاحبَ سفينة جميلاً في بلدة فقيرة وكلّها حسان، أو كرامٍ بالرمح جميل أعلى جبال الأولمب، أو قافزاً جميلاً من فوق ظهر فرسه وسط حومة من حسان العرب في لحظات سرور القبيلة، وفرحها بعودة غريب وعزيز عليهم طال غيابه، أو كطرفة من جانب عين عاشقة وهي تسحب شاله، شال العاشق، من وسط السحجة بدلال مكشوف، والعاشق يتمنّع لأنّه صاحب وجاهة، ويخاف على هيبته في السحجة.
وأحياناً تضمر تلك الوجاهة ضموراً شديداً؛ حتى يصير الحظّ كلّه في حجر فقير يعمل جمّالاً أو راعياً للغنم في بيت رجل ثري عطوف، تحبّه الصبية ابنة الثري، وهو هناك لا يدري شيئاً عن مرادها ما بين غنمه. وغالباً أرى النوعين، الوجيه والفقير المحظوظ، في آخر الرحلة وقد جار عليهما ذلك الحبّ أو الزمن، وجار أيضاً على سعاداتيهما الخاصّة جدّاً، فأحاول أن أحفر في تلك الوجاهة أكثر، وأتناسى أن أحفر في أمر ذلك الفقير، سواء أكان حمّالاً أو فقيراً أو جالباً للماء إلى بركة الرطلي، هل لأنّني أشفق على حال الفقير من أن أحفر فيه، وأكتفي فقط برصده، وأحاول أن ألهث معرفياً كي أعرف آلام صاحب الوجاهة فقط، أم إنّ حنجرة المنشد عبد النبي الرنّان، وبما فيها من بذخ ما، هي التي جعلتني أحاول أن أحفر فقط في الوجاهة وأسبابها، وأسرارها في الحبّ خاصة؟
أحياناً تدفعك أشياء غامضة للاهتمام بها من دون أن تدري غموضها، لعلّها حرمان الفقراء أنفسهم من الوجاهة، وسرّ تعبهم، على الرغم من لطفهم، وبعض حظوظهم أيضاً، وخاصّةً التي استطاعت "ألف ليلة وليلة" أن تطيّب لهم، بحكاياتها، بعض جروحهم ورغباتهم وغبنهم.
هل نحن حقّاً ما نعيشه أو يُحكى لنا في سامر الدنيا والسوق والمقهى والأفراح والكتب وشاشات السينما ولطائف الجدات قبل النوم؟ وخاصةً حين نعود بالعنب القليل من الغيطان ونسمع حكاية الشاطر حسن، فتكبر الحكايات معنا، ونلفّ أذرعنا، ونطلع النخيل، أو ونحن نقتفي أثر الهوادج حتى نصل "لترعة المحيط"، ونجلس أسفل شجر السيسبان نحكي عن الحظّ.
رغم ذلك تظلّ الوجاهة عصيّةً على النكران. الحياة محيّرة، وأحياناً تكون الحظوظ محيّرة، والحبّ أيضاً محير، ومن الصعب أن تمسك فيه عطر الوجاهة أو حتى خيوط الحظّ لجمّال فقير ركبت معه عروس هاربة من "غرب البحر" حتى أوصلها إلى بيت أهلها، فصار له منها بعد سنوات خمسة عيال، واشترى جملَين، وربح من تجارة البلح في الواحات.
المرأة تحتفظ بوجاهة محبّتها وحكايتها دائماً. هي لا تنسى حكايتها حتى إن كبر الجمّال، وصارت هي التي تسنده كي يركب الحمارة ويلحق بصلاة التراويح بعدما كبر ونسي الجمال والبلح والسفر للواحات، وصارت لأولاده ورشة لـ"الألوميتال"، ما الذي يراه الرجل في اللمحة الأولى من المرأة، وما سرّ تلك الثقة التي تستمرّ معهما حتى إن أسند الجمّال يده على كتف زوجته وهي تمسك له الحمارة؟
شيء من الكرم أو الصلاح أو الخلق الحميد، أو حتى الطيبة، تظلّ تسند الاثنين حتى في لحظات العكننة أو العجز أو حتى ميلان الحال أو المرض، فهل كان عبد النبي الرنّان محقّاً حين دعا الطير منادياً: "بالله يا طير/ أعطيني جناحَين".

أخبار ذات صلة.
شبح الاغتيالات يعود إلى عدن
العربي الجديد
منذ 24 دقيقة