عربي
ساحة السراغنة، الدار البيضاء، الأحد 28 سبتمبر/أيلول 2025. كالعادة، تعجّ ساحة حي درب السلطان القديم بالمارة. وفي ذلك المساء، احتلت قوات الشرطة جزءاً كبيراً منها. في اليوم السابق، انتشر عناصر هذه القوات في جميع أنحاء البلاد لمواجهة شباب حركة جيل زد 212.
قبل أسابيع قليلة من ذلك التاريخ، تجمّع مئات الشباب في مجموعة "جيل زد 212" (على منصة ديسكورد) يتجاذبون أطراف الحديث حول ألعاب الفيديو، حين وردت أنباءٌ من مدينة أكادير، جنوب غرب المغرب: في غضون أسبوع، توفيت ثماني نساء في قسم الولادة بسبب الإهمال الطبي. ولأنّ مستخدمي المنصة شغوفون بكرة القدم أيضاً، فقد أدركوا أن الدولة التي تبني أكبر ملاعب العالم استعداداً لاستضافة كأس العالم 2030، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، تُهمل قطاعي الصحة والتعليم. احتدمت النقاشات، ونشأ فضولٌ حول كيفية عمل الحركات الاجتماعية، وصار الفضاء مساحة للحديث والتنظيم... حتى بدأت الحركة تتشكل. وأصبحت جاهزة لأول تظاهرة لها في الشوارع: 27 سبتمبر 2025. في أعقاب عدة اعتقالات وقائية، بالإضافة إلى موجة من الترهيب استهدفت أعضاء بمنصة ديسكورد، يوم التظاهرة الأولى تحول إلى يوم عصيب.
تحوّل حادث إغلاق الطريق السيار إلى مادة دسمة للصحافة الإلكترونية، التي عكست في معظمها الرواية الرسمية لقوات الأمن
كان هدف الشرطة التدخل ومنع أي تجمع في الساحة قد يؤدي إلى تضخم الحشود وجذب السكّان المحليين للمطالب التي تمسّهم بشكل مباشر. ولا تختلف الأساليب التي استخدمتها الشرطة المغربية عن تلك التي استخدمتها شرطة مكافحة الشغب الفرنسية: تطويق أي مجموعة تضم خمسة أشخاص على الأقل، وتفريقها... وما زاد الطين بلّة، أن المصورين الصحافيين "المعتمدين" من الصحافة المغربية، وهم يرتدون ستراتهم الرسمية، يزودون فرق الاستخبارات بصور مقرّبة للناشطين والقادة. وهذه معلومات بالغة الأهمية، إذ لم تنشأ الحركة من دوائر الاحتجاج المعتادة، المعروفة جيداً لدى الشرطة السياسية.
بعد ساعات قليلة، استبدّ الإرهاق بالمجموعتين، فأطلقت الشرطة عملية مطاردة أخيرة، ستُخرج أكثرهم جرأة من هذا الحي المضطرب. تجرّأت مجموعة من الملثّمين على الذهاب إلى مدخل الطريق السيار عند مخرج حي درب سلطان، وأغلقت الطريق لمدة نصف ساعة. في مساء ذلك اليوم نفسه، تحوّل الحادث إلى مادة دسمة للصحافة الإلكترونية، التي عكست في معظمها الرواية الرسمية لقوات الأمن. نشر الجميع مقاطع فيديو قصيرة للأحداث، وأشادوا بالشرطة التي قيل لنا مراراً وتكراراً إنها بذلت قصارى جهدها لاستعادة النظام. لقد كانت فرصة ذهبية لتشويه سمعة حركة ناشئة وإجهاضها في مهدها، وهي حادثة قد تكون مألوفة في أي بلد له تاريخ من الاحتجاجات. الآن، لم يعد التركيز على النساء اللواتي لقين حتفهن في أكادير، بل على الشباب "المتهورين" الذين أرادوا الاشتباك مع السلطات... حتى وصل بهم الأمر إلى قطع الطريق لأقل من ساعة.
انتشرت الفضيحة على نطاق واسع في منصات تيك توك وإنستغرام. وتوالت التعليقات من الصحافيين والمؤثرين والفنانين المؤيدين للسلطة، مشيرين بأصابع الاتهام إلى "مزعزعي الاستقرار"، هؤلاء الشباب "الذين يخضعون للتحكم من الخارج". ولكن من هم هؤلاء الملثمون الذين اقتحموا الطريق السيار؟ كيف يُعقل أنه مع وجود هذا العدد الكبير من رجال الشرطة في الموقع لإعادة حركة المرور، لم يتم إلقاء القبض على أحد في مكان الحادث؟
لن يجيب أحد عن هذه الأسئلة، لا الشرطة القضائية ولا النيابة العامة في الدار البيضاء، ولا حتى قاضي التحقيق الذي أيّد مع ذلك احتجاز 24 شاباً، بينهم 6 قاصرين تتراوح أعمارهم بين 14 و17 عاماً. وقد مثل المتهمون مرتين أمام الغرفة الجنائية في محكمة استئناف الدار البيضاء. أُجّلت جلسة الاستماع الأخيرة، التي كانت مقررة في 23 إبريل/نيسان 2026، إلى 7 مايو/أيار، ورُفضت طلبات الدفاع من أجل الإفراج عنهم.
عند قراءة محاضر جلسات الاستماع (170 صفحة)، التي حصلت عليها مجلة "أوريان 21"، تبرز ملاحظة واحدة: التوحيد الدقيق للروايات التي تفرضها فرقة الشرطة القضائية في الولاية. السيناريو ثابت لا يتغير، إذ يحوّل المواطنين من خلفيات متنوعة إلى كتلة متجانسة من المتهمين المفترضين. على سبيل المثال، وُصف الشاب سعد أبوش، البالغ من العمر 27 عاماً، في المحضر الأولي، بأنه من أوائل مؤيدي الحركة. وقد سُجّل "اعترافه" في المحضر على النحو التالي: "في مستهل تصريحاتي التي سيتضمنها محضر أقوالي هذا، أفيدكم بأن ما سأدلي لكم به يبقى الحقيقة دون سواها بدءاً من إقراري واعترافي الصريح والبعيد عن أي ضغوط أو إكراهات بمشاركتي في هاته الأفعال والجرائم التي ووجهت بها جميعها، ذلك أني ولكثرة تصفحي الدائم والمستمر لمواقع التواصل الاجتماعي التي مع الوقت أضحيت مدمناً على الخوض والمشاركة فيها، قبل أن أتعرف إلى إحدى الصفحات المعروفة باسم GENERATION Z أو باللغة العربية كالآتي: جيل Z، التي نشرت هشتاغ تدعو فيه شباب المغرب أو المملكة ككل إلى المشاركة بقوة وبكثرة في التجمهر المزمع تنظيمه (...). ولا أخفي عنكم أمر مشاركتي لهذا المنشور والتشجيع عليه، رغبة في تحسين الوضع المعيشي من صحة وتعليم وشغل وغيره، الأشياء التي لم تحققها لنا نحن الشباب الحكومة الحالية، ولا أخفي عنكم أني لم أكن فقط مشاركاً عادياً، بل كنت من أوائل المشاركين الداعين إلى هاته التجمهرات (...)، ولا أخفي عنكم أن عدد الحاضرين والمشاركين لم يكن عادياً، كما لا أخفي عنكم أني كنت أعلم مسبقاً وعلمت حيناً، بأن هاته المظاهرة قد مُنعت بأمر من السلطة ومع ذلك فإني إلى جانب غيري شاركنا فيها بدءاً من منطقة الساحة (...). ولعل الدعوة إلى إيقاف السير بغية استقطاب مزيد من تعاطف المواطنين هي التي دفعت المحتجين والمنظمين والمشاركين جميعهم بمن فيهم أنا شخصياً، إلى النزول إلى الطريق السيار الداخلي الذي تم إيقافه بشكل تام في وجه وسائل النقل عموما، لمدة أؤكد لكم بأنها لم تتجاوز = قسمين أو عشر دقائق = قبل أن تتدخل القوات الأمنية لتفريقنا بالقوة، قبل أن يتم إيقافي، ولا أخفي عنكم أمراً، أني إبانها كنت في حالة خدر لاسيما وأني أبقى مدمناً على تدخين السجائر المحشوة بمخدر الشيرا التي كنت مدخناً لعدد منها".
عند قراءة محاضر جلسات الاستماع للمعتقلين، تبرز ملاحظة واحدة: التوحيد الدقيق للروايات التي تفرضها الشرطة القضائية
يتكرر هذا التناقض بين "الاعتراف" الذي تحصل عليه الشرطة والواقع بشكل مقلق. ففي تقرير استجواب الشرطة لعبد الرحمن كوب، الطالب في المعهد العالي للتدبير والأعمال (ISGA)، ورد ذكر "مشاركته الفعّالة في إغلاق الطريق السيار"، بينما صرح أمام قاضي التحقيق بأنه كان يبحث عن سيارة أجرة مع أصدقائه بعد أن شاهد التظاهرة بالصدفة. وتُعدّ قضية زهير الرامي كاشفة بنفس القدر: إذ يشرح هذا الطالب في المدرسة الوطنية العليا للفنون والمهن (ENSAM)، أنه انتظر بصبر لأكثر من ساعة في مقهى بحي عين الشق حتى تهدأ الأمور، ليتم اعتقاله فور خروجه. لكن هذا لا يُغيّر شيئاً: فبالنسبة للشرطة، هؤلاء الشباب مُثيرو شغب ومُنظمون "محترفون". في الواقع، هم طلّاب أو موظفون، جريمتهم الوحيدة هي وجودهم داخل نطاق مداهمة مُمنهجة، بغض النظر عما إذا كانوا يتعاطفون أم لا مع المطالب بالكرامة الأساسية.
يُبرز مصير القاصرين الستة المتورطين في هذه القضية الطبيعة التعسفية للمداهمة. فقد وجد هؤلاء المراهقون، الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و17 عاماً، أنفسهم في سجن عكاشة لمجرد استسلامهم للفضول أو التضامن مع جيرانهم. يروي حسام بوراي، الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، كيف غادر منزله بدافع الفضول فحسب: "تبعتُ الحشد إلى الطريق السيار حيث رددتُ الشعارات التي كان الشباب يهتفون بها".
وفي إفادته للشرطة، نُسبت إليه تصريحات سياسية ناضجة بشكلٍ مُثير للدهشة ("نعم، لا توجد مستشفيات كافية وأنتم تُزعجوننا بملاعب كرة القدم الخاصة بكم")، وهو ما يتناقض تماماً مع شهادته أمام القاضي حيث أوضح أنه تبع شرطة الدراجات النارية بدافع الفضول فقط: "رأيتُ التظاهرات ودراجات الشرطة النارية، وقد أثار ذلك إعجابي".
تتجلى هشاشة هؤلاء المراهقين في كل صفحة من ملف القضية. يشرح زكريا النيوة، الذي لا يزال في المرحلة الإعدادية، أنه انجرف مع الأجواء الحماسية في الشارع، وشعارات الكرامة، ولم يتخيل قط أن وجوده قرب جسر محمد السادس سيقوده إلى المحكمة وبالضبط الغرفة الجنائية: "أعترف بأن الأجواء دفعتني للانضمام إلى الآخرين الذين اعتقلتموهم في إغلاق الطريق السيار".
وينطبق الأمر ذاته على عثمان رزقي، البالغ من العمر 17 عاماً، الذي كان يتبع أبناء عمومته وحاول الاختباء في زقاق خوفاً من العنف. بالنسبة لهؤلاء القاصرين، كان الاستجواب في مركز الشرطة لحظة ضغط شديد، حيث كان "الاعتراف" بالانتماء إلى حركة "جيل زد 212" الخيار الوحيد الذي قدّمه المحققون.
لربط هذه الوفيات الأربع والعشرين بإغلاق الطريق السيار الحضري، استند الادعاء إلى قرص مضغوط يحتوي على مقطع فيديو مدته 14 دقيقة و40 ثانية من كاميرات مراقبة المرور. ولكن عند التدقيق، تبين أن هذا الدليل مضلل. لا يستند التحقيق إلى تحديد دقيق للوجوه، بل إلى افتراض التورط الجغرافي. ولذا، استغل عماد أشابي جلسة استماع أمام قاضي التحقيق للتنديد بـ"الضغوط والتهديدات التي تعرض لها لإجباره على توقيع محضر الشرطة وهو لم يستطع قراءته". ويبدو أن هذه الممارسة هي السائدة، إذ صرّح معظم المحتجزين لعائلاتهم ومحاميهم بأنهم لم يتمكنوا من قراءة محاضرهم وأن الشرطة أجبرتهم على التوقيع. وأكد اثنان منهم الأمر نفسه لـ"أوريان 21". في نهاية المطاف، يُعدّ مفهوم "إلقاء القبض متلبساً بالجرم" ذريعة قانونية تُستخدم لتبرير المداهمة. لا تروي تقارير الشرطة تفاصيل التحقيق، بل قصة ثأر ترعاه الدولة. ولعدم تمكنها من تحديد هوية المحرّضين الحقيقيين، الذين كانوا غالباً ملثمين، فضّلت الشرطة التضحية بشباب درب سلطان ليكونوا عبرة للآخرين، استناداً إلى خبر بسيط ضخمته وسائل الإعلام، والذي كان من المفترض في كثير من الحالات أن يقتصر على توجيه إنذار.
وراء الطابع التلقائي للاعتقالات تكمن سلسلة قيادة دقيقة. فقد نُظمت العملية تحت إشراف الوكيل العام للملك في محكمة استئناف الدار البيضاء، صالح التيزاري، الذي وجّهت تعليماته الشفوية والكتابية كل خطوة من خطوات المداهمة، كما ذكر ضباط الشرطة في مقدمة تقريرهم. في الميدان، أُسندت مهمة "جمع" الأدلة وتجميع الملفات إلى كبار مسؤولي الفرقة الإقليمية للشرطة القضائية. ويبدو أن كوميسيير الشرطة القضائية العميد عزيز كمال الإدريسي، والمفوض عادل جمالي، هما العقلان المدبران لهذه العملية. وفي مكاتب ولاية الأمن تناوب ضباط مثل يونس اليزيدي، وسفيان الدافي، ومحمد بوكير، على جمع الإفادات وتوقيع محاضر الشرطة التي تشابهت إلى حدّ السرقة الأدبية. وفي جلسات الاستجواب المغلقة هذه، استخدمت الشرطة كافة أنواع الأسئلة الخادعة، تلك الصياغات المتحيزة المصممة للإيقاع بالمتهم في إدانة مُسبقة.
يبدو أن هوس المحققين قد تبلور حول أمر لا علاقة له بإغلاق الطريق السيار: تعاطي المخدرات. ورغم عدم إلقاء القبض على أي من الشبان بتهمة حيازة المخدرات، إلا أن الشرطة حاولت بشكل ممنهج ربط نشاطهم بما يُفترض أنه "انحطاط أخلاقي". وهكذا، أُجبر سعد أبوش على الاعتراف بأنه يتعاطى الحشيش بانتظام، وهو ادعاء نفاه فوراً أمام قاضي التحقيق، مستنكراً العنف الذي تعرض له جرّاء الضرب. وخضع عبد السلام الشعبي لنفس الضغط المتواصل، حيث استُجوب مراراً وتكراراً بشأن إدمانه المزعوم للحشيش، والذي يُقال إنه اعترف به بهذه الكلمات: "لن أخفيكم أنني لست مجرد عضو عادي في الحركة (...)، وأنني دائماً تحت تأثير الحشيش".
تُعدّ قضية هذا الشاب البالغ من العمر 27 عاماً الأكثر إثارةً للقلق، إذ تُجسّد المنعطف المظلم ـ الذي يكاد يكون تفتيشياً نسبة لمحاكم التفتيش في القرون الوسطى ـ الذي تتخذه التحقيقات عندما تنتقل من الأمور الدنيوية إلى الأمور الدينية. خلال استجوابه من قِبل الضابط اليزيدي، وُجّهت لهذا التقني أسئلةٌ حول إيمانه ومعتقداته الدينية. ولما وُضع في موقفٍ حرج، اضطرّ إلى "الاعتراف" بأنه مرّ بـ"مرحلة شكّ" وباختياره العيش "بلا ديانة"، بل وأوضح أنه غير مقتنع بالإسلام منهاجاً للحياة. وهكذا يبدو أن جريمة الرأي السياسي تتفاقم بتهمة الردة، حيث يهدف التحقيق إلى إثبات أن كل من يتحدى النظام الاجتماعي فاسد بالضرورة، أخلاقياً ودينياً. فالأمر لا يقتصر على مجرد الحكم على الإخلال بالنظام العام، بل يتعداه إلى وصم أصحاب الآراء المتضاربة حول وضع بلادهم بأنهم جيل من المنحلين ذوي الأخلاق الفاسدة.
يكشف التدقيق في أمر الإحالة الذي صاغه قاضي التحقيق (30 صفحة) عن خلل إجرائي لا يمكن تجاهله: الغياب التام لشهود الدفاع في رواية القاضي رشيد أسامة. بالنسبة لقاضٍ يُفترض به التحقيق في الأدلة المُدينة والمُبرئة على حد سواء، لم تكن غرفة التحقيق مكاناً للتحقق، بل مسرحاً للإخفاء المتعمد. بمراجعة الإفادات، يتبين وجود قائمة بأسماء الشهود التي ذكرها المتهمون بدقة، لكن النظام القضائي تعمّد إخفاءها.
كشف التدقيق في أوامر الإحالة عن خلل إجرائي لا يمكن تجاهله: الغياب التام لشهود
تُعدّ قضية عبد الرحمن فهماني، في هذا الصدد، المثال الأوضح على هذا التجاهل القضائي. أمام القاضي، لم ينكر هذا الشاب تورطه في الحصار فحسب، بل قدّم أيضاً دليلاً قاطعاً ومحدداً جغرافياً على وجوده في مكان آخر وقت وقوع الحادث. ادّعى أنه كان برفقة صديقتيه، أميمة ولمياء، اللتين ذهب معهما إلى المركز التجاري "مرجان" لتناول وجبة سريعة. قدّم فهماني أسماءً ومكاناً وظروفاً محددة. بالنسبة لأي محقق مهتم بالحقيقة، كان استدعاء هاتين الشابتين خطوة أساسية لتأكيد أو أقواله أو دحضها. مع ذلك، لم يُذكر اسم أميمة ولمياء إطلاقاً في الصفحات الست من حيث القناعات النهائية. فضّل قاضي التحقيق إثبات التهمة بدلاً من المخاطرة بتأكيد الشهود لدليله.
يتكرر هذا النمط في قضية محمد بدري. يشرح أنه عندما تصاعدت التوترات، كان برفقة صديقه حمزة أ. بل ويذكر تفصيلاً بالغ الأهمية: فرّ صديقه فور رؤيته سيارات الشرطة، بينما بقي هو في مكان الحادث قبل أن يُقبض عليه، معتقداً أنه لم يرتكب أي خطأ. ومرة أخرى، اختار قاضي التحقيق أسامة عدم استدعاء حمزة أ.، الذي كان من الممكن أن تُضعف شهادته قضية المجموعة التي "ضُبطت متلبسة".
ملف القضية مليء بهذه الأدلة التي تمّ تجاهلها. يُقسم ياسر بو البرج أنه قضى فترة ما بعد الظهر مع صديقه ياسين ف.، وتناولا وجبة قبل التوجه إلى حي المسجد، الذي يبعد حوالي كيلومتر واحد عن الطريق السيار، وهنا أيضاً، يرفض النظام القضائي النظر في هذا الاتجاه. برفضه مقارنة روايات المتهمين بهذه الشهادات، حوّل القاضي التحقيق إلى مونولوغ من جانب النيابة العامة.
يضاف إلى هذا الإهمال للشهود البشريين التجاهل التقني للأدلة الرقمية، إذ تفادى القاضي إشارات شبكة الهاتف المحمول (GSM) بالمثل. وكانت إدارة التحقيقات الجنائية قد صادرت عشرين هاتفاً محمولاً وأرسلتها إلى مختبر الأدلة الجنائية. كان من الممكن أن يسمح تحديد الموقع عبر شبكة الهاتف المحمول للقاضي بالقطع بين الشك واليقين. وبالنسبة لعبد الرحمن فهماني ومحمد بدري، كان من الممكن أن تؤكد بيانات أبراج الاتصالات، بدقة متناهية، ما إذا كانا داخل مركز مرجان التجاري أو على الطريق السريع. لكن التكنولوجيا، مثل الشهود، لم تجد طريقاً لها لمكتب القاضي أسامة.
كان التساهل مع الشرطة خلال هذه المواجهات مطلقاً. فقد قبل القاضي ادعاء لواء المحافظة بارتكاب جريمة فاضحة على أنها حقيقة مُسلّم بها، على الرغم من أن أماكن الاعتقال ـ صالون حلاقة لعثمان بو البرج وموقف ترام لجمال الغوجي ـ تُناقض فكرة الاعتقال في مسرح الجريمة. والأسوأ من ذلك، في قضية عبد السلام الشعبي، ذكر تقرير الشرطة أن مقطع فيديو للأحداث كان موجوداً على هاتفه. ومع ذلك، لم يُناقش هذا الفيديو قط أمام قاضي التحقيق، الذي لم يُبدِ أي اعتراض ولم يطلب أي توضيح من الضابط يونس اليزيدي.
في نهاية المطاف، لا يُعدّ أمر الإيداع في السجن الصادر عن القاضي رشيد أسامة عملاً من أعمال العدالة، بل هو دليل على الثقة المطلقة في الشرطة. فبرفضه استدعاء أي شاهد من الشهود، وعدم إصداره أي أوامر بإجراء فحوص طبية رغم شكاوى سعد أبوش من تعرضه للإيذاء الجسدي، وتجاهله لحجج البراءة، خان القاضي واجبه بصة طرف ثالث محايد. ولم يقتصر دور مكتب قاضي التحقيق إلا على إضفاء الشرعية القانونية على مداهمة الشرطة.
وهكذا، لا تعيد الدولة ترسيخ سلطتها، بل تزرع بذور مرارة عميقة في نفوس الشباب. فبينما يروج الخطاب الرسمي لنزعة قومية سطحية وفخر "وطني" زائف قبيل انطلاق كأس العالم 2030، يسحق الواقع أولئك الذين يحبون وطنهم لدرجة الغضب إزاء وفاة ثماني نساء في أكادير بسبب نقص الرعاية الطبية. وبمعاقبة إيثار هؤلاء الشباب الذين طالبوا بمستشفيات تلمع كالملاعب، يُجبر النظام شبابه على النظر إلى البحر، دون أن يلتفتوا إلى الوراء، مقتنعين بأن وطنهم قد تحول إلى عدو لهم.
ينشر بالتعاون مع "أوريان 21"
https://orientxxi.info/ar
