عربي
تصاعدت مطالب رفع الأجور في المغرب، في ظل تواصل الضغوط الاقتصادية على الأسر، لاسيما ذات الدخل المحدود والمتوسط، جراء غلاء المعيشة وارتفاع أسعار عدد من الخدمات الأساسية.
وقبل الاحتفال بيوم العمال العالمي اليوم، برزت مطالب نقابية بضرورة رفع الأجور، كان من أبرزها مطالبة الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، الثلاثاء الماضي، الحكومة المغربية بإقرار زيادة فورية وحقيقية في الأجور والمعاشات، لامتصاص آثار التضخم ورد الاعتبار لجهود الشغيلة، مع ضرورة تفعيل السلّم المتحرك للأجور والأسعار بوصفه آلية قانونية وبنيوية تضمن مراجعة الرواتب والمعاشات بصفة دورية وتلقائية فور حدوث أي طفرة في الأسعار، حمايةً للأجير من تقلبات السوق.
وشدد الاتحاد الوطني للشغل، في مؤتمر صحافي، على أنه "لن يرضى بأي زيادة لا تغطي الارتفاع المهول في تكلفة المعيشة، في ظل التدهور المتواصل للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وما يعيشه عموم الأجراء والطبقات المتوسطة والهشة وذوو الدخل المحدود من ضغط متزايد على القدرة الشرائية وتداعياته على العيش الكريم، جراء استفحال الغلاء غير المبرر للمحروقات والمواد الأساسية وارتفاع تكاليف المعيشة".
وحسب عضو مجلس المستشارين (الغرفة الثانية للبرلمان المغربي) عن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، خالد السطي، فإن "الإجراءات الحكومية لتحسين الدخل، رغم أهميتها، تظل غير كافية بعدما تبخرت آثارها بفعل التضخم"، مشيرًا إلى أن الوضع الاجتماعي في المغرب بات "مقلقًا" في ظل الارتفاع المتواصل في كلفة المعيشة وغلاء الأسعار.
ودعا السطي، في حديث مع "العربي الجديد"، الحكومة إلى اتخاذ إجراءات مستعجلة تشمل الزيادة العامة في الأجور في القطاعين العام والخاص، وتحسين أوضاع المتقاعدين، ومراجعة التعويضات العائلية المجمدة منذ سنة 2019، إلى جانب تخفيف العبء الضريبي على الأجراء.
واعتبر أن الزيادة التي أعلنتها الحكومة، وإن كانت أساسية، فإنها جاءت تحت الضغط، غير أن المبلغ المحدد لها غير كافٍ في ظل غلاء المعيشة وارتفاع معدل التضخم، لافتًا إلى أن الحكومة تعهدت بزيادة 2500 درهم (نحو 250 دولارًا)، غير أنها لم تفِ بوعدها، ولذلك لا تزال الشغيلة التعليمية تنتظر زيادة بـ1000 درهم (نحو 100 دولار).
وأكد على وجوب أن يكون الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص مماثلًا لنظيره في القطاع العام، وضرورة الزيادة في الأجور بشكل مباشر لعموم الموظفين، وكذلك في مبالغ التقاعد، مع إعادة النظر في التعويضات العائلية.
من جهتها، طالبت المنظمة الديمقراطية للشغل، بمناسبة تخليدها للعيد الأممي للطبقة العاملة، باتخاذ إجراءات مستعجلة لتحسين الدخل، من خلال إقرار زيادة عامة في الأجور في القطاعين العام والخاص، ومراجعة الشطر الضريبي على الدخل بما يضمن الإنصاف والعدالة الجبائية لفائدة الأجراء.
وتأتي مطالب رفع الأجور في وقت أعلن فيه وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والشغل والكفاءات، يونس السكوري، الثلاثاء، أن الكلفة الإجمالية للإجراءات المتخذة في إطار الحوار الاجتماعي ستصل إلى 49.7 مليار درهم مع نهاية السنة الجارية وبداية سنة 2027، في خطوة تعكس حجم الرهان الحكومي على تعزيز التوازن الاجتماعي وتحسين أوضاع الأجراء والموظفين (الدولار = نحو 9.26 دراهم).
وأكد المسؤول الحكومي، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، أن الحكومة اتخذت حزمة من القرارات ذات الأثر المباشر، من بينها الرفع من الحد الأدنى للأجور في القطاعين الصناعي والفلاحي، حيث انتقل الحد الأدنى للأجر الصناعي من 14.81 درهما إلى 17.90 درهما للساعة، ما ساهم في رفع الأجر الشهري الصافي من حوالي 2800 درهم إلى نحو 3400 درهم، فيما ارتفع الحد الأدنى للأجر في القطاع الفلاحي إلى 2400 درهم بعد أن كان أقل من 1900 درهم، وهو ما انعكس إيجابًا على دخل فئات واسعة من العمال.
كما أقرت الحكومة زيادة عامة في الأجور بقيمة 1000 درهم، رغم التحديات الاقتصادية التي ميزت بداية الولاية الحكومية.
من جانبه، اعتبر رئيس المركز الاستشرافي الاقتصادي والاجتماعي (غير حكومي)، علي الغنبوري، أن مطلب النقابات بالرفع من الأجور في السياق الراهن هو مطلب مشروع ومؤسس اقتصاديًا واجتماعيًا، بالنظر إلى الارتفاع الملموس في معدلات التضخم، خاصة في المواد الغذائية والخدمات الأساسية، وهو ما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية لفئات واسعة من الأجراء.
وأوضح الغنبوري، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الأجر لم يعد يعكس القيمة الحقيقية للعمل في ظل ارتفاع كلفة المعيشة، ما يجعل هذا المطلب يدخل في إطار إعادة التوازن بين الدخل والنفقات، وضمان حد أدنى من العيش الكريم، فضلًا عن كونه أداة للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي وتقليص الفوارق.
غير أن واقعية هذا المطلب تظل نسبية، وفق الغنبوري، إذ تصطدم بعدة تحديات بنيوية، في مقدمتها محدودية هوامش المالية العمومية، خاصة في ظل ارتفاع نفقات الدولة المرتبطة بالحماية الاجتماعية والاستثمار العمومي.
ولفت إلى أن "الرفع الكبير والسريع للأجور قد يؤدي إلى آثار عكسية، من بينها تغذية موجة تضخمية جديدة إذا لم يُواكَب بارتفاع في الإنتاجية، وهو ما يطرح إشكال التوازن بين العدالة الاجتماعية والاستدامة الاقتصادية. لذلك، فالمطلب واقعي من حيث المبدأ، لكنه يتطلب تنزيلًا تدريجيًا ومواكبة بإصلاحات اقتصادية مهيكلة".
