عربي
داخل ممرات العيادة الخارجية بمشفى الشفاء في مدينة غزة ينتظر عشرات المصابين بكسور معقدة، ومعظمهم يتكئون على عكاكيز، بينما يجلس بعضهم على كراس متحركة، والبعض الآخر على أسرّة، إذ تختلف خطورة الإصابات، لكنهم جميعاً جاؤوا للسبب نفسه، وهو مراجعة الطبيب لتقييم الحالة، وتحديد أولوية السفر وتجهيز التحويلة العلاجية.
أسفرت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عن إصابة آلاف الأشخاص بكسور معقدة بعضها لم تلتئم منذ أكثر من عامين، رغم خضوع بعضهم لعمليات تركيب مثبتات عظام (بلاتين)، ويصاحب ذلك التهاب الجروح في ظل نقص حاد في الأدوية، وانهيار المنظومة الصحية، فضلاً عن آلية السفر البطيئة التي لا تسمح للآلاف منهم باستكمال علاجهم خارج غزة.
ويتردد المصابون من هذه الفئة بشكل دوري على العيادات الخارجية للمستشفيات، حيث يقضون ساعات طويلة للمراجعة الطبية، بعضهم على كراسٍ متحركة، وآخرون يتكئون على عكاكيز. ووفق وزارة الصحة في غزة، خلفت الحرب أكثر من 170 ألف مصاب. يقول رئيس دائرة نظم المعلومات في وزارة الصحة زاهر الوحيدي لـ"العربي الجديد": "نحو 18% من مصابي قطاع غزة بحاجة إلى تأهيل طويل المدى، ويتم التعامل معهم وفق الإمكانيات المتاحة، وهناك نحو 20 ألف مصاب ومريض لديهم تحويلات علاجية للسفر، من بينهم 2400 حالة عاجلة، و197 حالة إنقاذ حياة. منذ بدء آلية السفر الجديدة في فبراير/ شباط 2026، استطاع نحو 700 مصاب ومريض فقط السفر، ما يجعل عملية إجلاء المصابين بطيئة، ويؤخر العلاج".
أصيب عاطف الغليظ (52 سنة)، وهو من سكان بلدة جباليا النزلة، شمال مدينة غزة، برصاصة أطلقتها طائرة مسيّرة (كواد كابتر) في ديسمبر/ كانون الأول 2023، أثناء نزوحه إلى مدينة خانيونس (جنوب)، ما أسفر عن تهتك بمفصل قدمه، أدى لعدم القدرة على الحركة. قرر الأطباء تركيب مفصل صناعي لقدمه، لكن منذ أكثر من عامين ونصف لم يتم إجراء عملية تركيب المفصل لعدم توفر إمكانات لإجراء هذا النوع من العمليات، والتي كانت تجرى بشكل عادي قبل الحرب في المستشفى الأوروبي، وفي مجمع ناصر الطبي، ومستشفى الشفاء.
يجلس الغليظ أمام مبنى العيادة الخارجية بمستشفى الشفاء في مدينة غزة، يتكئ على عكازين بينما يبرز جهاز مثبت العظام من قدمه، ينتظر الحصول على دوره لمراجعة الطبيب وسط عشرات المرضى، ويقول لـ"العربي الجديد": "لم تلتئم الجروح والكسور منذ أكثر من عامين، وحدثت مضاعفات والتهابات نتيجة عدم تقبل جسمي لمثبت العظام، ما يستدعي إزالته. جئت في الصباح الباكر كي أتمكن من مقابلة الطبيب في الساعة الثانية ظهراً. حالتي تستدعي السفر إلى الخارج لأن الإمكانات في غزة محدودة، والجرح يلتهب، ومعاناتي تتفاقم، وبالكاد يقدم المستشفى لي تنظيف الجرح".
ليس التئام الجرح المشكلة الوحيدة التي يعاني منها الغليظ، فهو لا يستطيع ثني قدمه بسبب عدم زرع المفصل، وهذه معاناة أكبر يحكي عنها قائلاً: "عندما أريد الجلوس على كرسي أضطر إلى مد قدمي للأمام، ولا أستطيع ركوب السيارة بسهولة، ولا أستطيع حتى ارتداء الحذاء، وهذه معاناة يومية إضافية أعيشها منذ عامين ونصف".
عند الثانية عشرة ظهراً، كان أحمد بلال أبو حجر (22 سنة)، خارجاً من العيادة الخارجية لمشفى الشفاء، متكئاً على عكازين، ويظهر مثبت العظام بأسفل قدمه، وقد تعرض لإصابة بطلق ناري في منطقة الكاحل في الخامس من سبتمبر/ أيلول 2025، وهو يواصل رحلة علاج طويلة لم تؤدِ إلى التئام الجرح. يحمل ورقة طبية للمراجعة من جديد، ليحدد الطبيب إن كان سيغير له جهاز مثبت العظام أم سيقرر إعطاءه تحويلة علاجية، وهذه علامة على عدم إمكانية إجراء العملية في غزة.
يحكي والده لـ"العربي الجديد": "مكث أحمد بعد إصابته 28 يوماً بالمشفى، وخلالها كان الأطباء يقومون بإجراء غيار على الجرح، حتى بدأ الدود يخرج من قدمه، وتزامن ذلك مع اجتياح جيش الاحتلال لمدينة غزة، فنزحنا إلى جنوبي القطاع، وهناك جرى استكمال العلاج وتركيب مثبت عظام، وأدت الإصابة إلى نقص بمعدل 2.5 سم في عظام الساق. ما زلت متردداً بشأن إجراء عملية رقعة عظام في القطاع، لأن الأطباء أخبروني بأن نسبة نجاحها لا تزيد عن 50%، وهناك مرضى أجروها ولم ينصحوني بها لأنها قد تؤدي إلى جعل الوضع أسوأ. لكن عدم إجراء العملية لا يساعد على التئام الكسر، فضلاً عن إصابته بسقوط الكعب، فلا يستطيع السير إلا بواسطة عكازين".
على شاكلته، تعرض خضر محمد نصر (50 سنة)، للإصابة بطلق ناري في إبريل/ نيسان 2024 عندما كان ذاهباً لجلب كيس طحين من دوار النابلسي، غربي مدينة غزة، ووضع له مثبت عظام قبل عامين، وحتى اللحظة لم يلتئم الجرح، ولم يحدث أي تقدم في حالته الصحية. يتكئ على عكازين ويسير بخطوات متثاقلة داخل العيادة الخارجية، ويحكي لـ"العربي الجديد": "تعرضت قدمي لتهتك في العظام، ولا تزال الكسور غير ملتئمة، ولم يغلق الجرح، ويومياً أتألم من الوجع. أجريت عمليتي استبدال مثبت عظام، لكن من دون تحسن، وأنتظر منذ عامين السفر للخارج لإجراء عملية جراحية".
خرجت مريم عمر رومية من تحت أنقاض منزلها في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، باعتبارها ناجية وحيدة بعدما استشهدت طفلاتها الثلاث وعدد من أفراد عائلة زوجها، لكنها لم تنجُ من آلام الإصابة، ونقلت إلى المشفى مصابة بثلاثة كسور بالقدم اليسرى، فضلاً عن تهتك في عظام يدها اليمني. تجلس رومية على أحد مقاعد مظلة أمام العيادة الخارجية، تضع عكازين بجانبها، ويبرز مثبت العظام في قدمها ويدها، وهي تنتظر دورها لمقابلة الطبيب، وتقول لـ"العربي الجديد" فيما تتصبب عرقاً من أثر البقاء في الشمس لساعات طويلة: "لم تلتئم الكسور بالقدم اليسرى منذ عامين ونصف رغم وجود مثبت العظام. أخبرني الأطباء بأنني بحاجة إلى زراعة عظام، وكذلك لدي تحويلة علاجية لزراعة مفصل لليد، وأحتاج تحويلة عاجلة لاستكمال العلاج".
ويؤثر انعدام مقومات الحياة ونوعية الطعام ونقص الغذاء على تحسن حالتها بعدما فقدت خمسة سنتيمترات من عظام ساقها، وتلفت إلى أنه بعد سبعة أشهر من الإصابة، تبين للأطباء عدم استجابة عظام الساق، ما أبقى الكسر في حالة عدم التئام، ما يبقي حالتها بالوضع نفسه إلى حين السماح لها بالسفر لإجراء عملية زراعة عظام.
من جانبه، يقول رئيس قسم الكسور المعقدة واستشاري جراحة العظام والمفاصل بمستشفى ناصر محمود مطر، لـ"العربي الجديد" إن "الكسور المعقدة هي الإصابات التي تشمل تهتكاً في العظام والأنسجة والعضلات، وتكمن خطورتها في تأثيرها المباشر على الدورة الدموية، ما قد يؤدي في بعض الحالات إلى فقدان الطرف، خاصة في المرحلة الأولى بعد الإصابة. المرحلة الأولى تستلزم عادة التدخل الجراحي الأولي، وهي الأخطر، وقد نضطر إلى إجراء بتر أولي إذا كان الخطر شديداً، أما إذا تم تجاوز هذه المرحلة، فقد تظهر مضاعفات لاحقة مثل الالتهابات الجرثومية، والتي قد تؤدي إلى ما يسمى بالبتر الثانوي خلال الأشهر الثلاثة الأولى".
ويوضح الطبيب مطر قائلاً: "عندما تكون العظام مكشوفة ومعرضة للهواء تصبح عرضة للالتهابات، وهنا يأتي دور جراح التجميل، حيث يقوم بعمليات تنظيف دقيقة، وأخذ مزارع بكتيرية، ومن ثم إعطاء العلاج المناسب بناءً على نتائج هذه المزارع. التحديات التي تواجهنا كبيرة، وأبرزها العدد الكبير من المصابين في مقابل نقص الكوادر الطبية المتخصصة، سواء من جراحي العظام، أو جراحي التجميل المدربين على هذا النوع من الإصابات، كما أن هناك نقصاً حاداً في الأدوات والمستلزمات الطبية، مثل الصفائح والمسامير".
ويبين أن نقص المستلزمات يؤثر بشكل مباشر على عدد العمليات الجراحية التي يستطيع الأطباء إجراءها، ويقول: "على سبيل المثال، لو توفرت الأدوات بشكل كافٍ، يمكننا إجراء حوالي 30 عملية شهرياً، لكن بسبب النقص القائم لا نستطيع إجراء أكثر من عشر عمليات في الحد الأقصى في الشهر. نضطر أحياناً إلى إعادة استخدام بعض الأدوات التي كان يستخدمها المصابون بعد انتهاء استخدامها، ويتم تعقيمها لإعادة استخدامها بسبب شح الموارد".
وحول أعداد مصابي الكسور المعقدة، يشير مطر إلى أن الوزارة أطلقت رابطاً لتسجيل هذا النوع من الإصابات، وجرى تسجيل ما يقارب 12 ألف مصاب بكسور معقدة، وتواصلت الوزارة مع نحو ثلاثة آلاف منهم، وتبيّن أن حوالي 900 مريض يحتاجون إلى عمليات ترميم، سواء عمليات كبرى أو صغرى. ويضيف: "في حالات الكسور المعقدة، تكون نسبة الالتئام ضعيفة نسبياً، وغالباً ما يحتاج المريض إلى عمليات مساعدة لتعزيز الالتئام، مثل عمليات زراعة العظام. لكن هذه العمليات تعتمد بشكل كبير على توفر الإمكانيات، وأجرينا نحو خمسة آلاف عملية بتر أطراف خلال العدوان، من بينها عمليات لـ1200 طفل".
يتابع: "بعد نجاح العملية لا ينتهي العلاج، فالنجاح الأولي هو فقط الحفاظ على الطرف، والتئام العظام، وبعد ذلك تبدأ مرحلة لا تقل أهمية، وهي التأهيل والعلاج الطبيعي المكثف حتى يتمكن المريض من استخدام الطرف من جديد. وقد يعاني المصاب من مضاعفات طويلة، أو من عجز دائم، مثل فقدان جزء من الجلد أو العضلات عند إجراء الرقعة الجلدية، أو عدم التئام الأعصاب، كما أن وجود فرق في طول الطرف، خاصة إذا تجاوز أربعة سنتيمترات، قد يسبب مشاكل على المدى البعيد، خاصة بمفاصل الحوض والعمود الفقري، وهذا يحتاج إلى تدخل جراحي إضافي".

أخبار ذات صلة.
ثمانون علي بدرخان: قلّة أفلام ووفرة جمال
العربي الجديد
53 دقيقة من الآن