عربي
أكدت إحصائيات حديثة ارتفاع معدلات الطلاق في ليبيا، ما يلقي بظلال على واقع النسيج الاجتماعي، ويفتح الباب أمام تساؤلات حول حجم التحديات التي تطاول بنية الأسرة الليبية.
كشف التقرير السنوي لمنصة "بانداز" الدولية المتخصصة في تحليل المؤشرات الاجتماعية، أن ليبيا تتصدر المشهد العربي في معدلات الطلاق للعام الثاني على التوالي، ما يلقي بظلال على واقع النسيج الاجتماعي، ويفتح الباب أمام تساؤلات حول حجم التحديات التي تطاول بنية الأسرة، وحدود قدرتها على الصمود في وجه التغيرات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة.
وأورد التقرير الصادر في نهاية مارس/آذار الماضي، ارتفاع معدلات الطلاق في ليبيا إلى نحو 2.5 حالة لكل ألف نسمة، وأن هذه الزيادة جاءت ضمن منحنى تدريجي بدأ قبل أكثر من عقد، إذ كانت النسبة في عام 2012 عند حدود 0.4%، قبل أن ترتفع إلى نحو 0.9% بحلول عام 2022، بينما تعكس القفزة الحالية في الأرقام تغيراً واضحاً في طبيعة العلاقات الزوجية. وأبرزت المنصة الدولية أن مدينة بنغازي شهدت الارتفاع الأكبر في عدد حالات الطلاق، ففي عام 2023، سُجلت 3293 حالة طلاق، وهو ما يعادل قرابة 51% من إجمالي الزيجات المسجلة، وفي عام 2024، سُجلت 3874 حالة طلاق بنسبة تقارب 46% من إجمالي الزيجات، وتشير بيانات الفترة الممتدة بين 2017 و2023 إلى تسجيل نحو 25 ألف حالة طلاق في المدينة.
ويؤكد المحامي الليبي عبد الحكيم التليسي، أن تزايد أعداد حالات الطلاق يرجع إلى أسباب متعددة، سياسية واقتصادية واجتماعية، لكن الصدمة التي أحدثتها تلك الأرقام المنشورة حديثاً كان سببها غياب الاهتمام الحكومي بالظاهرة، وعدم متابعتها عبر إحصائيات محلية محدثة. ويؤكد التليسي لـ"العربي الجديد"، أنه "من الضروري التعامل بجدية مع هذه الإحصائيات، والتي تعكس الواقع، ومن الضروري التوقف عند الأسباب الأساسية وراء هذا التصاعد الكبير للأرقام، والتي ترتبط بشكل مباشر بالظروف الاقتصادية الخانقة التي تعيشها البلاد، ومن بينها غلاء الأسعار، وتقلص فرص العمل. هذه الظروف في العادة لا تصمد أمامها الأسر الجديدة المكونة من شباب غير قادرين على تحمل المسؤوليات المتزايدة، فيحدث الطلاق".
ويشير المحامي الليبي إلى خلفية أخرى تتمثل في التباعد الأسري، قائلاً: "كانت الأسر الممتدة تتدخل في الماضي لحماية الأسر الجديدة، وتدعم استمرارها وصمودها أمام الأزمات، ومع سوء الظروف في السنوات الأخيرة، تراجعت الحماية الأسرية من العائلات للمتزوجين الجدد، وهذا متغير مجتمعي خطير". ويلفت إلى وجود أسباب إضافية، من بينها العنف الأسري، والذي لا يراه سبباً جديداً، بل ربما تراجع نسبياً بسبب زيادة الوعي لدى شرائح الشباب، وإذا وجد اليوم فإنه غالباً ما يكون رهين الظروف النفسية القاهرة التي نتجت عن أزمات وتداعيات الحروب والتهجير، والتي خلقت بدورها نوازع نفسية عنيفة لدى بعض الليبيين.
وحول ارتفاع معدلات الطلاق في بنغازي، يرى التليسي أنه "ليس صدفة، بل دليل إضافي على ما تعرضت له المدينة من أزمات واشتباكات امتدت لأربع سنوات بين 2014 و2018، علاوة على تحولها إلى خزان بشري للحروب الممتدة إلى مناطق أخرى طيلة السنوات التالية، وكلها أسباب خلقت أوضاعاً تتسم بعدم الاستقرار، ودفعت إلى التهجير والنزوح، مثلما حدث في مدن أخرى، لكن بنغازي كانت الأكثر تضرراً".
ويضيف: "يجب ألا يغيب عن أذهاننا أن البلاد فقدت الآلاف من شبابها في الحروب والصراعات، وبعضهم لا يزال مسجلاً مفقوداً، ومن حق الزوجة طلب الطلاق من المحكمة في هذه الحالات، وهذا لا يصنف ضمن أسباب الطلاق الناتج عن تعسر استمرار الأسرة، بل لظروف قاهرة. إضافة إلى أسباب أخرى تتصل بأخطاء السياسات الحكومية، مثل إنشاء صندوق دعم الزواج، والذي منح الشباب دعماً مالياً بشرط وجود عقد قران شرعي، لكن هذا الدعم كان ضئيلاً مقارنة بمتطلبات تأسيس أسرة حقيقية، من شراء منزل وتأمين مصدر عيش، فحدثت نتيجة ذلك حالات طلاق واسعة بعد عقود زواج أُبرمت بتسرع للحصول على تلك الإعانة".
ويشدد التليسي على ضرورة أن تولي السلطات والجهات البحثية اهتماماً أكبر بإجراء دراسات أوسع وأعمق لفهم أسباب ارتفاع معدلات الطلاق من دون حصرها في العامل الاقتصادي وحده، مشيراً إلى أن "الطلاق متعدد الصور والأسباب، فهناك طلاق بالتراضي، وطلاق للضرر، وطلاق بإرادة أحد الزوجين منفرداً، ويتوجب البحث في كل حالة على حدة، مع عدم تجاهل الفقدان في الحروب، وكذلك ظروف النزوح والتهجير. أرقام المنصة الدولية ليست بعيدة عن الواقع، ما يستوجب البحث في جذور الظاهرة، والتي تمثل، بغض النظر عن أسبابها وتفاصيلها، تهديداً حقيقياً للنسيج المجتمعي، وتسهم في تفكك الأسر الليبية".

أخبار ذات صلة.
ثمانون علي بدرخان: قلّة أفلام ووفرة جمال
العربي الجديد
53 دقيقة من الآن