عربي
تلقي حوادث الاعتداء على الكوادر التعليمية في المغرب على يد طلاب وأهاليهم بظلالها على المدارس، ويثير تصاعد العنف داخل المؤسسات التعليمية قلقاً متزايداً لما يرافق ذلك من تداعيات على المسار التعليمي. ويتفق تربويون على أن العنف المدرسي ظاهرة لها أسباب وجذور اجتماعية، ولا يمكن حلها بمذكرات تقنية، بل بالاهتمام بالحياة المدرسية التي فُرِّغت من كل الأنشطة التي كانت تُربي التلاميذ على قيم التسامح والتعاون والاحترام وحرية الرأي والتعبير.
واعتدى تلاميذ على أستاذة في ثانوية صبرا بمدينة زايو (شمال شرق) وأسقطوها أرضاً، ما تسبب في كسر وجروح أعجزتها عن العمل مدة 30 يوماً. وُوصفت الواقعة بأنها "خطيرة وغير مسبوقة"، وفي مدينة فاس اقتحم شقيق إحدى التلميذات إحدى المدارس، واعتدى جسدياً على أستاذة، وخلفت الواقعة استنفاراً في صفوف الأطر التربوية وفتحت نقاشاً واسعاً حول شروط السلامة. وفي سلا القريبة من العاصمة الرباط،، اعتدت والدة تلميذ على أستاذة داخل المدرسة، ما أصابها بجروح في الوجه.
يقول الكاتب العام للجامعة الوطنية للتعليم (نقابة)، عبد الإله دحمان، لـ"العربي الجديد": "يشهد الفضاء التربوي منذ سنوات تصاعداً مقلقاً لظاهرة العنف من بينها الاعتداءات اللفظية والجسدية التي تستهدف الأطر التربوية والإدارية، ما يهدد أمن المدارس ووظيفتها التربوية. يفرض هذا الوضع نفسه بوصفه إشكالية مركزية تستدعي قراءة علمية متعددة الأبعاد تستحضر السياقات الاجتماعية والثقافية والتربوية".
ويربط دحمان تنامي ظاهرة العنف المدرسي بمجموعة عوامل متداخلة في مقدمها الهشاشة الاجتماعية والتفكك الأسري وانتشار ثقافة العنف في بعض الأوساط، ما ينعكس على سلوك التلاميذ، ويربطها أيضاً بضعف التأطير التربوي والاكتظاظ ومحدودية الأنشطة الموازية، ومن بين الأسباب أيضاً الاضطرابات النفسية غير المشخصة لدى بعض التلاميذ، وغياب الدعم النفسي داخل المؤسسات التربوية، وتأثير الوسائط الرقمية التي تنشر محتويات رقمية تحرض على العنف أو تطبعه.
ويُنبّه إلى أن "العنف المدرسي يتسبب في آثار عميقة أبرزها تراجع جودة التعليم نتيجة اضطراب المناخ التربوي، والإحساس بعدم الأمان لدى الأطر التربوية، ما يؤثر على أدائهم المهني، إضافة إلى ارتفاع نسب الهدر المدرسي، وتقويض الثقة في المدرسة العمومية بوصفها مؤسسة للتنشئة الاجتماعية. تصاعد العنف داخل المؤسسات التعليمية ليس مجرد سلوك فردي معزول، بل انعكاس لاختلالات بنيوية تتطلب إصلاحاً عميقاً وشاملاً، وضمان مدرسة آمنة يمر عبر تعبئة جماعية لكافة الفاعلين في أفق بناء فضاء تربوي قائم على الاحترام المتبادل والإنصاف وجودة التعليم".
ويتابع دحمان: "يؤكد الوضع الحالي الحاجة إلى مقاربة شاملة تعزز الحكامة التربوية، وإدماج الأمن المدرسي في التخطيط التربوي، وتأهيل الموارد البشرية في مجال تدبير النزاعات والتواصل التربوي، وأيضاً إدماج الدعم النفسي والاجتماعي عبر توفير أطر متخصصة داخل المؤسسات التعليمية، وتفعيل الشراكات مع الأسر والمجتمع المدني والسلطات المحلية لضمان مقاربة تشاركية، إضافة إلى إدماج قيم التسامح والحوار والاحترام في المناهج الدراسية".
بدورها، ترى أستاذة علم الاجتماع، خديجة الكور، أن "العنف داخل المؤسسات التعليمية في المغرب لم يعد مجرد حوادث معزولة، بل مؤشر مقلق لاختلال يمسّ مناخ التعليم نفسه". وتوضح لـ"العربي الجديد"، أن "تقرير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي (حكومي) الذي أنجز بالشراكة مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، أعاد وضع الظاهرة في صدارة النقاش العمومي، والأمر يتعلق بأنماط متعددة من العنف تشمل اللفظي والرمزي والجسدي والتحرش، بما في ذلك التحرش ذو الطابع الجنسي".
وتوضح الكور أن "المعطيات المتوفرة ترصد مستويات مقلقة منذ سنوات، إذ أحصى المرصد الوطني لمحاربة العنف في الوسط المدرسي نحو 24 ألف حالة خلال الموسم الدراسي 2013 - 2014، وكانت 64% من الحالات عنفاً بين التلاميذ أنفسهم، بينما أظهرت نتائج التقييم الوطني أن خُمس تلاميذ الثانوي التأهيلي تقريباً يستخدمون العنف اللفظي والجسدي ويتعرضون له بالنسبة نفسها تقريباً".
وتفسّر تصاعد العنف في الوسط المدرسي بـ"تداخل عوامل عدة، أولها أن المدرسة لم تعد في منأى عن التحولات الاجتماعية، ومن بينها تراجع منسوب الضبط القيمي وضعف ثقافة الحوار والاحترام، فالمؤسسة التعليمية تعكس في بعض جوانبها ما يحصل في المجتمع من توترات وهشاشة وتراجع في وظائف التنشئة. العامل الثاني يرتبط بالضغط النفسي والاجتماعي الذي يعيشه بعض التلاميذ بسبب الهشاشة الاجتماعية أو الإحساس بالفشل الدراسي أو صعوبات الاندماج، أو ضعف الإحاطة الأسرية".
وتوضح أن "خطورة هذه العوامل تزداد حين لا توفر المؤسسة آليات فعالة للإنصات والوساطة والتدخل المبكر، والتقرير الوطني للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي يبرز أن الظاهرة لا تقتصر على عنف جسدي مباشر، بل تشمل أيضاً العنف اللفظي والرمزي والتحرش والتحرش ذا الطابع الجنسي، ما يعني أن العنف يتخذ أشكالاً مركبة ومتدرجة من الإهانة والتهديد والإقصاء وصولاً إلى الاعتداء الجسدي".
تتابع الكور: "يرتبط العامل الثالث في تصاعد العنف المدرسي بضعف فعاليّة بعض آليات المواكبة والردع والوقاية داخل المنظومة، أو تفاوت تفعيلها بين مؤسسة وأخرى. صحيح أن المغرب راكم أدوات مؤسساتية منذ سنوات لكن استمرار المؤشرات المقلقة يُظهر أن وجود الآليات لا يكفي وحده إذا لم يقترن بالنجاعة والتتبع والموارد البشرية المؤهلة. ويضاف إلى ذلك أن التنمر الرقمي الذي أصبح اليوم امتداداً للعنف المدرسي التقليدي، حتى إذا كانت غالبية التقارير الوطنية المرجعية المتداولة تركز في تصنيفاتها الإحصائية الأساسية على العنف اللفظي والجسدي والتحرش داخل الفضاء المدرسي ومحيطه".
ومن أجل مواجهة ظاهرة العنف المدرسي تؤكد الكور "ضرورة الانتقال من منطق المعالجة الظرفية إلى مقاربة وقاية شاملة، لأن العنف المدرسي لا يُواجه فقط بعد وقوعه، بل عبر بناء مناخ مدرسي آمن يعيد الاعتبار إلى سلطة المؤسسة وهيبة الأطر التربوية والإدارية من دون السقوط في المقاربة الزجرية الصرفة. كما يجب تفعيل الأدوات المؤسساتية الموجودة على نحو أكثر صرامة وفعاليّة، ومن بينها المرصد الوطني لمحاربة العنف بالوسط المدرسي، وخلايا الإنصات والوساطة داخل المؤسسات التعليمية، ومنصة مرصد لتسجيل الحالات وتصنيفها وتتبعها. ولا يكمن التحدي الحقيقي فقط في وجود هذه البنى، بل في تمكينها بالموارد والاختصاصات والتنسيق لجعلها أدوات فعلية للوقاية والتدخل والدعم، وليس مجرد هياكل شكلية".
وتؤكد على "ضرورة إعادة بناء العلاقة بين المدرسة والأسرة والمجتمع على أساس الشراكة والمسؤولية المشتركة، فالعنف لا يمكن اختزاله في سلوك تلميذ فقط، بل يجب فهمه بوصفه نتاجاً لاختلال في التنشئة والوساطة الأسرية، والإحساس بالانتماء المدرسي. من هنا تبرز أهمية الدعم النفسي والاجتماعي، والتربية على القيم، وتكوين الأطر التربوية في تدبير النزاع، وتوسيع برامج الإنصات والمصاحبة داخل المؤسسات".
وترى الكور أن العنف المدرسي في المغرب ليس مجرد انفلات سلوكي عابر، بل قضية تربوية وحقوقية ومجتمعية مركبة تمس جودة التعليم والأمن النفسي للتلاميذ، وكرامة الأطر التربوية، وهيبة المدرسة العمومية نفسها. لذا تتطلب مواجهته الجمع بين الحزم القانوني والوقاية التربوية والمواكبة النفسية والتتبع المؤسساتي والانخراط الأسري والمجتمعي كي تستعيد المدرسة وظيفتها الأصلية في توفير فضاء آمن للتعلم والتربية والارتقاء الاجتماعي".

أخبار ذات صلة.
نجاة ترمب من ثالث استهداف
الشرق الأوسط
منذ 12 دقيقة
الاتحاد التونسي للشغل وعيد العمّال
العربي الجديد
منذ 15 دقيقة
كلمة آل الفقيد
العربي الجديد
منذ 15 دقيقة