عربي
لم تألف الأرملة الستينية الحزينة من قبل الوجود في الأماكن العامّة المحتشَدة بالوجوه الغريبة، وها هي تتأهّب مرغمةً لاعتلاء المنصّة وإلقاء كلمة آل الفقيد. كانت مهمّةً صعبةً على امرأة انطوائية عاشت في الظلّ طويلاً، رغم شهرة زوجها الكاتب الناشط متعدّد الاهتمامات، الذي لم يفوّت قط حدثاً، وكان حاضراً تحت الأضواء طوال حياته. تفقّدت الورقة المطوية في حقيبتها، تذكّرت عشرات الأوراق التي مزّقتها قبل أن يستقرّ رأيُها على كلمة مقتضبة، لأنّها لا تميل إلى الثرثرة عن أحزانها وذكرياتها مع الراحل أمام الغرباء، بل إنّها تجد ذلك غير لائق. تلفّتت وكأنّها تبحث عنه بين الحضور الذين اكتظّت بهم القاعة. أحسّت بالفخر والعزاء لأنّ أولئك كلّهم حضروا من أجل مكانته الكبيرة في قلوبهم، واعترافاً منهم بمساهماته الأدبية الكبيرة.
تقدّم عريف الحفل نحو الميكروفون، ألقى على الحضور التحية، وطلب منهم الوقوف دقيقة صمت احتراماً لروح فقيد الوطن الكبير. ساد صمت عميق، وما إن اتخذ الجميع أماكنهم، حتى سرت همهمات وكلمات مبهمة. تقدّم الخطيب الأوّل الذي قدّم نفسه بوصفه أقربَ صديق للمرحوم. أحسّت بأنّه لم يكن حزيناً كما ينبغي، بل بدا سعيداً بعدسات الكاميرات التي التقطت العديد من الصور ومقاطع الفيديو. ولم يخلُ حديثه من افتعال التأثّر والحزن وهو يسرد ذكرياته ويتطرّق إلى مآثر الفقيد التي بالغ في تضخيمها، كما جرت العادة في مثل تلك المناسبات.
سمعت حواراً بين اثنين من رفاق الراحل الجالسين في الصفّ الثاني. كانا يتضاحكان بصوت مكتوم، وهما يغتابان بلا هوادة زميلةً لهما. قال أحدهما إنّها متصابية تظنّ نفسها فاتنةً بشعرها المستعار ووجهها المنتفخ من جرّاء حُقن النضارة و"البوتوكس". أضاف الثاني: ولا تنسَ "تاتو" حاجبيها، لقد أصبحت تشبه شرشبيل عدوّ السنافر. عاودا الضحك بصوت مرتفع هذه المرّة.
تقدّم ثاني الخطباء بخطوات وقورة. تهدّج صوته أكثر من مرّة، وهو يروي بعضاً من مواقف الفقيد السياسية الشجاعة. في الأثناء، مالت شابّة إلى ثلاثيني مجاور لها، قالت معاتبةً: "من المعيب أن تتخلّى عني بهذه الطريقة، كان بيننا اتفاق على الخطوبة، ماذا أقول لعائلتي الآن؟". ردّ باقتضاب: "قسمة ونصيب يا عزيزتي، ما في نصيب".
اقترب رجل ذو مظهر أنيق مصافحاً زميلاً له، ومعبّراً عن سعادته بالمصادفة التي جمعتهما! قال بحماسة: "غداً يومنا الكبير يا صديقي، رتبت جميع الأمور، سوف نكتسح النقابة غداً". ردّ الزميل بتخوّف: "هل سيفون بوعدهم؟ أنت تعرف، الانتخابات في العادة لا تخلو من الكواليس والخيانات". ردّ الأول بلهجة واثقة: "لا تقلق، إنّ مصالحهم مرتبطة بنا، اطمئن". ربّت كتفه مطمئناً، نظر إلى ساعة يده، قال متأفّفاً: "لقد تأخّرنا، متى سينتهون؟".
حانت منها التفاتة إلى الحاضرين. كان الجميع يحدّقون في شاشات موبايلاتهم بتركيز شديد. شكر الخطيب الثاني الجمهور على حسن استماعهم، وعاد إلى مقعده متأثّراً. تقدّم عريف الحفل معلناً كلمة آل الفقيد التي ستلقيها أرملته السيّدة (...). ساد صمت عميق في القاعة. أعاد العريف التقديم بصوت مرتبك. تأهّب الحضور الفضولي لرؤية أرملة الفقيد الكبير. ردّد الرجل عبارته بصوت متوسّل: "فلتتفضّل السيدة (...) بإلقاء كلمتها".
غير أنّ أحداً لم يتقدّم. تطلّع إلى المقعد حيث كانت تجلس. اتجهت أنظار الجميع نحو مقعد الأرملة الحزينة. سَرتْ همهمات مستنكِرة لأنّ مقعدها كان فارغاً.

أخبار ذات صلة.
نجاة ترمب من ثالث استهداف
الشرق الأوسط
منذ ساعة