عربي
مع حرب الشرق الأوسط التي قادتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضدّ إيران، وما ترتّب عليها من تهديد لأمن الدول الخليجية، وتداعيات أخرى شكّلت أزمة عالمية، برزت ضرورة العمل الجماعي والوساطة متعدّدة الأطراف. بالطبع، لم تكن الصيغة وليدة اللحظة، إذ ظهرت ملامحها خلال الحرب على غزّة، وبرز تقاربٌ بين مصر وتركيا والسعودية ضمن تعاون لإدارة الأزمات، وشكّلت مفاوضات الهدنة برعاية الوسيطَين المصري والقطري محطّة مهمّة لتبلور هذا المشهد، تضمّن تواصلاً دبلوماسياً مكثّفاً، وخطاباً متقارباً قائماً على أهداف مشتركة. مهّد لذلك تحسّن نسبي في العلاقات بين الأطراف قبل الحرب، وتعزّز بعدها ليتواصل المسار، كما دعمته الرغبة في وقف تمدّد الهيمنة الإسرائيلية، سواء بوجهها العدواني في حرب الإبادة وهجمات على دول عربية، أو عبر تحالفات تقودها إسرائيل وتضرّ بمصالح القوى الإقليمية. ومع هذا المشهد، بات واضحاً أنّ حجم التهديدات لدول المنطقة يفوق التباينات بشأن قضايا خلافية بين أطرافها يمكن الحوار حولها، ما خلق أرضية للعمل الجماعي من التشاور السياسي إلى التحرّك الفاعل، ومن الجهود الأحادية والثنائية إلى نمط الوساطة متعدّدة الأطراف، في شكل أقرب إلى شبكة إقليمية لإدارة الصراع تدرك ترابط المخاطر، وبرز مع انتقال التنسيق من حرب غزّة إلى مناقشة ملفّات الأمن الإقليمي.
دور باكستان في الوساطة لتفكيك الأزمة الإيرانية وخفض التصعيد يعزّز نفوذها الدبلوماسي
وفي محطّة الحرب في الشرق الأوسط، اعتبرت إيران دولَ الخليج خصوماً قبل أن تبدأ الحرب من الأساس، ما قلّص فرصَ الوساطة الخليجية، سواء استمرار مسقط في وساطتها (جولة تفاوض 6 فبراير/ شباط) أو مساهمة عاصمة خليجية أخرى في حوار يساهم في إحباط مخطّط الحرب الذي حذّرت من تداعياته الدولُ العربية الولاياتِ المتحدة. في المقابل، وجدت إسرائيل فيها فرصة لتحقيق هدف قديم يتّصل بتعميق هيمنتها، وزيادة الخلل في توازن القوة، ولا يقتصر هدفها على إسقاط نظام طهران الذي تعتبره مهدّداً لها فحسب، بل أيضاً تدمير مقوّمات الدولة وإضعافها إلى أبعد حدّ، وهو ما يتّضح من طبيعة عملياتها العسكرية.
ومع هذا المتغيّر، وعبر تشاور إقليمي، طرحت باكستان مبادرتها وسيطاً مناسباً في توقيت أزمة حادّة، استناداً إلى مسوّغات عدّة، أبرزها أنّ إسلام أباد لا تُحسب على طرف في المنطقة العربية، وفي الوقت نفسه تمتلك علاقاتٍ مع الولايات المتحدة وجارتها إيران، ما ييسّر فتح قنوات تواصل، إلى جانب وجود أطر تعاون مع دول الخليج، خصوصاً السعودية التي ترسّخت العلاقات معها بتوقيع اتفاق دفاعي (سبتمبر/ أيلول 2025). وفي خطوة رمزية دالّة، أرسلت إسلام أباد قواتٍ وطائراتٍ إلى مطار الملك عبد العزيز تزامناً مع عملية التفاوض، حملت معاني التضامن، وترجمة للشراكة، كما مثّلت ضغطاً غير مباشر على إيران لدفعها نحو مسار التهدئة، مع رسالة مفادها: لا تدعونا نختر بين علاقة الجوار وخسارة الشركاء في حال استمرار الهجمات. وهنا تتّصل الجهود الدبلوماسية بترتيبات أمنية تضفي بُعداً يوظّف الوزن العسكري، ويتجلّى ذلك أيضاً في مرافقة الطائرات الباكستانية المقاتلة الوفد الإيراني خلال عودته إلى طهران، وبروز الجيش إلى جانب رئيس الوزراء الباكستاني في الاجتماعات والزيارات الرسمية.
ومع طرح باكستان التوسّط، وتعويل إيران على الخروج من مأزقها عبر التفاوض، اكتسبت جهود إسلام أباد مساندة عربية وإسلامية، سبقها تنسيق وضُح في اجتماع وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان في الرياض، وتلته اجتماعات مماثلة. وبذلك توسّعت أطر العمل الجماعي بانضمام باكستان، وبرزت الصيغة الرباعية، وهي أقرب إلى شبكة إقليمية لإدارة الأزمة، مع تقديم كلّ طرف ما يمكن من دعم في نموذج بديل من الوساطة التقليدية الأحادية أو الثنائية. آلية عمل جماعي يتجاوز نتاجها جهود أطرافها، لأنّها تحظى بمساندة واسعة حتى من بلدان بعيدة عن المنطقة، متضرّرة من الحرب.
كما أنّ نموذج التنسيق رفيع المستوى يعبّر، رغم ما يقال عن تفكّك عربي وخلافات، عن نمط من التفاهم يتضمّن بعداً إيجابياً من التقارب والتضامن، ودالّ على إدراك مشترك بأنّ المنطقة دخلت مرحلة جديدة من التهديدات تبدو ملفّات الأزمة مترابطة: الحرب على غزّة، وأمن الخليج في سياق عربي، وأمن الممرّات: مضيقَا هرمز وباب المندب، خاصّة مع سعي إسرائيل لإيجاد نقاط ارتكاز وتدخّل أكبر في القرن الأفريقي، وبناء تحالفات على حساب مصالح دول المنطقة. وهذا يوضّح بدرجة أكبر تعقّد الصراع، وتعدّد الملفّات وترابطها، ما يستدعي التعاون. وبدت الوساطة الجماعية خياراً أقرب إلى الضرورة، تدفعها المبادرة وتسدّ فراغاً قائماً، نظراً لتراجع ما اصطُلح على تسميته بـ"النظام العربي" (منذ 1991)، وعجز آلياته عن أداء الدور المفترض. وفي المقابل، لم تتشكّل أحلاف تمثّل منصّة تشاورٍ تخلق توازناً وتعوّض الفجوة، لذا جاءت نواة الآلية الجديدة حلّاً متوافقاً عليه، مع الاعتراف بوجود تباين نسبي، لكن لم يعطلّ العمل الجماعي لمواجهتها.
المشترك في الحرب على كلّ من غزّة وإيران يتمثّل في توسّع إسرائيل في تنفيذ أجندتها بدعم أميركي
مع تراكم الخبرة في مسارات الوساطة وتنوع أطرافها وتفاعلاتها، استندت أطروحات التفاوض إلى تصوّر مرحلي يقترب من النموذج الذي طُبق في مفاوضات غزّة، بما في ذلك ما نُشر حول خطّة لوقف إطلاق نار مؤقّت لمدّة 45 يوماً مرحلة أولى، يعقبها تفاوض على تسوية (طُبّق في هدنة أسبوعَين بدأت في 8 إبريل/ نيسان ثم جرى تمديدها). وهو ما يعكس إعادة إنتاج نمط الوساطة متعدّدة الأطراف، القائم على الأهداف المرحلية، وربط التنفيذ بالتزامات طرفَي الصراع. وفي مقدّمة بنود هذا المسار، الذي قد يتطوّر إلى اتفاق، ضمان حرّية الملاحة، وتنظيم آليات العبور في مضيق هرمز، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمّدة، والرفع التدريجي للعقوبات، إلى جانب ملفّات أكثر تعقيداً: مستقبل البرنامج النووي، ومصير اليورانيوم المخصَّب، والتزام سياسة حسن الجوار التي تعلنها طهران دوماً، بما يضمن مستقبلاً عدم الإضرار بدول المنطقة.
ويظهر العمل الجماعي في خطّ ممتدّ يربط بؤر الصراع في المنطقة، من غزّة إلى إيران، وفي ملفّات أخرى مترابطة تشترك فيها مصر والسعودية وتركيا في القرن الأفريقي ضمن تفاهم مشترك، ومع استمرار الانخراط العربي في ملف غزّة، عبر أدوار مصر وقطر والأردن، في تنسيق ثلاثي، إلى جانب مشاركة تركيا في مسارات التفاوض لاحقاً، وأعلنت مع باكستان رغبتها في المساهمة في ترتيبات المرحلة الثانية من اتفاق الهدنة في غزّة (المعطّل حالياً)، وهي خطوة قرّبت إسلام أباد من ملفّات المنطقة. كما أنّ دورها في الوساطة لتفكيك الأزمة الإيرانية، واحتمال نجاحها في خفض التصعيد، يعزّز نفوذها الدبلوماسي إقليمياً ودولياً، ليعكس في النهاية نجاح مفهوم العمل الجماعي، وتوسيع أطره بين دول إسلامية وعربية أوسطية، عبر توزيع مرن للأدوار لتحقيق أهداف مشتركة.
وعموماً، هذا التعاون، وإن لم يتأسّس على تحالف رسمي، فهو يمثّل بديلاً إسعافياً يقوم على مهام مؤقّتة وتقسيم مرن للأدوار، ويقترب من نموذج شبكي قائم على التعاون بدل التنافس، أو تشكيل جبهات متقابلة، مع تكامل وظائف الأطراف. وتوزّع الأدوار: باكستان قناة اتصال وتأثير في إيران، وتركيا جسر سياسي مرن بحكم عضويتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وموقعها الجغرافي، بينما توفّر مصر غطاءً دبلوماسياً باتصالات مع دول الخليج وإيران، إلى جانب واشنطن ودول الاتحاد الأوروبي، بما يعزّز صورتها وسيطاً متوازناً. وفي المقابل، تنخرط السعودية بالتنسيق مع باكستان في جهود إنهاء الحرب، مستندة إلى ثقلها السياسي والاقتصادي، مع دور يُنظر إليه تمثيلاً لمصالح دول مجلس التعاون الخليجي ويحظى بقبول عربي.
وفي تفسير بروز الوساطة متعدّدة الأطراف، يمكن إرجاع ذلك إلى مجموعة عوامل أساسية: أوّلها تداعيات الحرب وما فرضته من إدراك بأنّ أي توسّع للصراع سيطاول الإقليم بأكمله. وثانيها تراجع فاعلية الوساطات التقليدية في تحقيق اختراقات دبلوماسية، ما أتاح المجال لباكستان لطرح مبادرتها، وتوسيع دائرة التنسيق نحو نموذج جماعي أكثر قدرة على التأثير، عبر تنوّع الأطراف وحشد مواردها في صراع معقّد تتجاوز تداعياته المنطقة إلى مستوى دولي.
ثالثاً، تشترك الحرب على غزّة وإيران في عامل مشترك، يتمثّل في توسّع إسرائيل في تنفيذ أجندتها بدعم أميركي، من دون مراعاة لمصالح دول الشرق الأوسط، أو ميزان القوى مع الولايات المتحدة، إذ تفرض أهداف دولة الاحتلال على بقية الشراكات مع دول الإقليم، على الرغم من العلم بقدر الضرر والتداعيات. ومن هنا، تصبح الوساطة الرباعية آلية عمل جماعي، إذ لم يعد العمل المنفرد قادراً على التأثير. ويتصل ذلك (رابعاً) بغياب مبادرات دولية فاعلة، فقد جاء التدخّل الصيني والروسي في خفض التصعيد متأخّراً، بينما لا تمتلك أوروبا شروط الوساطة، مع انحيازها ومشاركتها في سياسات العقوبات ضدّ إيران. ورغم أنّ ترامب ينظر إليها (من "الناتو" وإليه) باعتبارها شريكاً غير فاعل، بينما اقتصرت التحرّكات الأوروبية على دعم دفاعي محدود لدول الخليج، بالتوازي مع تشكيل مجموعة ضغط دبلوماسي بقيادة بريطانيا، عقدت اجتماعاً عبر الفيديو (كونفرنس) ضمّ 40 دولة في إطار سُمّي لاحقاً بـ"الطريق الثالث"، ثم تكرّر الاجتماع في باريس (17 إبريل بمشاركة 49 دولة)، غير أنّ الاجتماعين ركّزا على تأمين الملاحة أكثر من معالجة جذور الأزمة.
لذا، تبدو الوساطة الجماعية ضرورة وليست خياراً، إذ توفّر قنوات متعدّدة تضمن استمرارية المسار إذا تعثّرت إحداها، وتحدّ من مخاطر الانحياز بما يعزّز الثقة فيها. كما تشير إلى ملامح تشكّل إطار شرق أوسطي إسلامي مرن لإدارة الأزمات، يقوم على تعاون قوى إقليمية متوسّطة، تسعى إلى منع الفوضى وإيجاد تسويات سلمية. ويعكس ذلك انتقال المنطقة إلى مرحلة إدارة الصراع بصورة جماعية، وحقيقة أنّ أي دولة غير قادرة منفردة على إنتاج تسوية فعّالة، وأنّ التعاون أكثر قدرة على احتواء التصعيد. ويبدو هذا النمط أقرب إلى منتدى شرق أوسطي إسلامي غير رسمي، يجمع قوىً إقليمية حول إدارة الأزمات، عبر التعاون بدلاً من التنافس، أو الانخراط في محاور متصارعة.
أصبحت الوساطة الرباعية المصرية التركية السعودية الباكستانية آلية عمل جماعي، في غياب مبادرات دولية فاعلة
إجمالاً، اتخذت الوساطة مساراً قائماً على الجهد الجماعي، في مقابل الوساطة المنفردة، وقد فرضتها الضرورة، وجاءت نتيجة تشاور سياسي تُرجم إلى خطوات عملية، وامتدّت من ملفّ غزّة إلى الحرب على إيران، ويشكل اختباراً (ودالّاً على) لقدرة القوى الإقليمية على احتواء الأزمات. وتعكس هذه الصيغة، إلى جانب تقاطع المصالح، إدراكاً مشتركاً بأنّ كلفة الحرب مرتفعة، وأنّ العمل الجماعي يفرز شبكة تحاول خلق توازن، وتفتح قنوات لإدارة الصراع في مرحلة لا تكفي فيها الجهود الفردية لمواجهة المخاطر الإقليمية.
ويؤكّد ذلك أهمية هذا النمط بوصفه خطوة يمكن البناء عليها قبل طرح أهداف وشعارات صحيحة، بل ضرورية، مثل تشكيل قوة دفاع عربي مشتركة، لكن هذا النمط لا يزال غير مهيأ للتحقّق، ويحتاج حواراً جادّاً يحدّد المخاطر بوضوح، وتحديد الأهداف المشتركة وأدوات تحقّقها، وحجم المساهمات وفق الإمكانات الفعلية. وفي كلّ الأحوال، فإنّ ما يتبلور من صيغ عمل جماعي على أساس إدراك مشترك للمخاطر والتعامل معها، يمثّل تطوّراً لافتاً لم تعرفه المنطقة منذ فترة طويلة، حتى إن لم يلبِّ التوقّعات لدى بعضهم وبحسابات كلّ طرف. ومع ذلك، فإنّ النظر إليه بإيجابية، ودعمه، يظلّ ضرورياً، لأنّ تغيير الواقع لا يتحقّق من دون محاولات تستند إلى أسس وتقييم واقعي وتجريب. أمّا البديل، فهو بقاء نموذج العمل المنفرد والتفتّت، أو بناء أحلاف بلا تفاهمات مشتركة أو إمكانات قادرة على تحقيق أهدافها.

أخبار ذات صلة.
نجاة ترمب من ثالث استهداف
الشرق الأوسط
منذ ساعة