عربي
تخلف الحرائق التي يتكرر اندلاعها في مخيمات النازحين في السودان خسائر فادحة في الأرواح، ومئات الإصابات، كما تدمر آلاف الأكواخ البسيطة التي تؤوي عشرات الآلاف، ما يفاقم تردي الأوضاع الإنسانية للنازحين المعرضين لأشكال من الكوارث الناتجة عن استمرار الحرب.
يتكرر اندلاع الحرائق في مخيمات النازحين السودانيين، ما يكشف عن كارثة إنسانية جديدة تُضاف إلى جُملة الكوارث التي تواجهها العائلات التي دفعتها الحرب المستمرة إلى ترك منازلهم والالتجاء إلى أكواخ بدائية مصنوعة من مواد محلية قابلة للاشتعال مثل الحشائش الجافة وأغصان الأشجار والأقمشة البالية وجوالات البلاستيك، والذين يعيشون في مخيمات عشوائية بلا خدمات، خصوصاً في إقليمي دارفور وكردفان.
في مخيمات دارفور، لم تعد الحرائق تشتعل عرضاً، بل أصبحت متكررة نتيجة قابلية المواد التي تُصنع منها الأكواخ للاشتعال مع حركة الرياح المستمرة، فضلاً عن الاكتظاظ الشديد، واضطرار النازحين إلى استخدام الأماكن المفتوحة لإشعال النار من أجل طهي طعامهم الشحيح. وفي كل مرة تسبّب الحرائق تحويل عشرات الأكواخ المُؤقتة إلى رماد، وتُدمر الممتلكات القليلة التي تبقت للنازحين، ما يجبر الأُسر على البقاء في العراء تحت هجير الشمس التي ترتفع حرارتها حالياً إلى نحو 40 درجة مئوية.
ورغم فداحة الحرائق وما تخلفه من تداعيات جسيمة على تلك المخيمات النائية، ما تزال مكافحتها غير مدرجة في قائمة أولويات أطراف الحرب السودانية، والذين يُصرون على نقل المعارك العسكرية من منطقة إلى أخرى، وتشريد مزيد من المدنيين من دون الاكتراث للمعاناة والانتهاكات التي وثقتها المنظمات الإنسانية المحلية والدولية.
ويواصل أطراف الحرب نفي مسؤوليتهم عن الوقائع المريرة في المُدن والقرى التي تفرق سكانها بين مخيمات النزوح التي تضم حالياً أكثر من 9 ملايين سوداني، جميعهم في أمس الحاجة إلى المساعدات الإنسانية، وعلى رأسها المواد الغذائية والرعاية الصحية والمأوى.
يستضيف مخيم كلمة في دارفور أكثر من 300 ألف شخص منذ اندلاع حرب 2003، إضافة إلى موجات النزوح التي شهدها منذ عام 2023، ما رفع عدد النازحين إلى نحو 500 ألف شخص
في مارس الماضي، دمر حريق هائل أكثر من ألف كوخ في "مخيم كلمة" القريب من مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور، والذي استقبل آلاف النازحين خلال الحرب الدائرة، وشرد الحريق آلاف الأسر التي أصبحت بلا مأوى، كما احترقت كميات كبيرة من المحاصيل الغذائية، إضافة إلى فقدان الممتلكات الأساسية للنازحين.
وقالت منسقية النازحين واللاجئين السودانية، في بيان: "يُعدّ مخيم كلمة أحد أكبر مخيمات النازحين في دارفور، ويستضيف أكثر من 300 ألف شخص منذ اندلاع حرب دارفور في 2003، إضافة إلى موجات النزوح التي شهدها منذ عام 2023، ما رفع عدد النازحين إلى نحو 500 ألف شخص. تُضيف هذه الكارثة الإنسانية عبئاً جديداً على النازحين الذين يُعانون منذ سنوات ويلات الحرب والنزوح".
ويقول مبارك سيف، وهو أحد سكان مخيم كلمة لـ"العربي الجديد": "النازحون من أكثر الشرائح ضعفاً وفقراً في السودان، وبعضهم يقيم في هذا المخيم منذ سنوات طويلة، ولا يملكون بديلاً عنه، والبعض قدموا حديثاً من مناطق متأثرة بالحرب الحالية، وفي ظل هذا الوضع المُتأزم، وجدت أكثر من ألف أسرة نازحة نفسها في العراء بسبب الحريق الأخير الذي دمر الأكواخ، وأحرق المواد الغذائية والمحاصيل الزراعية التي يحتفظ بها النازحون لأوقات الشدة".
وفي 16 إبريل/نيسان الحالي، نشب حريق هائل في "مخيم روكيرو" بمنطقة طويلة في جبل مرة، ودمر نحو 470 كوخاً بالكامل، وتضرر ما يزيد عن 80 كوخاً جزئياً، كما خلف ثلاثة قتلى هم طفلان وامرأة حامل، وأصيب 76 آخرون بإصابات متفاوتة.
وقالت منسقية النازحين واللاجئين السودانية، في بيان: "التهم الحريق مئات الأكواخ، ودمر الممتلكات والإمدادات الغذائية، تاركاً مئات الأسر بلا مأوى أو غذاء في ظروف إنسانية قاسية. هذا الحادث يكشف مجدداً هشاشة أوضاع النازحين، وغياب معايير السلامة داخل المخيمات. اشتعلت سلسلة حرائق في مخيمات النازحين في إقليم دارفور خلال الأشهر الماضية، وغالباً ما تُعزى إلى استخدام مواد إيواء قابلة للاشتعال، مع ارتفاع درجات الحرارة، وقوة الرياح، والازدحام الشديد داخل المخيمات".
ويؤكد أحد النازحين في مخيم روكيرو لـ"العربي الجديد"، أن "الحرائق تتكرر يومياً لأن طريقة بناء الأكواخ تتم بطريقة لا تُراعى فيها ضوابط مكافحة الحرائق، كما أن الطُّرق داخل المخيمات ضيقة للغاية، ولا توجد وسائل إطفاء، وعندما يشتعل الحريق يقوم النازحون باحتوائه بالطُّرق البدائية، مثل نثر التراب عليه، أو رشه بالماء مستخدمين العبوات البلاستيكية، ولذلك تتمدد النيران التي يمكن السيطرة عليها لو توفرت أدوات الإطفاء".
ويضيف النازح الذي فضل عدم ذكر اسمه: "الأوضاع في غاية السوء، والحرائق تفاقمها. معظم النازحين يقيمون في أكواخ بائسة، ولا تتوفر لديهم أغطية ولا فرشات، وتنام النساء والأطفال على الأرض، والجميع في حاجة ماسة إلى المساعدات، وحلمهم أن تتوقف الحرب كي يعودوا إلى حياتهم الطبيعية بعيداً عن معاناة المخيمات".
وتضم منطقة طويلة 17 مخيماً جميعها مكونة من أكواخ متهالكة "رواكيب" مصنوعة من المواد المحلية مثل الحشائش الجافة وأغصان الأشجار وقطع البلاستيك والجوالات التالفة وبقايا الأقمشة البالية، وإلى جانب كونها لا تقي من برد الشتاء، لا تحجب أيضاً حرارة الشمس في الصيف، كما أنها عرضة للحرائق المتكررة.
وأصبحت طويلة الواقعة في جبل مرة الذي يخضع لسيطرة حركة جيش تحرير السودان بزعامة عبد الواحد محمد نور المتمردة منذ 2003، أكبر مركز إيواء للنازحين، إذ تؤوي ما يزيد عن 1.5 مليون نازح، بعضهم ظل نازحاً في المنطقة لأكثر من 23 عاماً، وأغلبهم ممن شردتهم الحرب الدائرة حالياً بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
في 9 فبراير/شباط الماضي، اندلع حريق كبير في "مخيم طويلة العمدة" دمر أكثر من 500 كوخ، كما تضرر نحو مئة كوخ جزئياً، ما خلق أزمة إنسانية قاهرة لآلاف النازحين، ومعظمهم من النساء والأطفال، وبعضهم وصل حديثاً إلى المنطقة، ونتجت عن الحريق وفيات وإصابات بالغة بين النازحين الذين ما زالوا يفترشون العراء حتى الآن.
كانت السودانية آمنة عبد الله نازحة إلى مخيم زمزم القريب من مدينة الفاشر، قبل فرارها إلى مخيم طويلة، وتقول لـ"العربي الجديد": "لم يكن هذا الحريق هو الأول، بل سبقه حرائق عدة في المخيم، وفي المخيمات المجاورة، لكنها لم تكن بمثل شدته، إذ كان النازحون في الحرائق السابقة يتمكنون من السيطرة عليها قبل أن تمتد إلى بقية أكواخ المخيم. لكن هذه المرة كان الحريق عنيفاً، وساعدت سرعة الرياح على انتشاره".
تضيف عبد الله: "دفع الحريق مئات الأُسر إلى البقاء في العراء لفترة طويلة قبل محاولتهم بناء أكواخ جديدة في ظل انعدام المواد، وصعوبات جمع الحشائش وأغصان الأشجار التي أصبحت غير متوفرة في المنطقة التي استقبلت أكثر من مليون نازح خلال الفترة الأخيرة، وجميعهم كانوا في حاجة إلى تشييد أكواخ لإيواء أسرهم. أضرار الحرائق قاسية بحق النازحين الذين ليس لديهم مقدرة على تعويض خسائرهم، ولا توجد جهات تقدم لنا مساعدات في هذه الأوقات العصيبة، بخاصة أن الحريق تكرر في مارس/ آذار الماضي".
وتُعد مخيمات "دبه نايرة"، و"طويلة العُمدة"، و"رواندا"، و"برقو"، و"أركو"، و"فرانقا"، و"روكيرو"، و"دالي" الأكثر اكتظاظاً بالنازحين، ما يجعل حصولهم على الغذاء والدواء أمراً بالغ الصعوبة. ويقول المتحدث باسم منسقية النازحين واللاجئين، آدم رجال لـ"العربي الجديد": "شيد النازحون خيامهم وأكواخهم في مساحات ضيقة، وبسبب عدم وجود أدوات حماية أو إطفاء تنتشر الحرائق بسرعة، ما يعرض حياة آلاف النازحين لخطر الموت، أو التشرد مرة أخرى رغم الظروف الإنسانية القاسية التي يعانون منها".
ويضيف رجال: "هناك أعداد كبيرة من النازحين الذين يقيمون في العراء، وبعض هؤلاء ممن خسروا أكواخهم في الحرائق، ولم يحصلوا على أية مساعدات بسبب شح الإمكانيات وندرة المواد الغذائية. تزداد أعداد النازحين يومياً، وجميعهم يعانون من الجوع، ويواجهون صعوبات في الحصول على الرعاية الصحية، ولا يتوفر لهم المأوى المناسب ما يفاقم ظروفهم الإنسانية".
بدوره، يصف رئيس السلطة المدنية التابعة لحركة عبد الواحد محمد نور في جبل مرة، مجيب الرحمن الخير، أوضاع النازحين بالمؤسفة نتيجة قلة الخدمات، وعدم توفر المأوى اللازم. ويقول لـ"العربي الجديد": "نحو 30% فقط من النازحين بالمخيمات الواقعة في مناطق سيطرتنا يملكون المأوى، والبقية يعانون من الحر والبرد في العراء، والجميع في حاجة ماسة لتوفير الأغطية والمواد الغذائية ومياه الشرب، فهناك أزمة حادة في مياه الشرب داخل المخيمات".
ويوضح مجيب الرحمن: "يجد النازحون صعوبات في الحصول على المياه لأن عدد الآبار قليل، ولا يمكن أن يكفي لنحو 1.5 مليون نازح، كما أن عدم توفر الخيام للنازحين جعلهم يلجؤون إلى استخدام المواد المحلية في إنشاء أكواخ بسيطة، وهذه المواد لديها قابلية عالية للاحتراق، وتشتعل الحرائق باستمرار في المخيمات، خاصة في الأوقات التي تنشط فيها الرياح".

أخبار ذات صلة.
نجاة ترمب من ثالث استهداف
الشرق الأوسط
منذ 11 دقيقة
الاتحاد التونسي للشغل وعيد العمّال
العربي الجديد
منذ 14 دقيقة
كلمة آل الفقيد
العربي الجديد
منذ 14 دقيقة