أمجد يوسف... المحاسبة لا تنتهي بالاحتجاز
عربي
منذ 11 ساعة
مشاركة
اعتُقل أمجد يوسف في 24 إبريل/ نيسان الجاري في ريف حماة، في عملية نفذتها قوى الأمن الداخلي السوري. وهو المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة حي التضامن جنوبي دمشق عام 2013، وكان مسؤولاً عن العمليات الأمنية في جنوب العاصمة خلال سنوات النزاع. ويعدّ هذا الاعتقال من أبرز الحالات في سورية ما بعد الأسد التي يصبح فيها متهمٌ بارتكاب جريمة جماعية موثقة بأدلة مادية مباشرة في عهدة الدولة. غير أن الاحتجاز، على أهميته، يفتح مساراً نحو المحاسبة ولا يشكّل محاسبة مكتملة بذاته؛ فهو بداية الطريق القضائي، لا نهايته. وقعت المجزرة في 16 إبريل/ نيسان 2013، ونُسب تنفيذها إلى عناصر من الفرع 227، المعروف بفرع المنطقة، التابع لشعبة المخابرات العسكرية. وأظهرت اللقطات المسرّبة التي نشرتها صحيفة الغارديان عام 2022، ضمن تحقيق استقصائي أُعدّ بالتعاون مع باحثين من مركز الهولوكوست والإبادة الجماعية في جامعة أمستردام، عمليات إعدامٍ لمدنيين معصوبي الأعين، أُجبروا على الركض قبل أن يُطلق عليهم الرصاص وتُلقى جثثهم في حفرةٍ أُحرقت لاحقاً. ووثّق ذلك التسجيل إعدام 41 شخصاً، لكنه كان واحداً من 27 تسجيلاً مصوراً لعمليات قتل مماثلة في الموقع نفسه. وتفيد تقديرات الشبكة السورية لحقوق الإنسان بأن حصيلة الضحايا والمفقودين في مجزرة التضامن قد تتجاوز 450 شخصاً. وقد ظهر أمجد يوسف في بعض تلك اللقطات، كما اعترَف في تسجيلات بارتكاب جرائم في حي التضامن. الاحتجاز، على أهميته، يفتح مساراً نحو المحاسبة ولا يشكّل محاسبة مكتملة بذاته؛ فهو بداية الطريق القضائي، لا نهايته ويمثل توثيق الجناة جرائمهم بأنفسهم أحد أكثر أشكال الأدلة مباشرة في القضايا الناشئة عن النزاع السوري. غير أن هذا النوع من الأدلة لا يُغني عن تحقيق قضائي كامل، لكنه يخفّف من عبء الإثبات الذي يحتاج المدّعون العامون في قضايا الجرائم الدولية غالباً إلى سنوات لبنائه من مصادر متفرّقة، تشمل شهادات الناجين، وصور الأقمار الصناعية، والوثائق الأمنية، وسجلات الاحتجاز، والمقاطع المصوّرة غير المكتملة. وتنبع أهمية هذا الاعتقال أيضاً من الموقع العملياتي الذي شغله يوسف داخل بنية الفرع الأمني، فالعناصر من الرتب المتوسطة قد يمتلكون معرفة تفصيلية لا تتوافر بالقدر نفسه لدى القادة الكبار أو المنفذين الأدنى رتبة. وقد تشمل هذه المعرفة هويات ضحايا لم يُوثقوا بعد، ومواقع الحرق والدفن في شارع نسرين والمناطق المحيطة به، وبنية شبكات الابتزاز والاختطاف عند الحواجز، وسلسلة القيادة داخل الفرع 227 ومديرية المخابرات العسكرية على نطاق أوسع. ويحمل السلوك المصوّر دلالات قانونية تتجاوز واقعة القتل نفسها، فالتسجيل المتعمد، ودفع الضحايا إلى حفرة معدّة مسبقاً، وإطلاق النار عليهم تباعاً، ثم إحراق الجثث، كلها مؤشرات على التنظيم والقصد والشعور بالإفلات من العقاب. أما التوصيف القانوني الدقيق فيقتضي ربط هذه الأفعال بالسياق الأوسع، فإثبات أنها ارتُكبت بوصفها جزءاً من هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد سكان مدنيين، مع علم الجناة بذلك الهجوم، يستوفي عناصر الجرائم ضد الإنسانية. كما أن القتل العمد والمعاملة اللاإنسانية لأشخاصٍ محميين يندرجان ضمن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، ويشكّلان جرائم حرب. والأدلة المتوفرة في هذه القضية، ولا سيما التسجيلات المصوّرة واعترافات المتهم وشهادات الناجين، تسمح بالنظر في التوصيفين معاً، لا في أحدهما دون الآخر. عائلات ضحايا التضامن أصحاب حقوق. فما تطلبه هذه العائلات لا يقتصر على احتجاز المتّهم أو معاقبته، بل يشمل معرفة مصائر الضحايا، وتحديد مواقع الرفات، والحصول على شهادات وفاة وتقود هذه القضية إلى مسألة تتجاوز المسؤولية الفردية، فكما يشرح جيمس والر في كتابه Becoming Evil، لا تنتج الأنظمة العنيفة الفظائع عبر الأوامر المباشرة وحدها، بل من خلال بيئاتٍ مؤسّسية واجتماعية تُطبّع القسوة، وتكافئ الطاعة المطلقة، وتُهمّش من يتردّد أو يعترض. ومن هذه الزاوية، لا يبدو أمجد يوسف حالة شاذّة داخل النظام الأسدي، بل أحد نتاجاته. وهذا لا يخفّف من مسؤوليته الجنائية الفردية، بل يؤكد ضرورة محاكمة الفاعل المباشر، والبحث في الهيكل المؤسّسي الذي مكّنه وحماه. كما أن تكرار هذه الأفعال وتنظيمها وارتباطها ببنيةٍ أمنيةٍ واضحة يشكّل قرينة على علم مستويات أعلى في سلسلة القيادة، أو على الأقل على ما كان ينبغي لها أن تعلمه، بما يفتح الباب للنظر في مسؤولية القيادة. وعائلات ضحايا التضامن أصحاب حقوق. فما تطلبه هذه العائلات لا يقتصر على احتجاز المتّهم أو معاقبته، بل يشمل معرفة مصائر الضحايا، وتحديد مواقع الرفات، والحصول على شهادات وفاة، وانتزاع اعترافٍ رسميٍّ بهويات أحبائها ومصائرهم. وتقتضي هذه الحقوق عملية تحقيق موازية تجري في أثناء احتجاز أمجد، وفي إطار ضمانات قانونية، لاستخراج المعلومات المتعلقة بالمقابر الجماعية ومواقع الحرق والدفن، فالمعلومات التي قد يملكها المتهم قد تكون آخر فرصةٍ لكشف مصير ضحايا لم تُعرف مصائرهم بعد. وتزداد أهمية هذا المسار في ما يتعلق بالنساء والفتيات اللواتي اختُطفن عند الحواجز، ولا يزال مصيرهن مجهولاً. فقد لا تظهر كثيرات منهن في قوائم القتلى أو المفقودين، بسبب الخوف من الوصمة الاجتماعية، أو فناء أسر كاملة، أو انهيار السجلات المدنية، أو امتناع العائلات عن الإبلاغ. وهذه فجوة توثيقية في ملفّ حي التضامن، ولا يمكن معالجتها بالوسائل التقليدية وحدها. فهي تتطلب تحقيقات تراعي حساسية النوع الاجتماعي، ومقابلات آمنة وشبه سرية، ومطابقة شهادات الناجين والناجيات الذين أُطلق سراحهم مقابل مبالغ مالية أو عبر وساطات محلية. أمجد يوسف أكثر قيمة حيّاً أمام محكمةٍ مستقلةٍ مما لو أُعدم بإجراءاتٍ موجزة ولهذا السبب، أمجد يوسف أكثر قيمة حيّاً أمام محكمةٍ مستقلةٍ مما لو أُعدم بإجراءاتٍ موجزة، فوجوده في عهدة الدولة ينبغي أن يتحوّل إلى فرصة لكشف الشبكة الأوسع، وتحديد مواقع الجثث، وربط الجرائم بسلسلة القيادة، وتوسيع دائرة المساءلة من المنفذين المباشرين إلى من أمروا وغطّوا ومكّنوا وتستّروا. ويُظهر اعتقال أمجد أن السلطات السورية قادرة على ممارسة نفوذ ميداني في ملاحقة بعض الجناة، لكن قيمته ستُقاس بما يليه: توجيه تهم رسمية، وحفظ الأدلة وفق معايير جنائية دولية، وضمان محاكمة عادلة وعلنية أمام قضاء مستقل، وإشراك الضحايا وعائلاتهم، وحماية الشهود والباحثين، ومنع أي تسوياتٍ سياسيةٍ تؤدّي عملياً إلى إفلات كبار المتورطين من العقاب. خرج أهالي حي التضامن محتفلين بالقبض على المتهم الرئيسي في واحدةٍ من أكثر الجرائم توثيقاً في تاريخ النزاع السوري، وشاركهم سوريون كثيرون، بمن فيهم فلسطينيو سورية، شعوراً بأن المحاسبة باتت ممكنة. غير أن المعنى الفعلي لهذا اليوم لن يكتمل بمجرّد الاعتقال، بل بتحويله إلى مسار قضائي يكشف الحقيقة، ويحفظ حقوق الضحايا، ويفتح الطريق لمحاسبة البنية التي أنتجت الجريمة، لا بالاكتفاء بمعاقبة أحد وجوهها.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية