عربي
بدأ الاجتماع كما تبدأ هذه الاجتماعات عادةً. أوراق ترتّب وشاشات تضاء وأصوات تتداخل قبل أن يستقر الإيقاع. كان في الجو توتر خفيف. ذلك النوع الذي لا يعلن نفسه لكنه يسمع في سرعة الكلام وفي التوقف القصير قبل الرد وفي الطريقة التي توضع بها الأقلام على الطاولة. كنت أعرف هذا المشهد جيداً، بل عشته مرات كثيرة، لدرجة أنني كنت أستطيع أن أتوقع لحظة التعقيد قبل أن تحدث. حين تتشعب الفكرة، ويبطأ النقاش قليلاً، ويبحث الجميع، دون أن يقولوا ذلك، عن صوتٍ يعيد ترتيب ما قيل ويمنحه شكلاً واضحاً.
في تلك اللحظة تحديداً، كنت أنا ذلك الصوت. كان ذلك يحدث بشكل شبه تلقائيّ. أرفع يدي قليلاً لأتحدث. أختصر الطريق وأدفع النقاش إلى الأمام. لم يكن الأمر استعراضاً بقدر ما كان إحساساً داخلياً بالمسؤولية، وربما أيضاً عادة تشكلت مع الوقت حتى أصبحت جزءاً من طريقتي في الحضور وفي ممارسة هذا الدور المركزي. لكن في ذلك اليوم، حين جاءت اللحظة نفسها، حدث شيء مختلف. طرحت الفكرة ثم تفرعت تفاصيلها وبدأت تدور حول نفسها. توقفت الكلمات والعبارات وتحركت الرؤوس مع تبادل النظرات والإيماءات. ظهر ذلك الفراغ القصير الذي ينتظر تدخلاً واضحاً. شعرت بجملة ما تتشكل في رأسي. عرفت ماذا سأقول وكيف سأقوله ومتى الوقت المناسب. كانت الفكرة جاهزةً كما كانت دائماً.
هناك فرقٌ دقيقٌ بين أن تكون قادراً على شيءٍ وأن تكون مطالباً به في كل مرةٍ، وبين أن تسجل حضوراً حياً وأن تدير كل ما يحدث حولك؛ فالحضور الآن بدأ يأخذ شكلاً أهدأ وأكثر اتساعاً
لكنني لم أتكلم.
لم يكن ذلك تردداً ولا عجزاً. كان وعياً خفيفاً بأنني لا أحتاج أن أملأ هذا الفراغ كل مرة. بقيت في مكاني وراقبت ما سيحدث إن لم أتدخل. تقدّم أحد الزملاء، وتكلم. لم يكن دقيقاً ولم يكن مختصراً، لكنه أوصل الفكرة. أضاف زميل آخر، ثم ثالث. النقاش يتحرك من جديد بطريقته الخاصة وبإيقاع أقل إحكاماً ربما، لكنه كاف للوصول إلى محطته. وضعت يدي على الطاولة، شعرت ببرودتها، وسمعت صوت الأوراق وهي تتحرك. نبرة الصوت ترتفع ثم تهدأ. كل شيء حي ويستمر بطاقته الداخلية دون أن أكون مركزه.
واللافت أنني لم أشعر بالانزعاج. مرت لحظةٌ قصيرةٌ فكرت فيها أنني كنت سأقدّم الأمر بشكلٍ أوضح وأدقّ أو أكثر تأثيراً. لكن هذه الفكرة لم تستمر. مرّت بهدوء كأنها لم تعد مهمة. وفي المقابل ظهر إحساس آخر، أخفّ وأوسع. كأن مساحة صغيرة فتحت داخلي. لم أكن مضطراً أن أملأها. لم يكن ذلك انسحاباً، بل انتقالاً غير معلن من موقع إلى آخر. تحول من مركز الإيقاع إلى أحد أطرافه دون أن أفقد صلتي به أو قدرتي على التأثير فيه.
بعد الاجتماع، خرجنا إلى الممر كما نفعل دائماً. أحاديث عابرة وضحكات سريعة وخطوات تمتد نحو المصعد. لم يسألني أحد لماذا لم أتكلم ولم أشعر أن عليّ أن أشرح. وفي الطريق إلى الخارج أدركت أن ما حدث لم يكن موقفاً عابراً بل إشارة واضحة إلى مشهد جديد. لم يكن الأمر أنني لم أستطع أن أكون ذلك الرجل الذي يحتل المركز، بل أنني لم أعد أحتاجه بالطريقة نفسها. ذلك الذي يتقدم المشهد دائماً ليوضّح ويختصر ويضبط الإيقاع. ذلك الرجل كان مناسباً لوقت ما، وربما كان ضرورياً، لكنه لم يعد الخيار الوحيد.
هناك فرق دقيق بين أن تكون قادراً على شيء وأن تكون مطالباً به في كل مرة، وبين أن تسجل حضوراً حياً وأن تدير كل ما يحدث حولك. في مراحل سابقة كان الحضور يعني أن أتكلم، أن أُثبت، أن أكون جزءاً ظاهراً من كل مشهد. أما الآن فقد بدأ الحضور يأخذ شكلاً آخر. شكلاً أهدأ، أقل استعجالاً، وأكثر اتساعاً. يمكنني أن أكون جزءاً من الإيقاع دون أن أقوده، وأن أفهم المشهد دون أن أرتّبه دائماً، وأن أشارك حين يكون ذلك ضرورياً، لا حين يكون متوقعاً. ضبط هادئ ومريح يتيح لي فرصة الإصغاء والتقبل والعبور إلى ما وراء المشهد.
هذا لا يلغي النسخة السابقة مني، ولا يقلل من قيمتها. تلك كانت تعبيراً صادقاً عن مرحلة وعن طاقة وعن حاجة لأن أكون على قمة الهرم في محيطي الآمن. لكن بعض النسخ منا لا تختفي بقدر ما تتراجع خطوة لتترك مساحة لنسخ أخرى أقل صخباً، لكنها ربما أكثر حرية وأكثر هدوءاً. وفي تلك الخطوة الصغيرة إلى الخلف، يتّسع المشهد.