آندراس شيف عائداً إلى المجر... مواطن نصف الكوكب
عربي
منذ ساعة
مشاركة
أعلن عازف البيانو آندراس شيف (András Schiff)، أخيراً، عزمه العودة من منفاه الطوعي إلى بلد المنشأ المجر، على إثر خسارة رجلها القوي لعقدٍ ونصف، فيكتور أوربان، انتخابات رئاسة الحكومة، التي أُجريت في 12 إبريل/نيسان الحالي لصالح مرشّح حزب تيسزا، المعارض بيتر ماغيار. شيف، البالغ من العمر 72 عاماً، الحائز جائزة غرامي الموسيقية المرموقة، المتمرّس في أداء مقطوعات عمالقة الموسيقى الكلاسيكية مثل باخ وموتسارت وبيتهوفن، والمقيم بين عدّة مدن حول العالم، مثل فلورنسا في إيطاليا، وبازل في سويسرا، وكاماكورا في اليابان، لم يزر مسقط رأسه منذ أن حضر جنازة أمّه عام 2011، وذلك انطلاقاً من موقفٍ سياسيٍّ احتجاجيٍّ إزاء النهج السلطوي والزبائنيّ الذي سار عليه رئيس الوزراء المهزوم، بهدف تحويل المجر إلى ما سمّاه "ديمقراطية لاليبرالية"، مُشكّكاً في المنظومة الأوروبية ومنطلقاتها القيمية، ومتوثّباً جهة روسيا والصين. باختياره المنفى الطوعي احتجاجاً على سلطةٍ وعقيدةٍ لا تُمثّلان قيمه وتطلّعاته، إنما يحذو آندراس شيف حذو مواطنه بيلا بارتوك، المؤلّف وعازف البيانو، وأحد أبرز روّاد الحداثة في ميدان الموسيقى الكلاسيكية الغربية، الذي رحل عن بلاده في أعقاب انضوائها ضمن محورٍ فاشيٍّ تقوده ألمانيا النازيّة. هكذا، ورفضاً منه للعيش في ظلّ نظامٍ سلطويٍّ يتبنّى أيديولوجيا العصبيّة القومية، فقد أبحر في المحيط الأطلسي إلى الولايات المتّحدة، حيث رسا على شواطئها، ليُقيم في مدينة نيويورك، ولم يزر أوروبا من بعدها أبداً، إذ لم يكن محظوظاً، مثل شيف، وقد شاءت الأقدار أن يُبتلى باللوكيميا، فلا يتسنّى له أن يعيش طويلاً بما يكفي لكي يشهد الحرب العالمية الثانية وهي تضع أوزارها بانتصار الحلفاء سنة 1945. لم يقف فعل شيف الاحتجاجي عند ما يحدث في بلده المنشأ، بل تجاوز الإطار الوطني إلى العالمي، بمقاطعته تقديم أيّ حفلٍ موسيقي في بلدٍ على سدّة حكمه من يصفهم بأنهم "رجال أقوياء". فهو لم يؤدِّ في أيٍّ من الصالات الأميركية منذ أن فاز دونالد ترامب بفترةٍ رئاسيةٍ ثانية، كما لم يعتلِ أيّاً من المسارح في روسيا في ظلّ رئاسة فلاديمير بوتين منذ أن شنّ جيشها هجوماً واسع النطاق على أوكرانيا سنة 2022. بهذا، إنما يؤكّد الفنان الأوروبي على المنطلقات الإنسانويّة والعالمويّة التي تقوم عليها الأيديولوجيا الليبرالية التنويريّة، من حريةٍ وعدالةٍ ومساواة، واحترامٍ لحقوق الإنسان، وصياغة مفهوم الانتماء ليتّسع، فيشمل كوكب الأرض، ولا ينحصر ليقتصر على الأمة أو العرق، أو أيٍّ من الهويّات الصغرى. لكن، فيما يبدو أن رؤى الفنان الإنسانويّة ومسلك "مواطن الكوكب" هذا، لم يفلحا إلى الآن في أن يستوعبا وضع حقوق الإنسان في أيّ مكانٍ خارج حدود القارة الأوروبية وامتدادها الجيوثقافي جهة الضفّة المقابلة من الأطلسي. لم يصدر عن آندراس شيف أيّ تصريح يُدين إسرائيل في عدوانها على قطاع غزّة على سبيل المثال، لم يصدر عن شيف أيّ تصريح يُدين إسرائيل في هجومها المُدمّر على قطاع غزّة، ما سبّب، إلى الآن، بحسب أرقام المنظمات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة، مقتلَ 73 ألف فلسطيني، وتهجير أكثر من مليون من أهل القطاع، ما بات يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية. وحتى في ضوء العدوان المستمر، ليس على غزّة والضفّة الغربية في الأراضي المحتلة فقط، وإنما على دول الجوار القريب والبعيد، من سورية ولبنان إلى قطر وإيران، لم يجد الفنان، إلى الآن، على حدّ تعبيره، "سبباً لمقاطعة إسرائيل"، بحسب ما أسرّ به للصحافي في مجلة ڤان، جيفري آرلو براون. هذا مع أنه قد أدلى بحديثٍ لصحيفة ذا نيويورك تايمز في مارس/آذار من عام 2025، شرح فيه أن مقاطعته للولايات المتّحدة برئاسة دونالد ترامب، تأتي قلقاً حيال "سياسات الأخير التوسعيّة في كلٍّ من غزّة وغرينلاند". وفي نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، شهد حفلٌ أقامه آندراس شيف برفقة الفيلهارمونية الإسرائيلية في باريس احتجاجاتٍ مناصرة لغزّة، أدّت إلى إيقاف الحفل عدّة مرّات، وانتهت باعتقال الشرطة لأربعةٍ من المحتجّين. خلافاً لميدان الموسيقى الجماهيرية، لم تشهد الموسيقى الكلاسيكية الغربية، وتحديداً من قبل أسمائها اللامعة، مقاطعاتٍ صريحة لإسرائيل على نطاقٍ واسعٍ، ولا حتى إبداءَ مواقف متقدّمةٍ معارضةٍ للحرب على غزّة والأراضي الفلسطينية المحتلة، ما عدا أنباء عن عريضة "لا موسيقى للإبادة" التي وقّعها أكثر من ألف موسيقي بوب، تُفيد بأنها قد شملت بعضاً ممّن يشتغلون بحقل الكلاسيك. لعلّ العازف والمؤلّف جوردي سافال الفنان الأبرز من بين الموسيقيين الكلاسيكيين الـ700 الذين وقّعوا علناً عريضة بلا مقاطعة بعنوان "موسيقى كلاسيكية لأجل فلسطين". فيما يبقى عازف الكمان ميشائيل بارنبويم، إلى الآن، الاستثناء الوحيد، إذ بادر بإعلانه مقاطعته إقامة أيّ حفلٍ موسيقي، أكان داخل إسرائيل أم خارجها، بمشاركة فرقٍ تُمثّلها رسمياً. وإذا ما بقي السجال مفتوحاً من دون حسمٍ منذ التاريخ حول ما إذا كان ينبغي أن تتقاطع الفنون مع السياسة، وهل يجدر بالفنان أن يحيد بنفسه عن صراعات الأمم ومصائر الشعوب ويُخلص للفن وحده، أم أن من واجبه، إنساناً أولاً وفناناً ثانياً، أن يُسخّر كلّاً من أدواته التعبيرية ومكانته الجماهيرية وسلطته الأخلاقية في مواجهة الظلم والانتصار للعدالة في أيّ مكانٍ من الأرض، يبدو أن موقف آندراس شيف المبدئي إزاء "نادي الرجال الأقوياء" إنما يأتي من منظورٍ انتقائيٍّ قاصرٍ عن رؤية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عضواً فيه. بهذا، إنما يضع إرثه الحضاري الذي يدافع عنه، بفكره وفنونه ومنطلقاته القيميّة، ضمن إطارٍ هويّاتيٍّ ضيّق، فلا تعود إنسانويّته وعالمويّته لتتّسع سوى لنصف الكوكب، أو أقل.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية