عربي
يشكو الطلاب من تردي خدمات السكن الجامعي في دمشق رغم بعض التحسينات، ويرى البعض أن نموذج السكن الجامعي الحديث يرتبط بتوفر موازنات كبيرة.
رغم كونه الخيار شبه الوحيد لآلاف الطلاب القادمين من المحافظات السورية، يواجه السكن الجامعي في دمشق انتقادات متزايدة مع اتساع الفجوة بين ما يقدّمه من خدمات وشكاوى الطلاب من انقطاع الكهرباء والمياه وقلّة النظافة وتهالك البنى التحتية، ما يضعهم أمام معادلة صعبة في اختيار التكلفة المقبولة ضمن ظروف إقامة قاسية.
في سكن الدراسات قرب المدينة الجامعية، يختصر الطالب خالد عبد النايف، وهو من دير الزور، تجربته بالقول لـ"العربي الجديد": "الوضع سيئ جداً. تنقطع الكهرباء نحو 7 ساعات وتُمنح ساعة واحدة، وأحياناً تنقطع 15 ساعة مقابل منحها ساعة واحدة فقط. أدفع 140 ألف ليرة (1270 دولاراً) سنوياً بعدما حصلت على حسم بسبب وجود شقيقي في السكن، علماً أن قيمة الرسوم الرسمية هي 240 ألف ليرة (2170 دولاراً)، وهو مبلغ يبقى منخفضاً مقارنة بتكاليف السكن الخارجي، لكنه لا يعكس مستوى الخدمات المقدمة".
وتنقل عايدة الطرابيشي، الطالبة في كلية الهندسة والمتحدرة من محافظة درعا، صورة أكثر بشاعة عن تفاصيل الحياة اليومية داخل بعض الوحدات، وتقول لـ"العربي الجديد": "أصبحت مشكلة النظافة لا تُحتمل. الحمامات مقرفة في كثير من الأحيان، والمصاعد معطلة منذ مدة طويلة". تضيف: "الأسرّة قديمة ومتهالكة لدرجة أنها باتت تشبه التابوت، وغير صالحة للنوم، ما يدفع بعض الطلاب إلى فرش الأرض. حتى المطابخ المشتركة تحوّلت إلى أماكن مليئة بالقاذورات والحشرات، وهي تفتقر إلى أبسط الأمور مثل البرادات وأدوات الطبخ".
وأنشئت المدينة الجامعية في دمشق في ستينيات القرن الماضي، وشكّلت لعقود ملاذاً أساسياً للطلاب القادمين من المحافظات، وساهمت في تخفيف عبء الإيجارات المرتفعة، خصوصاً خلال السنوات الأخيرة، لكن عدم استحداث وحدات سكنية جديدة منذ عام 2011 أدى إلى اكتظاظ واضح، حيث يمكث سبعة أو ثمانية طلاب في بعض الغرف، ما يعكس حجم الضغط على هذه المنشآت. وترافق ذلك مع تراكم الإهمال والترهل وسوء الإدارة في فترات سابقة نتيجة عدم استثمار الموازنات بشكل فعّال في معالجة المشكلات جذرياً. وأوصل ذلك واقع الوحدات السكنية إلى مرحلة مزمنة تحتاج إلى وقت طويل ومبالغ ضخمة تُقدّر بمليارات لإحداث تحسّن ملموس. ورغم تخصيص مبالغ للترميم قبل أكثر من عامين لم تشمل الأعمال البنى التحتية للمرافق الصحية بشكلٍ كافٍ، ما أبقى المشكلات الأساسية على حالها.
ويقول مدير العلاقات العامة في المدينة الجامعية في دمشق سومر الحسيني، لـ"العربي الجديد": "يشهد واقع السكن تحسّناً تدريجياً في عدد من الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء التي باتت تتوفر على مدار 24 ساعة في عدد من الوحدات، مثل الهمك والمزة، إضافة إلى سكن الدراسات الذي رُبط بخط الشيخ سعد، لكن بعض الانقطاعات لا تزال تُسجل في مناطق محددة نتيجة الضغط على الشبكة".
ويؤكد الحسيني أن "المشكلة ليست وليدة اليوم، بل هي نتيجة تراكمات لسنوات طويلة من دون معالجة جذرية، خاصة في ظل الظروف التي مرت بها البلاد، وتحتاج إعادة تأهيل البنى التحتية للسكن إلى موازنات ضخمة فترميم وحدة سكنية واحدة تتطلب نحو 100 مليون ليرة (9000 دولار)، بينما تصل التكلفة الإجمالية لإعادة تأهيل جميع الوحدات إلى نحو 2.5 مليار ليرة (2.2 مليون دولار)، وهو رقم يفوق الإمكانات المتاحة حالياً". يتابع: "هناك تقصير جزئي في بعض جوانب الخدمات، لكن المسؤولية لا تقع على الإدارة وحدها، بل يتحمّل الطلاب جزءاً منها أيضاً، خاصة في ما يتعلق بالحفاظ على النظافة العامة داخل الوحدات والمرافق المشتركة". ويوضح أن "الكثير من المشكلات اليومية، لا سيما في الحمامات والمطابخ، ترتبط بسلوكيات الاستخدام، وليس فقط بضعف الصيانة".
وفي ما يتعلق بالصيانة، يتحدث الحسيني عن أن "الأعمال تُنفذ عبر مناقصات وعقود سنوية منفصلة لكل قطاع، من كهرباء وصحية ونظافة، وتحصل وفق الأولويات، مع التركيز على الأعطال التي تؤثر مباشرة على استمرار الخدمة، والإمكانات الشهرية المرصودة تفرض أن تتعامل الإدارة مع الأعطال في شكل جزئي وليس شاملاً".
وحول القدرة الاستيعابية، يشير الحسيني إلى أن "عدد الطلاب المقيمين بشكل رسمي يناهز 11 ألف، بينما يرتفع العدد الفعلي إلى نحو 13 ألفاً مع وجود ما يُعرف بالسكن المؤقت. وتختلف الغرف في قدرتها الاستيعابية بحسب طبيعة المباني إذ تضم بعضها خمسة طلاب، وأخرى أربعة أو ثلاثة وأيضاً طالبين اثنين". ويعترف بأن "بعض الوحدات لا تزال تعاني من تهالك واضح، مثل الوحدة الأولى التي لم تخضع لترميم منذ عام 2010، وهي مدرجة ضمن خطط التأهيل فور توفر المخصصات المالية المطلوبة".
في المقابل، يشير الحسيني إلى "إعادة تأهيل المكتبة المركزية بالكامل في المدينة الجامعية في دمشق في الفترة الأخيرة، وتوفير إضاءة وتكييف وتجهيزات وافتتاح قاعة مخصصة للدورات المجانية وتعليم اللغات وتنمية المهارات، إلى جانب توفير خدمات نقل مجانية، سواء عبر حافلات أسبوعية إلى كراجات العباسيين أو سيارات مخصصة لنقل أمتعة الطلاب داخل المدينة. كما أنشئت مرافق رياضية جديدة، مثل الملاعب والساحات المفتوحة، وأعيد تأهيل الحدائق كي تكون متنفساً للطلاب. وهذه الخطوات جاءت ضمن محاولة تحسين البيئة العامة رغم الموارد المحدودة".
وفي شأن الرسوم، يؤكد الحسيني أن "لا خطط حالياً لرفع أسعار السكن النظامي التي تبلغ نحو 240 ألف ليرة سنوياً، وهي منخفضة مقارنة بتكاليف السكن الخارجي التي قد تصل إلى أكثر من مليون ليرة شهرياً في بعض المناطق". ويشير إلى أن "إطلاق تجربة السكن الخاص (VIP) يهدف إلى تأمين موارد إضافية لدعم أعمال الصيانة. وهذه الأجنحة تقتصر حالياً على جناحين مخصصين للإناث يضمان نحو 16 غرفة، مع خدمات أفضل وكثافة أقل، مقابل رسوم أعلى. وستستخدم عائدات هذه التجربة في ترميم مزيد من الوحدات السكنية".
في سياق متصل، يردّ الحسيني على الانتقادات المتعلقة بتنفيذ مشاريع جديدة، مثل بناء مسجد ومرافق خدماتية، مقابل المطالبة بترميم الوحدات المتهالكة، ويؤكد أن "هذه المشاريع مموّلة بالكامل من تبرعات خارجية، ولم تُصرف عليها أي أموال من موازنة المدينة الجامعية. وقد عملت الإدارة على توسيع نطاق الفائدة من هذه التبرعات لتشمل إنشاء مجمعات صحية وقاعات للأنشطة".
ويختم بالقول: "يبقى الوصول إلى نموذج سكن جامعي حديث يضمن غرفة مستقلة لكل طالب وبنية تحتية متكاملة هدفاً مستقبلياً يرتبط بتوفر موازنات كبيرة، والمرحلة الحالية تتطلب تكاتف الجهود بين الإدارة والطلاب، خاصة في ما يتعلق بترشيد استهلاك الكهرباء والمياه، للحفاظ على استمرارية الخدمات وتحسينها ضمن الإمكانات المتاحة".
