عربي
شارك ملايين الأميركيين في مظاهرات بعدة ولايات على مدار الأسابيع الماضية احتجاجاً على شن الرئيس دونالد ترامب حرباً ضد إيران. بعض المتظاهرين يعارض فكرة الحرب، وآخرون يرفضون السلوك العدواني من دولة كبرى تجاه نظام استبدادي سيكون الخاسر فيها الغالبية من الناس المحكومة بالحديد والنار ممن تسقط القنابل والصواريخ فوق رؤوسهم.
من المتظاهرين من يرى أن هذه الحرب لا تمثله، وإنما استعرت من أجل مشروع صهيوني متطرف يعمل لحساب رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي تدعمه عصابة مسيحية متطرفة في البيت الأبيض بقيادة ترامب تستهدف إشعال "حرب مقدسة" لتدمير العالم، أملاً في عودة "المسيح المخلص".
اللافت أن كل هؤلاء الغاضبين تجمعهم -مع عشرات الملايين غيرهم- مخاوف تأثير استمرار الحرب من زيادة أسعار غالون البنزين الذي ارتفع بنسب راوحت بين 23.5% و40% في بعض المناطق منذ اندلاع الحرب في الخليج.
البنزين في الولايات المتحدة ليس مجرد سلعة تُقاس بسعر الغالون، بل مؤشر سياسي يختبر صلابة القرار الحكومي في مواجهة الأغلبية الساحقة من شعب أصبح يكافح لتدبير تكلفة الانتقال والعيش والتعليم والصحة وسط موجات تضخم وصعوبات يومية عديدة.
يكشف استطلاع أجراه مركز "بيو" الأميركي للأبحاث (PEW) بعد ستة أسابيع فقط من اندلاع الحرب مع إيران، أن 69% من الأميركيين قلقون بشدة من ارتفاع الأسعار، فيما يعبر 64% عن تراجع ثقتهم في قرارات ترامب. نتائج الاستطلاع ليست مجرد أرقام؛ إنها إنذار سياسي مبكر، وفق النظام الأميركي، حيث يبدأ تآكل الشرعية للحكومات من مضخة الوقود.
في واشنطن لا تُقاس كفاءة السلطة فقط بما تحققه في ساحات القتال، بل بقدرتها على احتواء ارتدادات الحرب داخل الاقتصاد بالوطن. فكل زيادة في سعر البنزين تُقرأ كأنها ضريبة غير معلنة على المواطن، وكل ضريبة كهذه تفتح باب المساءلة من الناخب الذي يرى العلاقة واضحة حول أي قرار في الخارج وانعكاس فاتورة التكاليف على الداخل. حين نعبر من واشنطن المطلة على المحيط الأطلسي ونتجه إلى الشرق الأوسط حيث القاهرة، تتغير القصة، ليس في الوقائع الاقتصادية فقط، بل في كيفية ترجمتها سياسياً.
في مصر، لم يعد ارتفاع أسعار الوقود احتمالاً أو سيناريو مؤجلاً، بل واقع حدث بنسبة متوسطها 19% رسمياً، منتصف مارس/آذار الماضي، ومن المنتظر أن يتجدد بوتيرة متسارعة، في خطوة لم تتوقف آثارها عند حدود محطات الوقود، بل تسللت سريعاً إلى كل تفاصيل الحياة اليومية، حيث قفزت أسعار معظم السلع والنقل والمنتجات الصناعية والزراعية بنحو 20%، لتضيف طبقة جديدة من الضغوط إلى اقتصاد مثقل أصلاً بالتضخم.
هذه الزيادة ليست معزولة عن سياق أزمة اقتصادية مستمرة منذ سنوات، بل حلقة ضمن مسار ممتد لرفع الدعم، غير أن توقيتها يجعلها أكثر قسوة حيث تأتي في ظل عملة أضعف، وواردات أغلى، واعتماد أكبر على الخارج لتأمين المحروقات لشعب تعداده 107 ملايين نسمة. تظهر بيانات أخيرة لمنظمة الطاقة الدولية أن السولار، عصب النقل والإنتاج في الولايات المتحدة ومصر وغيرهما، قفز عالمياً خلال الأسابيع الماضية إلى ما بين 1000 و1160 دولاراً للطن، وهو ما يفسر كيف تتحول أي زيادة محلية إلى موجة تضخمية شاملة.
المشكلة هنا ليست في سعر الوقود بحد ذاته، بل في أثره المضاعف. فكل جنيه إضافي يُدفع عند مضخة محطات الوقود، يُعاد دفعه مرات عبر تضخم أسعار الغذاء والنقل والخدمات في سلسلة تكلفة لا تتوقف.
وراء هذا المشهد تقف معادلة مالية قاسية على المستهلكين الذين تحشرهم الحرب والسياسات الحكومية بين تكلفة إنتاج الكهرباء التي تبلغ حالياً في مصر، نحو 12 سنتاً للكيلووات/ساعة، بينما تباع للمستهلك بنحو 4.5 سنتات فقط وفق تقديرات حكومية، حيث الفجوة هائلة، وتقترب فاتورة الدعم من تريليون جنيه لقطاعي البترول والكهرباء. من وجهة نظر الحكومة، يبدو القرار واضحاً حيث لا يمكن استمرار هذا النزيف، لكن من زاوية المواطن، تبدو الصورة مختلفة لأنه يتلقى مباشرة عبء الاختلالات الذي يصب في جيب محدود القدرة على التحمل.
تظل الصدمة في الولايات المتحدة -رغم حدتها- قابلة للاحتواء نسبياً، بفضل مستويات دخل أعلى وشبكات أمان اجتماعي أوسع، أما في مصر، فإن الزيادة نفسها تتحول إلى عبء مضاعف، لأنها تضرب اقتصاداً يعمل بالفعل عند حدود طاقته الضيقة ومستويات دخل متدنية. لا تأتي الأسعار المرتفعة في مصر فوق أرضية مستقرة، بل فوق أرضية مهتزة، الفارق ليس في حجم الزيادة فقط، التي تتكرر ويتوقع المزيد منها، بل في قدرة المجتمع على امتصاصها.
المشكلة أن جزءاً من الأزمة في مصر لا يعود فقط إلى السوق العالمية المدفوعة بسخونة العمليات العسكرية وتطورات الحرب في الخليج، بل إلى اختلالات مالية وهيكلية داخلية مزمنة حيث الاعتماد المفرط على الديون المحلية والأجنبية ودعم واردات إنتاج وشراء السولار والنفط والغاز لتوليد 84% من الكهرباء وفاقد في الشبكات يصل إلى 20%، مع نمو في الطلب بنحو 20% كل خمس سنوات، من دون توسع موازٍ، بمعدلات التوليد والتوزيع ومشروعات طاقة بعيدة عن مراكز الاستهلاك. هذه ليست تفاصيل فنية، بل عوامل تصنع هشاشة هيكلية فمع كل صدمة خارجية، تتضخم آثارها داخلياً.
يظهر الفرق الجوهري بين الدولتين، عندما تتحول الصدمة الاقتصادية في الولايات المتحدة إلى ضغط سياسي مباشر، والتي يرصدها استطلاع رأي واحد قادر على إعادة تشكيل حسابات السلطة، مثل الذي نشره مركز "بيو" للأبحاث، لأن هناك مساراً واضحاً حيث الرأي العام القادر على إعلاء صوته عبر إعلام متعدد الأطياف وعبر انتخابات حرة ونزيهة تأتي ببرلمانات قادرة على المحاسبة. في مصر، تتوقف السلسلة عند منتصف الطريق، فالضغط الاقتصادي موجود، وربما أشد وطئاً مما يقع على المواطن الأميركي، لكنه لا يجد القنوات نفسها للتحول إلى تأثير سياسي مكافئ.
فالبرلمان يدور في فلك السلطة، والإعلام مدار رسمياً ومحدود الهامش، والقيود على التعبير، تجعل من الغضب حالة صامتة أكثر منه قوة ضاغطة. لذا تمرر أخطاء السياسات الاقتصادية بلا كلفة فورية وتظهر النتيجة بمفارقة لافتة، ففي واشنطن، قد يهدد سعر البنزين مستقبل ترامب وحزبه الذي شن الحرب ويدعم استمرارها. في القاهرة، قد ترتفع الأسعار مرات متتالية من دون أن تواجه السلطة الخطر السياسي نفسه، ليس لأن التأثير أقل، بل لأن مسار المحاسبة مختلف.
تكشف أزمة الوقود في البلدين حقيقة أبعد من الطاقة والأسعار، فهي مرآة لعلاقة السلطة بالمجتمع. في الولايات المتحدة، السعر رسالة سياسية فورية، بينما في مصر يظل عبئاً معيشياً يتراكم على المواطنين بصمت، وبينما يخشى صانع القرار الأميركي من رد فعل الناخب، يتحرك نظيره المصري في مساحة أوسع من الأمان، حتى لو كان ذلك على حساب تآكل القدرة الشرائية للأسر. في النهاية، لا تكمن المسألة في كم يدفع المواطن… بل في قدرته على أن يسأل: لماذا يدفع؟ ومن يُحاسَب؟
