عربي
مع الانتقال إلى هدنة الأيّام العشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، يُصبح من الضروري فهم حقيقة ما حصل بموجب هذا الاتفاق. في البدء، تتوجّب العودة إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية لعام 2022، بين لبنان وإسرائيل. الاتفاق الذي وضع ركائزه رئيس المجلس النيابي نبيه برّي مع الموفد الأميركي حينذاك عاموس هوكشتاين، أفضى إلى خسارة لبنان (لا تنازله عن) 1430 كيلومتراً مربّعاً، بفعل اعتماد الخط 23 ترسيماً للحدود مع إسرائيل لا الخطّ 29. المغزى هنا أنّ الاتفاق البحري الذي مثّل اعترافاً لبنانياً بـ"دولة إسرائيل"، ولو بصورة غير مباشرة، بموافقة برّي وحزب الله، فاعلَين أساسيَّين في الجنوب اللبناني، قبل أن يكونا لاعبَين في الساحة السياسية، أصبح معياراً لأيّ توافق أو اتفاق بين الجانبَين. عليه، فإنّ الهدنة التي أُعلنت مساء الخميس الماضي، نصّت على ستة بنود تضمّنت احتمال تمديد الهدنة في حال "إحراز تقدّم ملموس في المفاوضات" المباشرة بين بيروت وتل أبيب، وأيضاً "تحتفظ إسرائيل بحقّها في اتخاذ التدابير كافّة اللازمة للدفاع عن النفس... ضدّ أيّ هجمات مُخطط لها أو وشيكة أو جارية. ولن يحول وقف الأعمال العدائية دون ممارسة هذا الحقّ. وفضلاً عن ذلك، لن تقوم بأيّ عمليات عسكرية هجومية ضدّ أهداف لبنانية، بما في ذلك الأهداف المدنية والعسكرية وغيرها من أهداف الدولة"، وفق البند الثالث من الهدنة.
يُعيد هذا البند بالذات اللبنانيين إلى اتفاق وقف النار الذي أُقرّ في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، إذ استمرّت إسرائيل بعده بالاعتداء على لبنان، وتنفيذ الاغتيالات حتى الثاني من مارس/ آذار الماضي، حين أطلق حزب الله ستّة صواريخ باتجاه الأراضي المحتلة، "ثأراً لاغتيال المرشد علي خامنئي"، وفق أدبياته، ما أعاد إشعال الجبهة اللبنانية. في هذا البند، سمحت إسرائيل لنفسها، وبضمانة أميركية، بمواصلة ما كانت تفعله. كذلك، فإنّ البند الرابع من الاتفاق سيفتح باباً واسعاً للضغط الداخلي، إذ نصّ على أنّه بدءاً من 16 إبريل/ نيسان الحالي "وبدعم دولي، ستتخذ الحكومة اللبنانية خطوات ملموسة لمنع حزب الله وجميع المجموعات المسلّحة المارقة الأخرى غير التابعة للدولة داخل الأراضي اللبنانية من تنفيذ أيّ هجمات أو عمليات أو أنشطة عدائية ضدّ أهداف إسرائيلية". وقد يكون هذا البند من الأخطر على الصعيد الداخلي، لأنّه يحمل بوادر صدام أمني. على سبيل الافتراض، إذا قرّر الحزب الردّ على اغتيال ما أو على اعتداء نفذّته إسرائيل، وطُلب من الدولة اللبنانية القيام بـ"خطوات ملموسة" و"بدعم دولي"، فهل يُمكن تخيّل ما الذي قد يحصل؟ عادةً في مثل تلك السيناريوهات، من الواجب وضع سيناريوهات مختلفة، وفهم ما يُمكن تطبيقه وما لا يُمكن تنفيذه. ومن الطبيعي أنّ مسألة "خلوّ جنوب الليطاني من سلاح حزب الله"، في تقارير الجيش اللبناني، لم تكن ناجحةً، وفقاً لتقييم الطرف الأميركي، راعي الهدنة الحالية.
ضمن الافتراضات أيضاً، هل سيتعامل الجيش اللبناني مع حزب الله، أو غيره من المجموعات، كما تعامل سابقاً، أم أنّه سينتقل إلى مستوى تعاطٍ مختلف؟ وأيُّ نتيجة ستنجم عن ذلك: تعاون حزب الله الكامل وصولاً إلى تسليم سلاحه، أم الصدام الذي لن يكون مشكلةً أمنيةً فحسب، بل قد يهدّد جوهر مركزية الدولة اللبنانية بحدّ ذاته؟ من الطبيعي أنّ مثل هذه الحالة تستدعي مقاربةً مختلفةً من السلطات اللبنانية، وكذلك من الحزب، لأنّ مفهوم تمرير الوقت و"المسايرة" انتهى. البديل منه مزيدٌ من الدمار والحروب، واحتلال جاثم في أجزاء واسعة من جنوب الليطاني. الأكثر أهميةً هنا أيضاً، أنّ البند السادس من الهدنة تطرّق إلى "إبرام اتفاق شامل يضمن الأمن والاستقرار والسلام الدائم بين البلدَين". لمن يقرأ نصّ الاتفاق، معطوفاً على تمسّك حزب الله بدور إيراني في التوصّل إليه، يجدر به حقّاً فهم الفارق بين النصر والهزيمة. والاعتراف بذلك أقصر السبل إلى التصالح مع الذات والمجتمع.
