النرويج تواجه "فخ الديزل" بسبب حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
بسبب التصعيد العسكري في المنطقة وتزايد المخاوف من اضطرابات في مضيق هرمز، بدأت النرويج إعادة تقييم جاهزيتها الطاقية تحسباً لاحتمال نقص في إمدادات الوقود، رغم كونها من كبار منتجي النفط والغاز. وتأتي هذه الخطوة في ظل تحذيرات دولية متصاعدة من انعكاسات محتملة على أسواق الطاقة العالمية، ما يعيد تسليط الضوء على ما يصفه بعض الخبراء بـ"فخ الديزل"، أي اعتماد دول نفطية على استيراد الوقود المكرر، خصوصاً الديزل ووقود الطائرات، مع محدودية قدرات التكرير والتخزين. وفي هذا السياق، تتحرك أوسلو لإعادة تقييم منظومة أمن الطاقة لديها، وسط تحذيرات حكومية وخبراء من سيناريوهات نقص محتمل في الوقود، ولا سيما في المشتقات المكررة التي تعتمد فيها البلاد على الاستيراد رغم مكانتها منتجاً رئيسياً للطاقة. في السياق، وصف رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره الوضع بأنه خطير، لكنه تحت السيطرة، مؤكداً أن بلاده لا تواجه حالياً نقصاً في الوقود، إلا أن ذلك لا يضمن استمرار الاستقرار في ظل التقلبات الجيوسياسية المتسارعة. وقال، في تصريحات لهيئة الإذاعة النرويجية (NRK) اليوم الجمعة، إن الحكومة لا ترى حاجة فورية إلى تخزين طارئ إضافي، لكنها تتابع التطورات أسبوعاً بعد أسبوع، مع احتمال تفعيل إجراءات مرنة تشمل خطط استجابة وطنية وإعادة توجيه استخدام الوقود وفق الأولويات. وتتحرك أوسلو ضمن مقاربة تدريجية لإدارة المخاطر عبر سيناريوهات متعددة، تشمل مطالبة المؤسسات والأفراد بوضع خطط طوارئ، مع إمكانية تقليص الاستهلاك وتشجيع العمل من المنزل عند الضرورة، بما يضمن توجيه الإمدادات إلى القطاعات الحيوية مثل الصحة والدفاع وسلاسل الغذاء. وبالتوازي، تراجع الحكومة نظام التخزين الاستراتيجي، الذي يغطي حالياً نحو 20 يوماً فقط من الاستهلاك، وهو مستوى يُعد غير كافٍ في بيئة مضطربة، مع بحث رفعه تدريجياً إلى نحو 90 يوماً وفق المعايير الأوروبية. كما يجري تطوير آليات لتحديد أولويات توزيع الوقود في حالات الطوارئ، لضمان استمرارية الخدمات الأساسية وتفادي أي اضطراب اقتصادي أو لوجستي. "فجوة في الإمدادات" رغم وفرة الإنتاج رغم مكانتها دولةً مصدّرةً للطاقة، تواجه النرويج إشكالية هيكلية في أمن الوقود الداخلي، إذ تعتمد بشكل كبير على واردات الديزل ووقود الطائرات، في وقت لا يغطي فيه المخزون الاستراتيجي سوى فترة قصيرة نسبياً. وحذر "معهد البحوث الدفاعية" النرويجي (FFI) في مارس/آذار الماضي من "فجوة خطيرة" بين المخزونات الحالية واحتياجات البلاد في حالات الأزمات، خصوصاً في ظل تقلص قدرات التكرير المحلية وإغلاق عدد من المصافي، ما أدى إلى زيادة هشاشة منظومة الإمداد. وتتركز المخاوف الدولية على مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما بين 17 و21 مليون برميل من النفط يومياً، أي نحو خمس الاستهلاك العالمي. وحذر رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، من أن أي تعطيل طويل الأمد لهذا الممر قد يقود إلى أزمة طاقة غير مسبوقة، مشيراً إلى أن إعادة الإنتاج إلى مستوياته الطبيعية قبل الحرب قد تستغرق ما يصل إلى عامين. كما لفت إلى احتمال ظهور نقص في وقود الطائرات في أوروبا، في حال استمرار الاضطرابات في الإمدادات. وقال، في مقابلة مع صحيفة "نويه تسورشر تسايتونغ"، إن التوترات في الخليج بدأت بالفعل تُحدث اختلالات في الأسواق العالمية، مع تراجع بعض الشحنات المتجهة إلى آسيا وارتفاع الضغوط على سلاسل الإمداد. أوروبا بين كلفة الأسعار وحدود التدخل دفع ارتفاع أسعار النفط والديزل عدداً من الحكومات الأوروبية إلى اتخاذ إجراءات مؤقتة، بينها خفض الضرائب على الوقود، كما في النرويج والسويد، بهدف تخفيف الضغط على المستهلكين. غير أن هذه السياسات تواجه انتقادات من مؤسسات مالية دولية، بينها صندوق النقد الدولي، الذي يحذر من أن التدخل السعري أو دعم أسعار الوقود، رغم تأثيره التخفيفي على المدى القصير، يؤدي إلى تشوهات في آليات السوق ويضعف كفاءة تخصيص الموارد. ويرى الصندوق أن هذه الإجراءات غالباً ما تفشل في استهداف الفئات الأكثر حاجة بدقة، وتؤدي إلى أعباء مالية إضافية على الموازنات العامة، ما يقلل قدرة الدول على امتصاص الصدمات المستقبلية المرتبطة بأزمات الطاقة. داخلياً، تتصاعد الدعوات السياسية في النرويج إلى إعادة بناء منظومة التخزين الاستراتيجي، مع مقترحات برفع المخزون إلى 90 يوماً على الأقل، تماشياً مع دول الشمال الأوروبي. وحذر اتحاد الصناعات النرويجية (NHO) من أن أي انقطاع في إمدادات الوقود ستكون له تداعيات مباشرة على الاقتصاد والدفاع والخدمات الحيوية، بما في ذلك المستشفيات وسلاسل الإمداد. وقال رئيس الاتحاد، أولي إريك ألمليد، إن المسألة لم تعد اقتصادية فحسب، بل تحولت إلى "قضية أمن وطني"، مشدداً على ضرورة تعزيز قدرات التخزين وتطوير البنية التحتية للطاقة. وتُبرز الأزمة الحالية مفارقة أساسية في النموذج النرويجي: دولة منتجة للطاقة، لكنها تعتمد في جزء حساس من احتياجاتها على الخارج، خصوصاً في مجال الوقود المكرر. ويحذر بعض الخبراء من هذا الوضع، الذي يُعرف بـ"فخ الديزل"، أي الاعتماد على استيراد المشتقات رغم وفرة النفط الخام، حيث لا ينعكس فائض الإنتاج النفطي مباشرة على أمن الإمدادات الداخلية، في ظل محدودية قدرات التكرير والتخزين. وفي ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية، يتجه النقاش داخل النرويج، كما في أوروبا عموماً، نحو إعادة تعريف مفهوم أمن الطاقة، من مجرد إنتاج النفط إلى القدرة على الصمود في حال انقطاعه أو تعطله. وبين تحذيرات وكالة الطاقة الدولية، وضغوط الأسواق، وتزايد المخاطر الجيوسياسية في المنطقة، يبدو أن أزمة مضيق هرمز أعادت ملف الطاقة إلى قلب الأمن الاقتصادي العالمي. وفي هذا السياق، تجد النرويج نفسها أمام اختبار مزدوج: الاستفادة من كونها دولة منتجة للطاقة، وفي الوقت نفسه مواجهة هشاشة في منظومة الوقود المكرر. ومع تزايد احتمالات الاضطراب، لم يعد السؤال المطروح في أوسلو أو العواصم الأوروبية: كم ننتج من النفط؟ بل: كم يمكن أن نصمد إذا انقطع تدفقه؟

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية