علي العائد إلى الجنوب
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
لا يهمّ كثيراً كيف وُقّع وقف إطلاق النار في لبنان، ولا يهمّ من فاوَض من، ومن قدّم تنازلاته بصمت، ومن خرج ليُعلن نصراً أو يبرّر خسارة. لا يهمّ إن بقي الاحتلال في نقاطه جنوباً، أو إن ردّت المقاومة، أو إن تبدّلت خرائط السيطرة على الورق. كلّ ذلك، على أهميته السياسية، يبدو بعيداً، بعيداً جدّاً عن المشهد الحقيقي. المشهد يبدأ من مكان آخر، من صوت أعرفه جيّداً، من صديقي علي، الذي لا يسأل عن تفاصيل الاتفاق، لا يفتح نشرات الأخبار ليفهم ما جرى. وعلي، ببساطة، يحزم حقائبه. وفي اللحظة التي يُعلن فيها وقف إطلاق النار، لا يفكّر إلّا بشيء واحد: كيف يعود. ليس عودة شاعرية، ولا عودة مؤجّلة، بل عودة فورية، شبه غريزية، كأنّها ردّة فعل جسد يعرف طريقه إلى البيت، حتّى لو كان البيت مُهدّماً. أحدّثه عن بيان الجيش: "ضرورة التريّث"، أذكّره بما قاله رئيس مجلس النواب نبيه بري: "عدم المغادرة الآن". أحاول أن أزرع في صوته لحظة شك، لحظة انتظار، لحظة خوف.  لكنه يردّ عليّ، كما لو أنّني أتحدّث بلغةٍ لا يفهمها: "ذهبت عند أخي، أخذت منه الـ(رابيد)… بدنا ننقل الأغراض ونرجع". أقاطعه. أرفع صوتي قليلاً، كأنّني أريد أن أوقظه من حلمه: "إسرائيل قصفت صيدا". يصمت لثانية، أو ربّما لا يصمت، ثم يكمل، بنفس النبرة، بنفس اليقين: "ننطلق فجراً… منكون جاهزين، منحمّل أغراضنا"، كأنّ القصف خبر عابر، كأنّ الحرب، بكلّ ثقلها، لا تكفي لتأجيل العودة يوماً واحداً. كأنّ القصف خبر عابر، كأن الحرب، بكلّ ثقلها، لا تكفي لتأجيل العودة يوماً واحداً  عليّ لا يسمعني. أُدرك ذلك متأخّرة. لا يسمعني، كما لا يسمع كثيرون غيري من أهل الجنوب. كأنّ بيننا وبينهم مسافة لا تُقاس بالكيلومترات، بل بالإحساس المُختلف بالخطر. نحن نرى الخطر حاضراً، وهم يرونه قدراً، نحن نحسبه بالأخبار، وهم يحسبونه بالإيمان. علي يُخطّط للغد. يُخبرني أنّ الأشجار في أرضه "تجمّعت حولها الأعشاب"، ويجب تنظيفها. يقول إنّ "الجلّ مليء بالفواكه"، وإنّ الفول الأخضر حان قطافه. يتحدّث عن الأرض كما لو أنّها تنتظره، كما لو أنّها لم تُقصف، لم تُحرق، لم تُترك وحيدةً تحت السماء المفتوحة.  أستمع إليه، وأفكّر: هل يمكن للإنسان أن يتجاهل الخطر إلى هذا الحد؟ أم أنّ ما يفعله علي ليس تجاهلاً، بل شكل آخر من أشكال المقاومة؟ ربما نحن من لا يفهم. ربما العودة، بالنسبة له، ليست خياراً، بل ضرورة، ضرورة تشبه التنفّس، ضرورة تشبه أن تفتح نافذة في بيت مغلق منذ زمن، فقط لتتأكّد أنّه لا يزال لك. وعلي ما زال يؤمن أنّ بيته له، وأرضه له، والسماء له، والهواء له. يؤمن أنّ العودة مُمكنة، وأنّ الأرض لا تخون أصحابها، حتى لو خانها العالم. الأرض لا تخون أصحابها، حتى لو خانها العالم أحاول أن أجادله، لكنّني أتوقّف، لأنني أعرف أنّ الجدال، في هذه اللحظة، لا معنى له. نحن، كما قال محمود درويش، "مصابون بداء الأمل". لكن ربّما العبارة، هنا، تحتاج إلى تعديل صغير؛ نحن "مصابون بداء إسرائيل". وأنت يا "إسرائيل" داء وموت أينما حللت. تغدرين، تقتلين، تدمّرين، تُبيدين… ولكننا نبقى متمسّكين بالأمل. ليس الأمل الكبير، ولا الأمل النظيف، بل أملٌ عنيد، مُرهِق، لا يرحم، أملٌ يدفع علي لأن يعود، حتى قبل أن يجفّ دخان القصف، أملٌ يجعله يخطّط لقطاف الفول، فيما الطائرات لم تغادر السماء بعد. أفكّر بعلي، وهو ينطلق فجراً. أراه في مخيّلتي، يقود بسرعة، كأنّ الطريق إذا طال قد يُغلق فجأة. أراه يصل، يفتح باب البيت، يتفقّد الجدران، يلمس الأرض، ينادي على شيءٍ ما، لا يسمعه أحد سواه. لا أعرف كيف سيعود، ولا أعرف متى سيُهجَّر مُجدّداً، ولا أعرف إن كانت هذه العودة ستدوم يوماً، أو أسبوعاً، أو أقل. لكنّني أعرف شيئاً واحداً: علي سيعود. يعودون، ليس لأنّهم لا يخافون، بل لأنهم، ببساطة، لا يستطيعون أن يعيشوا بعيداً عن أرضهم سيعود، حتى لو قُصف المكان مرّة أخرى. سيعود، حتى لو قالوا له انتظر. سيعود، لأنّ العودة، بالنسبة له، ليست نهاية الحرب، بل طريقٌ وحيد للحياة. في النهاية، لا تُختصر الحروب بالبيانات، ولا تقاس بالخرائط، ولا تُحسم بمن ربح ومن خسر، بل تُفهم من علي، ذلك الرجل الذي لا يسمع الأخبار، لكنه يسمع أرضه، لا يقرأ التحليلات، لكنه يقرأ مواسمه، لا ينتظر الأمان، بل يصنعه، ولو كان مؤقّتاً، ولو كان هشّاً.  وحين يُعلن وقف إطلاق النار، تبدأ الحكاية الحقيقية، حكاية الذين يعودون قبل أن تنتهي الحرب فعلاً، الذين يحملون حقائبهم، وأحلامهم، وخوفهم… ويعودون، ليس لأنهم لا يخافون، بل لأنّهم، ببساطة، لا يستطيعون أن يعيشوا بعيداً عن أرضهم. وعلي… واحدٌ من هؤلاء.  

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية