عربي
بينما سارع عدد من نازحي القرى والبلدات الجنوبية في لبنان إلى العودة لتفقد أراضيهم ومنازلهم وسط فرحة عارمة، فور دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، فضّل آخرون التريث ريثما يتّضح الواقع الأمني.
دخلت الهدنة التي أعلن عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في لبنان لمدة عشرة أيام حيّز التنفيذ، عند منتصف ليل الخميس- الجمعة بتوقيت بيروت. وبين لهفة العودة والخوف والتردد، بدأ النازحون اللبنانيون من جنوبي البلاد يتهيأون للعودة إلى بلداتهم وقراهم التي نزحوا عنها بعد تجدد العدوان الإسرائيلي على لبنان في 2 مارس/آذار الماضي. وكانت قيادة الجيش اللبناني قد دعت المواطنين إلى التريّث في العودة إلى القرى والبلدات الجنوبية، والالتزام بتوجيهات الوحدات العسكرية المنتشرة، حفاظاً على سلامتهم، ولا سيّما خلال ساعات الليل، وتجنّب الاقتراب من المناطق الخطرة.
بعد سريان وقف إطلاق النار، وجّه المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي أفيخاي أدرعي رسالة عاجلة إلى سكان جنوبي لبنان، أكد فيها أن الجيش الإسرائيلي يواصل تمركزه بمواقعه "في مواجهة النشاطات الإرهابية المستمرة لحزب الله"، بحسب مزاعمه، داعياً السكان إلى عدم الانتقال إلى جنوب الليطاني حتى إشعار آخر.
يتابع علي ضاهر، وهو النازح من بلدة كفررمان (جنوبي لبنان) إلى منطقة حارة صيدا جنوبي بيروت، منذ ليل أمس قرار وقف إطلاق النار، ويقول لـ"العربي الجديد": "تريّثتُ في العودة إلى البلدة حتى أرى إلى أين ستؤول الأمور، خصوصاً أننا منذ نحو عشرة أيام، ومع الإعلان الأول لوقف إطلاق النار في إيران، توجّهنا إلى بلدتنا لكننا فوجئنا بأن القرار غير سارٍ، ونحن اليوم أمام اتفاق وقف إطلاق نار لمدة وجيزة، لذلك قرّرتُ عدم العودة في الوقت الراهن، كي لا أعرّض عائلتي للخطر".
أما النازحة من بلدة الشعيتية في قضاء صور (جنوب) ليلى مسلماني، فتعرب لـ"العربي الجديد" عن فرحتها الكبيرة بوقف إطلاق النار، وتقول: "سأعود إلى أرضي، إلى بلدتي، إلى بيوتنا وأماكننا، فهناك كرامتنا". وعن المدة الموقّتة لوقف إطلاق النار، توضح أنّها لم تنمْ طيلة الليل، وتضيف: "كنتُ أنتظر بفارغ الصبر عودتي إلى بلدتي، حتى لو كان وقفاً موقتاً لإطلاق النار. جمعتُ أغراضي، وضّبتها مع أفراد أسرتي الخمسة، وضعتها في السيارة، بانتظار أن نسمع أخباراً سارّة تُشجّعنا على العودة، ومن بينها فتح الطريق".
وتتابع مسلماني: "منذ الضربة الأولى التي تعرّضت لها بلدتنا، خرجنا من بيوتنا، لكنّني اليوم ممتنّة للعودة، وكلنا أمل في أن يستمر الهدوء والاستقرار لأكثر من عشرة أيام. قرّرنا أن نغادر مكان نزوحنا في المدرسة الكويتية بمدينة صيدا (المدخل الجنوبي للعاصمة)، عند الرابعة فجراً، متمسكين بإرادة الحياة والصمود. سنعود إلى منزلنا، وفي حال وجدناه متضرّراً، سننام أمام مدخله، ولن نتركه مهما حصل".
بدوره، يُبدي النازح جمال بشير من بلدة العباسية (جنوب) خشيته من العودة في هذه المرحلة، ويقول لـ"العربي الجديد": "أتحمّل مسؤولية أولادي الخمسة بالكامل في ظل هذه الظروف الصعبة. منذ ساعات الصباح، يستعدّ النازحون في المدرسة الكويتية بصيدا إلى العودة، لكنّني قرّرتُ التريّث قليلاً وعدم التسرّع، رغم فرحتنا العارمة بوقف إطلاق النار، وبقرب العودة إلى بيوتنا". ويضيف: "بعد انتظار طويل لأكثر من 40 يوماً وسط القلق والترقّب، أعتقد أنّ التروّي أفضل من الخروج بشكل مفاجئ وغير منظّم، لذلك سأنتظر قليلاً قبل اتخاذ القرار النهائي بالعودة، علّ الصورة تتّضح أكثر".
ويتابع بشير: "في النهاية، هذا بيتنا الذي عشنا فيه، وهذه حياتنا التي لا يمكن أن نتركها بسهولة. التعلّق بالمكان ليس أمراً بسيطاً، فهو يحمل ذكرياتنا وتعب السنين، ومع ذلك، ندرك أن السلامة أهم من كل شيء. وفي حال حصل أي طارئ، لن نتردّد في النزوح مرة ثانية حفاظاً على أرواحنا وأرواح أولادنا، وما يطمئننا جزئياً هو وجود مدارس وأماكن إيواء يمكن اللجوء إليها. لكن المطلوب في هذه اللحظة التحلّي بالهدوء من أجل اتخاذ قرار أكثر حكمة. الأهم بالنسبة إلينا هو أن نغادر بأمان، وأن نحافظ على أملنا بالعودة إلى بيوتنا في أقرب وقت ممكن، عندما تستقر الأوضاع وتعود الحياة إلى طبيعتها".
تتمسك زينب مسلماني بالأمل رغم الدمار الكبير الذي تعرضت له قرى الجنوب وبلداته، وهي النازحة من بلدة مجدل زون (جنوب) إلى المدرسة الكويتية في صيدا، وتقول لـ"العربي الجديد": "نأمل في أن نتمكن من العودة إلى بيوتنا وإلى الأرض التي دفعنا ثمنها غالياً، سواء بالدم أو الوجع والقهر، ومهما حاول الإنسان أن يعبّر عمّا في داخله، تبقى الكلمات عاجزة عن وصف ما نشعر به، لأن الألم أكبر من الكلام". وتضيف: "حتى لو خسرنا الكثير، لكننا اليوم نشعر بفرح كبير، بفرح العودة إلى بلداتنا وقرانا، ونعمل على ترتيب أمورنا. كنا ننتظر هذه اللحظة الحاسمة، لحظة العودة، حتى لو كانت طريقنا خطرة، إيماناً منّا بأنّ أيّ شيء قد يحصل هو في سبيل الدفاع عن الوطن والأرض". زينب الأم لطفلتين، تختم بالقول: "ننتظر إشارةً للتحرك والانطلاق فوراً نحو بلدتنا، في حال فُتح الطريق من عناصر الجيش اللبناني أو صدرت أي تعليمات بالعودة، ونأمل في أن نعود إلى بيوتنا بسلام وأن تستقر الأوضاع في أقرب وقت ممكن".
أما الحاجة أم علي النازحة من بلدة القصيبة في قضاء النبطية (جنوب)، فتشعر بحزنٍ وقهرٍ كبيرين على الشهداء والخسائر الجسيمة، وتؤكد لـ"العربي الجديد" أنّها تعيش حالة قلق وتوتر، فبعد أن أعدّتْ نفسها للعودة إلى بلدتها، سمعت بأنّ بعض العائدين تعرضوا للقصف فور وصولهم، واستشهدوا، وفق قولها. وتضيف أم علي المقيمة حالياً في ثانوية الدكتور نزيه البزري الرسمية في صيدا: "الطريق مفتوح وآمن نسبياً، لكننا نخشى التعرض لأي استهداف محتمل كما حصل مع غيرنا. وفي كل الأحوال، سنترقب مدة الأيام العشرة لوقف إطلاق النار، وننتظر ريثما تتبيّن الأمور بشكل أفضل، عندها سندرك إن كانت ستستقر الأوضاع أم لا". وإذ تشدد على توقها للعودة إلى منزلها، تقول: "لا نعلم إن كان منزلنا ما زال موجوداً أم لا بعد كل ما حصل. نعيش حالة من القلق والترقّب، بانتظار بلوغ اللحظة التي نطمئن فيها على بيوتنا وأهلنا ونتمكن من التحرك بأمان".
