لماذا نريد الديمقراطية؟
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
كان الهتاف الأول في ثورة السوريين قبل خمسة عشر عاماً هو هتاف الحرية، إنه حلمنا بحياة حرة وكريمة. ذلك أننا عشنا طويلاً ومديداً في ظل السيطرة المطلقة للحكومات والأنظمة والقيادات المستبدة التي منعتنا من أن نعيش عيشاً طيباً وإنسانياً. جربنا العسكري فلم ينجز لنا غير القمع، والسجون، والهزائم أمام إسرائيل، وجربنا الحزب القومي، فجر الويلات على البلاد من الهزائم العسكرية، إلى الخراب الاقتصادي والاجتماعي، والقيمي، والتعليمي، ونجرب اليوم المتدين الشيخ فلا يظهر لنا غير المجازر، والسلوك السياسي والاقتصادي العشوائي، بل العبثي. واللافت أنه بينما كان نظام الأسدين يتغزل بالديمقراطية، ويدعي تبنيها، ويمارس أكثر أشكال الاستبداد قسوة، نرى نظام الشرع يرفضها علناً، ويصورها على أنها أفعال تجميل لا قيمة لها في الشريعة والحياة.   لا يقتصر الأمر على سورية وحدها، ففي العالم كله يبدو الانقسام واضحاً بين أنصار الديمقراطية، وبين أعدائها، ومن المؤكد أن البشرية كلها كانت تخوض هذه المعركة منذ بداية التجمع البشري، حتى اليوم، بين من يريد أن يحكم، ويستبد، وبين من يريد الحرية، والكرامة. في العالم كله، يبدو الانقسام واضحاً بين أنصار الديمقراطية وأعدائها وإذا كان المفكرون في العالم الغربي يتحدثون عن "كراهية الديمقراطية"، أو "نهاية الديمقراطية" أو "موت الديمقراطية"؛ وهي من الكتب التي كتبها مفكرون غربيون، وترجمت إلى العربية، فإن هذه العناوين الخادعة لا تعني أن الكاتب يدعو إلى ذلك، بل هو يحذر، وينذر، من الوصول بالتجربة الأقدم والأجمل في التاريخ إلى عيش البشر في سلام وأمن وطمأنينة وكرامة وحرية، من أن تتحطم وتنتهي. وحتى في الزمن الذي تأسس فيه النظام الديمقراطي الأول، كان هناك من يكرهه. لأنهم اعتبروا أن لا حق للشعب، وهم من يسمونهم الدهماء، بأن يختار أي طريقة من طرق العيش، وأن الحاكم، أو السلطة وحدها هي التي تقرر المصائر، وأشكال الحياة، أو أن هناك إرادة إلهية هي التي تختار الحاكم، ولهذا تمنع الديمقراطية، ويجرم أصحابها ودعاتها. المفكر الأهم الذي لم يناصر الديمقراطية، بسبب أحلامه الرومانسية، هو كارل ماركس، فالرجل اعتقد أن لديه مفاتيح لحل مشكلات البشرية بصورة أكثر عدالة من هذا الشكل السياسي الذي توصل إليه من سبقوه، وقد اعتقد أن النظام الاشتراكي سيقدم الحل، وسوف تزدهر حال البشرية، وترتقي، وينال الجميع حريتهم وثمار جهدهم ضمن أطر العدالة في التوزيع، مرشحاً القوة البشرية التي تعمل وتجهد في إنتاج الخيرات لقيادة مجتمعاتها إلى هذا البر الآمن. الحقيقة هي أن هذا لم يحدث، وأن مرشحيه لحكم البلاد وقيادتها لم يصلوا إلى هذا الكرسي أبداً. لم تصل الطبقة العاملة لحكم أي بلد، كي نجرب وصفة كارل ماركس. ولهذا ضاعت نظريته بين أقدام من تكلموا باسم نظريته. نريد الديمقراطية كي نعيش بكرامة، كي نكتب عن الحرية والنزاهة والصدق من دون قيود، نريدها كي نفكر بشكل أفضل، نريد الديمقراطية كي نربي أولادنا على احترام الذات والآخر، نريد الديمقراطية كي نعيش حياتنا وفق ما نؤمن به من المبادئ التي تحترم خياراتنا الشخصية، وتدافع عن خيارات الآخرين، نريد الديمقراطية لحرية المشاعر والأكل والشراب واللباس والتعبير والصحافة والدين. * روائي سوري

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية