عربي
في مشهدٍ صادم يلخّص قسوة الظروف التي تدفع العمّال الفلسطينيين إلى المجازفة بحياتهم، أظهر مقطع فيديو انتشر على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في 13 إبريل الجاري، عشرات العمّال وهم يخرجون من شاحنة خُصّصت لنقل النفايات عند أحد الحواجز الإسرائيلية، بعدما تكدّسوا داخلها في ظروف غير إنسانية كادت تودي بحياة بعضهم اختناقاً، ما يظهر حجم المعاناة التي يعاني منها العمّال الفلسطينيون للوصول إلى أعمالهم في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948.
وجاءت هذه المحاولة في سياق سعي العمّال للوصول إلى بلدات الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948 بحثاً عن لقمة العيش، بعدما أغراهم سمسار من بلدة كفر قاسم بالداخل بوعود نقلٍ آمن. وتعكس هذه الحادثة تحوّلاً حاداً في واقع العمالة الفلسطينية؛ فبعدما كان العمّال يعبرون إلى أماكن عملهم في الداخل من الحواجز الإسرائيلية بتصاريح رسمية، قبل أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، باتوا اليوم يلجؤون إلى وسائل خطرة بحثاً عن أي فرصة عمل، في ظروف قد تصل إلى حدّ الموت، مع انسداد الأفق الاقتصادي وتفاقم الأزمات المعيشية.
وفي رواية أحد العمّال الذين كانوا داخل الشاحنة، وفضّل عدم الكشف عن هويته خشية الملاحقة الإسرائيلية، تتكشّف تفاصيل الرحلة التي بدأت مساء الاثنين الماضي، من بلدة بيت فوريك شرق نابلس، برفقة نحو ثمانية عمّال من البلدة ذاتها باتجاه المدينة، قبل أن يستقلّوا مركبة أخرى نحو بلدة قصرة جنوب المدينة. وهناك، كانت بانتظارهم شاحنة مموّهة على هيئة مركبة لجمع النفايات، خُصّصت لنقلهم إلى بلدات الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948 عبر حاجز "حوتسيه شمرون" المقام غرب سلفيت.
ويشير العامل لـ "العربي الجديد"، إلى أنّ الرحلة لم تبدأ بهذا الشكل؛ إذ كانوا في البداية ضمن حافلة تقلّ نحو 25 عاملاً من مناطق مختلفة في محافظة نابلس، قبل أن يفاجأوا لدى وصولهم بوجود ثلاث حافلات أخرى، جميع ركّابها بانتظار تحميلهم في الشاحنة ذاتها. ويوضح أنّ الشاحنة تنقّلت بين عدة مناطق في محيط نابلس، لتجمع مزيداً من العمّال، حتى تجاوز عددهم داخلها 70 شخصاً، في ظروف شديدة القسوة، كانوا قد تجمّعوا من مختلف مناطق الضفة.
ويؤكد أنّ ضيق الوقت حال دون التفكير أو التراجع عن الركوب في الشاحنة، ما اضطرّهم للصعود رغم خطورة الوضع، لافتاً إلى أنّ التكدّس داخل الشاحنة أدّى إلى حالات اختناق بين العمّال نتيجة الازدحام الشديد، معظمهم من نابلس، إلى جانب آخرين من محافظات مختلفة، ويقول العامل: "لو لم نتوقف على الحاجز، لفقد أحد العمّال حياته اختناقاً".
وبحسب إفادته، دفع كل عامل مبالغ متفاوتة للسمسار الذي تولّى عملية النقل، بحدّ أدنى بلغ ألف شيكل (نحو 320 دولاراً)، مقابل وعود بنقل "آمن" لا يتجاوز 40 دقيقة، غير أنّ الرحلة انتهت بتوقيفهم عند الحاجز واعتقالهم، حيث تعرّضوا للضرب والإهانة. ويصف العامل أسلوب التعامل خلال الاعتقال بأنّه "مهين"، مشيراً إلى أنّ أحد جنود الاحتلال على الحاجز تعامل مع عملية الاعتقال "وكأنها مناسبة احتفالية، حيث قال الجندي لنا إن تلك اللحظة تصادف ذكرى ميلاده، وبدأ بالضرب المبرح على جميع المعتقلين، وشارك جنود آخرون في الاعتداء اللفظي والجسدي، عبر توجيه شتائم قاسية ومسيئة للعمّال".
ويربط العامل لجوءه إلى هذه المخاطرة بتدهور أوضاعه المعيشية منذ نحو عامين ونصف، عقب فقدانه عمله داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة 1948 في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر 2023، موضحاً أنّه يعمل في قطاع البناء، إلا أنّ شحّ فرص العمل وارتفاع معدلات البطالة دفعاه إلى البحث عن العمل في الداخل. ويؤكد أنّه متزوّج ويعيل طفلين، ولا يملك خياراً سوى المخاطرة لتأمين احتياجات أسرته، في ظل غياب أي دعم رسمي، مشيراً إلى أنّ وزارة العمل واتحاد نقابات العمّال لم يتواصلا معهم أو يقدّما أي مساندة خلال الفترة الماضية.
ويكشف أنّ السمسار جمع من العمّال ما لا يقل عن 73 ألف شيكل (ما لا يقل عن 24 ألف دولار) مقابل عملية النقل، موضحاً أنّ عددًا من العمّال تعرّض للاعتقال، خصوصاً من سبق احتجازهم على خلفية محاولات دخول سابقة، فيما أُجبر آخرون على توقيع تعهّدات بعدم تكرار المحاولة.
وفي سياق تعقيبه على الحادثة، يصف عضو الدائرة الإعلامية في الاتحاد العام لنقابات عمّال فلسطين، سعيد عمران، المشهد لـ "العربي الجديد"، بأنّه "كان مؤلماً للغاية"، لافتاً إلى أنّ الاتحاد تابع التفاصيل ميدانياً، ويحاول التواصل مع العمّال الذين كانوا داخل الشاحنة، حيث إنّ بعضهم تعرّض للاعتقال، وآخرين ونُقلوا إلى المستشفيات لتلقي العلاج. ويبيّن أنّ العمّال ينحدرون من مناطق عدة، بينها مدينة دورا في الخليل، ومحافظة نابلس، إضافة إلى قلقيلية وطولكرم.
وعن مصير العمّال الذين جرى اعتقالهم، يوضح عمران أنّ العامل المعتقل يلجأ إمّا إلى محامٍ خاص أو تتابع قضيّته مؤسسات الأسرى، أو يُحال مباشرة إلى المحكمة ويتم إصدار حكم بحقّه، مبيناً أنّ الأحكام تتراوح عادة بين أربعة وستة أشهر في حال عدم وجود "ملف أمني" على العامل، وقد تزيد المدة والغرامات في حال وجود قضية مسبقة على العامل، أو أن تكون حادثة اعتقاله ليست الأولى، مشيراً إلى أنّ عدد حالات الاعتقال بحقّ العمّال منذ بداية حرب الإبادة على غزة، بلغ نحو 38 ألفًا.
ويضع عمران الحادثة في سياق أوسع مرتبط بتداعيات أحداث السابع من أكتوبر 2023، موضحاً أنّ عدد العاطلين عن العمل في السوق الفلسطيني بلغ نحو 550 ألفاً، بينهم حوالي 250 ألف عامل كانوا يعملون في الداخل، برواتب شهرية إجمالية قُدّرت بنحو مليار و350 مليون شيكل.
ويؤكد عمران أنّ هؤلاء العمّال، عقب عودتهم القسرية إلى الضفة الغربية، لم يجدوا بدائل عمل، وتعطّلوا بشكل مفاجئ، ما دفعهم على مدار عامين إلى استنزاف مدخراتهم وبيع ممتلكاتهم، قبل أن يثقلوا بالديون والشيكات وتصدر بحقّهم أوامر السجن، الأمر الذي أجبرهم على المخاطرة بحياتهم بحثاً عن لقمة العيش.
ويشير عمران إلى أنّ ما لا يقلّ عن 50 عاملاً استشهدوا خلال محاولات الوصول إلى أماكن العمل في الداخل، فيما سُجّلت 38 ألف حالة اعتقال منذ ذلك التاريخ. ويطالب الحكومة الفلسطينية بإعفاء العمّال من تكاليف التأمين الصحي وأوامر الحبس، نظراً لظروفهم الصعبة.
وعلى صعيد الحلول، يشير عمران إلى أنّهم ناشدوا جهات عدة في الجهات الرسمية والخاصّة إيجاد فرص تشغيل للعمّال، غير أنّ الاعتماد المتزايد على الاستيراد يشكّل عائقاً كبيراً، داعياً الحكومة الفلسطينية إلى اتخاذ قرارات جدّية لتشغيل المصانع الفلسطينية وتوفير فرص عمل تغني العمّال عن التوجه للداخل.
ويبيّن عمران أن حكومة الاحتلال لا ترغب في تشغيل العمّال الفلسطينيين، مستشهداً بتصريحات وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير حول نيته إنشاء سجن للعمّال الفلسطينيين. ويشير إلى أنّ المشاريع التشغيلية التي أُطلقت منذ عامين لم تغطِّ سوى نحو 5% من الأيدي العاملة، معتبراً أن ذلك يعود لغياب نظام الضمان الاجتماعي، وأن خسائر العمّال بلغت نحو عشرة مليارات دولار منذ عامين ونصف.
