"فيتو" صيني "ليس ضدّ الخليج"
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
بعد انتهاء الحروب بتوقّف القتال، تبدأ مرحلة أكثر خطورةً يُعاد فيها تشكيل التحالفات والتصوّرات الاستراتيجية. قبل اندلاع الحرب على إيران، حذّرت دول الخليج من أنّ أيّ مواجهة مع طهران ستضرّ بأمنها ومصالحها الاقتصادية، إلا أنّ واشنطن تجاهلت هذا، وانخرطت في مواجهة مباشرة لصالح إسرائيل. اليوم، تسعى واشنطن إلى إيجاد حالة من الاستقطاب الإقليمي، عبر اختزال "فيتو" الصين أخيراً في مجلس الأمن وتصويره عداءً موجّهاً ضدّ دول الخليج العربية، مقدّمةً نفسها طرفاً "يقف إلى جانب شعوب الخليج في هذه اللحظة الحاسمة"، ومصوّرةً بكين وموسكو قوىً منحازةً إلى نظام "يسعى إلى ترهيب دول الخليج وإخضاعها"، كما قالت، ولكن، في وقتٍ لا يعكس هذا الموقف واقعَ الحال بين الخليج والولايات المتحدة، فهو أيضاً لا يعكس واقعاً آخرَ يُظهر تفوّق العلاقات الصينية – الخليجية، من حيث الاستقرار، على صلات بكين بطهران. صوّتت الصين ضدّ مشروع القرار البحريني الخاصّ بمضيق هرمز، مبرّرةً موقفها بأنّه يتجاهل "الأسباب الجذرية للصراع"، ومؤكّدة رفضها استخدام مجلس الأمن غطاءً لشرعنة العمل العسكري. ويندرج هذا الموقف ضمن مقاربة صينية أوسع تسعى إلى تحقيق استقرار إقليمي يخدم بالأساس مصالحها الاقتصادية، ويتقاطع مع المخاوف الأمنية لدول الخليج وإيران معاً. وفي هذا السياق، أكّدت الصين أنّ "هذه الحرب ما كان ينبغي لها أن تحدث أبداً"، وهو موقف يتقاطع مع التحذيرات الخليجية السابقة من مخاطر التصعيد، وأرفقته بدعوة صريحة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل لوقف ما وصفتها "الأعمال العسكرية غير القانونية". والأكثر أهمية أنّ الاعتراض الصيني شمل أيضاً آلية استخدام القوة العسكرية، إذ تضمّن القرار إجازتها "لأغراض دفاعية"، وهو ما رفضته بكين بشكل واضح، مؤكّدةً أنّ "إجراءات مجلس الأمن ينبغي أن تهدف إلى تهدئة الوضع، لا أنّ توفّر غطاءً قانونياً لعمليات عسكرية غير مصرّح بها، كما يجب ألا تمنح ترخيصاً باستخدام القوة". لم تلجأ بكين إلى استخدام حقّ النقض بشكل مطلق في ما يتعلّق بأمن الخليج، بل سبق أن امتنعت عن التصويت على قرار يدين الهجمات الإيرانية، وهو ما أتاح تمريره من دون عرقلة وبذلك، يعكس الموقف الصيني رفضاً لتوسيع التصعيد في منطقة ترى دول الخليج نفسها الأكثر عرضة لتداعياته. إذ لم تلجأ بكين إلى استخدام حقّ النقض بشكل مطلق في ما يتعلّق بأمن الخليج، بل سبق أن امتنعت عن التصويت على قرار يدين الهجمات الإيرانية، وهو ما أتاح تمريره من دون عرقلة، في مراعاة واضحة للمصالح الخليجية. في هذا السياق، تبدو محاولات تصوير "فيتو" الصين عداءً موجّهاً ضدّ دول الخليج جزءاً من مسار أوسع لإعادة إنتاج الاستقطاب في مرحلة ما بعد الحرب، وهي المرحلة الأكثر حساسية، إذ يُعاد تقييم التوازنات، وتُفتح ملفّات لم تُطرح سابقاً في مقدّمها أمن الخليج. برز الخليج العربي خلال العقدَين الماضيَين شريكاً أكثر استقراراً وربحية للصين مقارنةً بإيران؛ إذ قيّدت العقوبات الغربية قدرة بكين على تعميق تكاملها الاقتصادي مع طهران، بينما وفّر الخليج بدائل استراتيجية قوية. وتستند الجاذبية الخليجية لبكين إلى تلاقي المصالح الحيوية، أبرزها موقع جغرافي، وتناغم مؤسّسي بين المشاريع التنموية الكبرى مثل رؤية السعودية 2030، ومبادرة الحزام والطريق، وأمن الطاقة، والاستقرار الأمني النسبي. أمّا العلاقة الصينية – الإيرانية فبقيت تترنّح بين الموقف المشترك حول رفض الهيمنة الأميركية والتقييد بفعل العقوبات الغربية، أكثر من أنّها شراكة بنيوية متكاملة؛ ولم ترقَ إلى مستوى الشريك الشامل الذي تمثّله نسبياً كلّ من الرياض وأبو ظبي. فضّلت الصين توجيه رأس مالها نحو الخليج العربي، مقدمةً الأمن الاقتصادي على الاصطفاف السياسي عند مقارنة الثلاثي الخليجي (السعودية والإمارات وقطر) بإيران، تتصدّر العلاقة السعودية - الصينية المشهد بوصفها أضخم شراكة استراتيجية، متجاوزةً نمط مبادلة النفط فقط إلى اندماج مؤسّسي بين رؤية 2030 ومبادرة الحزام والطريق. وبحلول عام 2025، ثبّتت الصين مكانتها أكبرَ مصدّر للاستثمارات الأجنبية المباشرة المتدفّقة إلى السعودية، فسجّلت تدفّقات استثمارية سنوية بلغت 8.2 مليارات دولار (ما يعادل 31 مليار ريال سعودي)، محققةً زيادةً بنسبة 29% مقارنةً بعام 2023. كما استمرّ التبادل التجاري السنوي في تحطيم الأرقام القياسية بتجاوزه 107 مليارات دولار للعام الثاني على التوالي، مع ميل الميزان التجاري لصالح السعودية بفائض قدره 7.4 مليارات دولار. وعلى صعيد بيئة الأعمال، تعمل في السعودية اليوم أكثر من ألف شركة صينية من بينها ما يزيد على 35 شركة عملاقة نقلت مقارّها الإقليمية إلى الرياض، بينما تنشط نحو 400 شركة سعودية داخل السوق الصينية. ومن الناحية الهيكلية للتجارة، تستحوذ الصين حالياً على 20% من إجمالي صادرات السعودية إلى العالم، بينما تورّد إلى السعودية 27% من إجمالي وارداتها السلعية، ما يجعل بكين الشريك التجاري الأول للرياض بلا منازع. وفي الإمارات، تتبلور علاقة فريدة تضع الدولة أكبرَ شريك تجاري غير نفطي للصين في المنطقة، وبوابة رئيسة (Hub) تمرّ عبر موانئها نسبة 60% من التجارة الصينية المتجهة إلى الشرق الأوسط وأفريقيا. وقد حقّق التبادل غير النفطي طفرةً تاريخية بلغت 90 مليار دولار في 2024، مع نمو بنسبة 15.6% في النصف الأول من 2025، ما يضع البلدَين في مسار لتجاوز مستهدف 100 مليار دولار قبل نهاية 2026. ويتجسّد هذا الثقل باستضافة الإمارات أكبر تجمّع للشركات الصينية بواقع 15 ألف شركة مسجّلة. وتجاوز التعاون الأطر التقليدية إلى "الثورة النقدية" عبر مشروع (mBridge) للعملات الرقمية، الذي انضمّ إليه البنك المركزي السعودي في يونيو/ حزيران 2024، ليوفّر بديلاً تقنياً لنظام سويفت فيسمح بتسويات فورية وأقلّ تكلفة، وأكثر استقلالية عن العملات الوسيطة التقليدية، وخاصّة الدولار. أمّا قطر، فتشير بيانات 2025 إلى تحوّل الصين إلى الشريك الأول بحصّة بلغت 18% من إجمالي الصادرات، مع اعتماد متبادل عميق يتجلّى في تدفّقات الغاز والنفط للصين بقيمة تجاوزت 1.3 مليار دولار في ديسمبر/ كانون الأول 2025، في مقابل قفزة 72% في الواردات القطرية من التقنيات والسيارات الصينية. ويتجذّر هذا الانخراط عبر 265 شركة ومكتب تمثيلي صيني، نجحت من خلالها بكين في تحويل الدوحة إلى مركز إقليمي مستقرّ ومستدام. كان الفيتو الصيني ضدّ مشروع القرار البحريني في مجلس الأمن مدفوعاً بمصالح الصين لا بعدائها لشركائها الخليجيين في المقابل، تعكس الأرقام الإيرانية تراجعاً حادّاً تفرضه العقوبات الدولية؛ إذ انخفضت التجارة الرسمية بنسبة 24% لتستقرّ عند 9.09 مليارات دولار في الأشهر الأحد عشرة الأولى من 2025، وهو رقم يتضاءل أمام ذروة 2014 البالغة 45 مليار دولار. وحتى مع احتساب التجارة غير الرسمية المقدرة بـ41.2 مليار دولار، يظلّ الإجمالي الإيراني دون 40% من حجم تجارة الصين مع السعودية أو الإمارات. وتكشف المفارقة الاستثمارية بوضوح عن حجم الفجوة؛ فبينما تضخّ الصين المليارات في الخليج، لم تتجاوز استثماراتها في إيران 185 مليون دولار عام 2023، مع انهيار الصادرات الصينية لطهران بنسبة 57% في نوفمبر وحده، وانسحاب كبرى الشركات (مثل "سينوبك") تجنّباً للمخاطر الأميركية. إنّ انخفاض حصّة إيران في تجارة الصين الخارجية إلى 0.02% عام 2024، يؤكّد أنّ بكين لم تترك هذه الساحة لقلّة الاهتمام، بل ضمن إعادة معايرة استراتيجية؛ إذ فضّلت توجيه رأس مالها نحو الخليج العربي، مقدمةً الأمن الاقتصادي على الاصطفاف السياسي. إذاً لماذا "فيتو" الصين؟... امتناع الصين عن التصويت على المشروع البحريني الأول، في مقابل استخدام "الفيتو" ضدّ القرار الثاني، لم يكن سلوكاً مدفوعاً بعداء للخليج؛ فلو كانت بكين تتبنى رواية طهران بالكامل، لكانت صوّتت ضدّ القرار الأول. وتكمن الدوافع الحقيقية لـ"الفيتو" الثاني في تجاوز التبرير الرسمي المتعلّق بـ"الأسباب الجذريّة"، فهذا التفسير يبدو غير مكتمل ويتناقض تماماً مع محتوى "المبادرة الصينية الباكستانية" التي أصدرتها بكين أخيراً، وتجنّبت فيها أصلاً تسمية أطراف الصراع أو والأسباب الجذرية. ولذلك، كان "الفيتو" مدفوعاً أكثر باعتبارات تتعلّق بمصالح الصين الاقتصادية وموقعها الإقليمي في مرحلة ما بعد الحرب. فخلال الحرب، حصلت بكين من طهران على مزايا حيوية شملت ضمانات أمنية للشحن الصيني عبر المضيق، واستمرارية تدفّقات النفط، ومناقشات إيرانية حول استخدام اليوان في التجارة الدولية العابرة لهرمز. يمكن أن تحفّز هذه التطوّرات الرغبات الصينية لدور أقوى في إدارة المضيق مستقبلاً، وهو ما يفسّر استخدام الفيتو لأيّ قرار يكرّس السيطرة الغربية عليه تحت غطاء أممي، مؤكّدةً بذلك أنّها تتحرّك وفقاً لمصلحتها المباشرة في هذا السياق المحدّد، وليس بمنطق العداء لشركائها في الخليج.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية