عربي
رفعت إسبانيا وارداتها من الغاز الروسي إلى أعلى مستوى شهري في تاريخها، في خطوة تعكس بوضوح تغلّب حسابات السوق والطاقة على الاعتبارات السياسية. وبحسب بيانات شركة Enagás، الجهة المسؤولة عن إدارة النظام الغازي في إسبانيا، بلغت الكميات المستوردة خلال شهر مارس/آذار الماضي نحو 9,807 جيغاواط/ساعة، رغم استمرار الحرب في أوكرانيا والعقوبات الأوروبية المفروضة على موسكو، ما يضع مدريد، ومعها الاتحاد الأوروبي، أمام مفارقة صارخة بين الخطاب السياسي والواقع الاقتصادي.
ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن الاضطرابات التي تشهدها سوق الطاقة العالمية، خاصة بعد التصعيد العسكري في الشرق الأوسط الذي أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار الغاز واضطراب الإمدادات. ففي غضون أسابيع، تضاعفت الأسعار تقريباً قبل أن تعود إلى مستويات أقل، لكنها بقيت مرتفعة نسبياً، ما دفع المستوردين إلى البحث عن خيارات أرخص وأكثر استقراراً. وفي هذا السياق، عاد الغاز الروسي ليبرز خياراً تنافسياً مستفيداً من تراجع عدد المشترين بسبب العقوبات، وهو ما دفع موسكو إلى تقديم أسعار أكثر جذباً لتصريف إنتاجها. كما ساهمت التوترات في منطقة الخليج، خاصة في مضيق هرمز، في تقليص صادرات بعض الدول المنتجة، ما زاد الضغط على الأسواق الأوروبية.
غير أن خصوصية الحالة الإسبانية تكمن في دورها محوراً لتخزين الغاز وإعادة توزيعه داخل أوروبا. فبفضل بنيتها التحتية المتطورة، لا يقتصر دورها على الاستهلاك، بل يشمل أيضاً استقبال كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال وإعادة توجيهها لاحقاً، ما يجعل ارتفاع الواردات مرتبطاً جزئياً بوظيفة لوجستية أوسع. وفي الوقت نفسه، ارتفع الطلب الداخلي على الغاز، خصوصاً في قطاع توليد الكهرباء، حيث زاد الاعتماد على محطات الدورة المركبة بشكل كبير لتفادي أي اضطرابات في الشبكة الكهربائية. وقد انعكس ذلك في زيادة استهلاك الغاز لهذا الغرض بنسب لافتة خلال مارس/آذار.
كما لعب عامل الزمن دوراً حاسماً، إذ سارعت الشركات إلى تكثيف مشترياتها قبل دخول قيود أوروبية جديدة حيز التنفيذ، تحظر استيراد الغاز الروسي عبر السوق الفورية. ويعكس هذا السلوك محاولة استباقية لتأمين الإمدادات قبل تشديد الخناق على هذا المصدر.
في المقابل، تواصل إسبانيا جهودها لتنويع مصادرها عبر تعزيز وارداتها من الجزائر وزيادة الاعتماد على الغاز الأميركي. إلا أن هذه البدائل لا تزال تواجه تحديات تتعلق بالكلفة والاستقرار، ما يبقي الغاز الروسي حاضراً في المعادلة، ولو بشكل مؤقت. وحتى الآن، لم تتحول هذه التطورات إلى أزمة داخلية حادة، لكن آثارها بدأت تظهر في ارتفاع الأسعار، خاصة في قطاع الطاقة، وهو ما دفع الحكومة إلى اتخاذ إجراءات ضريبية لتخفيف الضغط على المستهلكين.
