عربي
تعكس بيانات الشحن تبايناً في مشهد الملاحة داخل مضيق هرمز في اليوم الأول من الحصار الأميركي، إذ بدت الحركة شبه طبيعية رغم إعلان الجيش الأميركي منع أي سفينة من تجاوزه وإعادة ست سفن إلى موانئ إيرانية. فيما أكّدت السلطات الإيرانية، اليوم الأربعاء، أن نشاط الموانئ الواقعة في جنوب البلاد على الخليج وبحر عُمان ما زال متواصلاً، مشيرة في الوقت نفسه إلى الاعتماد على موانئ الشمال على بحر قزوين لتلبية الاحتياجات الأساسية. وقال مستشار اتحاد النقل واللوجستيات في إيران، يحيى ضيائي مهرجردي، لوكالة "مهر" الإيرانية المحافظة، إن "القدرة التشغيلية للموانئ الشمالية كافية لتلبية احتياجات البلاد، وبالتزامن مع استمرار عمل الموانئ الجنوبية، فإن عملية تأمين السلع الأساسية مستمرة من دون توقف". وأوضح، في مقارنة بين قدرات المناولة في الموانئ الشمالية والجنوبية، أن "القدرات الطبيعية للموانئ الجنوبية تختلف بطبيعتها عن الموانئ الشمالية، إذ إن أكبر موانئ البلاد تقع في الجنوب".
وأضاف أن "أحد أهم الفوارق يعود إلى عمق المياه ودرجة غاطس السفن، حيث يمكن للموانئ الجنوبية استقبال سفن بغاطس يصل إلى 17 متراً، بينما لا يتجاوز هذا الرقم في الموانئ الشمالية نحو 4.5 أمتار، وهو ما يحدّ من الحمولة البحرية التي يمكن نقلها عبر هذه الموانئ". وتابع قائلاً: "على الرغم من هذه القيود، تم إعداد حلول متعددة لتأمين احتياجات البلاد، ويمكن توفير السلع الأساسية عبر مسارات مختلفة".
وأشار ضيائي إلى دور شبكة السكك الحديدية في دعم نقل السلع، قائلاً إن "البنية التحتية للسكك الحديدية متصلة بهذه المنظومة، ومسارات مثل إنجه برون وسرخس (على الحدود الشمالية الشرقية والشرقية) تعمل حالياً، كما أن الارتباط مع باكو (شمال الغرب) قائم، ولذلك لا تواجه البلاد مشكلة في هذا الجانب". وأكد مستشار اتحاد النقل واللوجستيات أن "الموانئ الجنوبية ما تزال تعمل، وعمليات التفريغ والتحميل مستمرة فيها، وقد تكون طاقتها قد شهدت بعض الانخفاض، إلا أن هذا الانخفاض ليس من شأنه أن يؤدي إلى خلل في عملية تأمين السلع". وأشار إلى أن "المناطق الحرة في شمال البلاد، مثل منطقة أنزلي الحرة، ومنطقة ماكو الحرة، ومنطقة أرس الحرة، تواصل أيضاً نشاطها وتؤدي دورها في سلسلة التوريد".
ولفت إلى أنه "قبل ظهور هذه الظروف، كانت الإجراءات اللازمة قد اتُّخذت من قبل المسؤولين والقطاع الخاص، بما في ذلك غرفة التجارة، كما أن شركات النقل حاضرة بالكامل في الميدان". وختم ضيائي بالقول إن "عملية تأمين ونقل السلع لم تتوقف، وقد تكون أصعب من الماضي، لكنها مستمرة، واحتياجات البلاد يتم تأمينها بشكل متواصل". وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت فرض حصار بحري على موانئ إيران في الخليج وبحر عُمان اعتباراً من يوم الاثنين.
وذكرت وكالة "فارس" الإيرانية أن السفينة الإيرانية الثانية اليوم الأربعاء عبرت مضيق هرمز وهي تتجه نحو ميناء "الإمام الخميني" الإيراني. وقالت الوكالة إن عبور السفينة يأتي في الوقت الذي تدّعي فيه القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تنفيذ حصار بحري كامل على الموانئ الإيرانية وتؤكد أنه لم تتمكّن أي سفينة من اختراق الحصار. وأضافت أن هذه السفينة هي سفينة شحن بضائع سائبة محمّلة بمواد غذائية دخلت الخليج وتتجه حالياً نحو ميناء "الإمام الخميني". وتابعت أنه وفي وقتٍ سابق من صباح اليوم، عبرت ناقلة نفط إيرانية عملاقة مدرجة على قائمة العقوبات التابعة لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي (OFAC)، من دون أي محاولة للإخفاء وبجهاز تحديد الموقع (AIS) مُفعّل، المياه الدولية ثم مضيق هرمز، ودخلت المياه الإقليمية الإيرانية.
وفي هذا الإطار، عادت ناقلة النفط "ريتش ستاري"، الخاضعة لعقوبات أميركية، اليوم الأربعاء إلى المضيق بعد مغادرتها الخليج في اليوم السابق، بعد إخفاقها في اختراق الحصار المفروض على السفن المرتبطة بالموانئ الإيرانية. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أعلن الحصار يوم الأحد، عقب فشل محادثات السلام التي جرت في إسلام أباد. وقالت القيادة المركزية الأميركية على منصة "إكس": "خلال الساعات الأربع والعشرين الأولى، لم تتمكن أي سفينة من تجاوز الحصار الأميركي"، مضيفة أن ست سفن امتثلت لتوجيهات القوات الأميركية وعادت إلى ميناء إيراني. وأشار مسؤول أميركي إلى أن مدمرة أميركية أوقفت ناقلتي نفط كانتا تحاولان مغادرة ميناء تشابهار الإيراني على خليج عُمان.
وفي المقابل، أظهرت البيانات أن ما لا يقل عن ثماني سفن، بينها ثلاث ناقلات مرتبطة بإيران، عبرت المضيق يوم الثلاثاء، وهو أول أيام الحصار، لكنها لم تكن متجهة إلى موانئ إيرانية، وبالتالي لم تتأثر بالإجراءات. وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على ناقلة "ريتش ستاري" ومالكها بسبب تعاملهما مع إيران، فيما لم يتسنّ الحصول على تعليق من الشركة بحسب "رويترز". ووفق بيانات "كبلر"، تحمل الناقلة نحو 250 ألف برميل من الميثانول، جرى تحميلها من ميناء الحمرية في الإمارات. كما أظهرت بيانات "كبلر" ومجموعة بورصات لندن أن ناقلة أخرى خاضعة للعقوبات، هي ناقلة النفط الخام العملاقة "أليسيا"، ستدخل الخليج عبر المضيق. وتشير البيانات إلى أن الناقلة الفارغة، التي يمكنها حمل مليوني برميل من النفط، تتجه إلى العراق لتحميل شحنة يوم الخميس.
وفي سياق متصل، دخلت ناقلة النفط العملاقة "أجيوس فانوريوس 1"، المسجلة في مالطا، الخليج عبر المضيق في محاولة ثانية للعبور، بعدما كانت ضمن سفن حاولت دخول الخليج يوم الأحد خلال فترة وقف إطلاق النار. وتشير بيانات ومصادر تجارية إلى أنها تتجه إلى العراق لتحميل خام البصرة لمصفاة "نغي سون" الفيتنامية، فيما لم ترد شركتا التشغيل والتكرير على طلبات التعليق من "رويترز".كما عبرت ناقلتان خاضعتان لعقوبات أميركية هذا الممر المائي، من بينهما "Murlikishan" المتجهة إلى العراق لتحميل زيت الوقود في 16 إبريل/نيسان، والتي كانت تُعرف سابقاً باسم "أم.كا.آي"، ونقلت نفطاً روسياً وإيرانياً. وتتجه ناقلة "Peace Gulf"، التي ترفع علم بنما، إلى ميناء الحمرية في الإمارات العربية المتحدة، وعادة ما تنقل النافثا الإيرانية إلى موانئ إقليمية لإعادة تصديرها إلى آسيا.
وعلى صعيد حركة الملاحة، عبرت خمس سفن أخرى المضيق منذ بدء الحصار عند الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش يوم الاثنين، بينها ناقلتا مواد كيميائية وغاز، وسفينتا شحن سائبة، إضافة إلى سفينة "Ocean Energy" التي رست في ميناء بندر عباس الإيراني. وأشارت مذكرة عسكرية أميركية، اطلعت عليها "رويترز"، إلى أن الشحنات الإنسانية ستكون معفاة من الحصار. وأدى الحصار إلى زيادة حالة عدم اليقين لدى شركات الشحن وشركات النفط وشركات التأمين ضد مخاطر الحرب، في حين لا تزال حركة المرور تمثل جزءاً ضئيلاً فقط من أكثر من 130 عبوراً يومياً كانت تُسجَّل قبل اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير/شباط.
وفي هذا السياق، قالت وزارة الخارجية الصينية إن الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية خطير وغير مسؤول، محذّرة من أنه سيؤدي إلى مزيد من التوتر، من دون أن توضح ما إذا كانت السفن الصينية تعبر المضيق. وفي تقييم للوضع، قال فابريزيو كوتيكيا، أستاذ العلوم السياسية في جامعة جنوة الإيطالية لـ"رويترز"، إن الولايات المتحدة "لا تحتاج إلى حظر جميع أنواع السفن أو الدخول إلى مضيق هرمز، إذ يمكنها تنفيذ حصار متقطع"، مضيفاً أن "السفن لن تُهاجَم، بل سيتم تحويل مسارها"، مع تمركز السفن الحربية الأميركية خارج المضيق في خليج عُمان.
ورغم أن تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب لم ترتفع منذ بدء الحصار، فإنها لا تزال تُقدَّر بمئات آلاف الدولارات أسبوعياً، مع مراجعتها كل 48 ساعة. من جهة أخرى، أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال"، نقلاً عن مسؤولين أميركيين، بأن أكثر من 20 سفينة تجارية عبرت مضيق هرمز خلال 24 ساعة، وهو ما لم تتمكن "رويترز" من التحقق منه. وأكدت القيادة المركزية الأميركية مجدداً أن أكثر من 10 آلاف جندي، إلى جانب أكثر من 12 سفينة حربية وأكثر من 100 طائرة، يشاركون في تنفيذ الحصار، الذي يشمل جميع عمليات الشحن المرتبطة بالموانئ الإيرانية في الخليج وخليج عُمان. ويهدف الحصار، وفق واشنطن، إلى منع إيران من تحقيق إيرادات من رسوم العبور عبر المضيق وقطع عائداتها النفطية، في ظل تصاعد التوترات في المنطقة، بحسب ما ذكرت "رويترز".
وتشير منظمة الموانئ والملاحة البحرية الإيرانية إلى أن الموانئ تُعدّ الركيزة الأساسية لاقتصاد البلاد، إذ تمرّ عبرها أكثر من 90% من تجارة إيران الخارجية، ما يجعلها الرابط الرئيسي بين الأسواق الدولية والإنتاج الوطني، سواء في صادرات النفط والمشتقات البتروكيماوية أو في الواردات الغذائية والسلع الأساسية. ويبلغ طول السواحل الإيرانية، شمالاً وجنوباً، أكثر من 5800 كيلومتر، فيما تمتلك البلاد نحو 30 ميناءً عاملاً على الخليج وبحر عُمان، إضافة إلى موانئها الشمالية على بحر قزوين. ومن أبرز هذه الموانئ: ميناء الشهيد رجائي في بندر عباس، وميناء الإمام الخميني، وميناء بوشهر، وميناء چابهار، وميناء أنزلي، وميناء أميرآباد.
ويأتي هذا الحصار في وقت تعرّض فيه القطاع البحري الإيراني، منذ عام 2018، إلى أشدّ أنواع العقوبات الأميركية، التي استهدفت الموانئ وخطوط الملاحة وشركات التأمين والنقل. وتشمل هذه العقوبات قيوداً على مالكي السفن، والشركات المشغِّلة، ووكلاء الشحن، والجمعيات البحرية، وشركات تسجيل الأعلام، وحتى الجهات المالية المموِّلة للعمليات البحرية. وتصف تقارير دولية هذه العقوبات، التي أُعيد فرضها منذ عام 2018 وتعود جذورها إلى عام 2005، بأنها من الأقسى في تاريخ النقل البحري التجاري الحديث.
