عربي
تُعيد رواية "الرائي- رحلة دامو السومري" (دار رشم للنشر والتوزيع، 2025) لـ ضياء جبيلي تركيب العلاقة بين التاريخ والأسطورة، من باب صوت السارد (دامو بن "النسّاخ" لاهار المنحدر من شعب ذوي الرؤوس السود)، ابن مدينة "أوروك" على ضفة نهر الفرات، وأحد كتبة الإمبراطورية الآشورية (الملك آشور بانيبال) في نينوى، العابر للأزمنة والجغرافيات واللغات والأديان والثقافات، حيث تتخذ هويته المفتوحة شكلاً ثقافياً مؤسّساً على فعل النسخ والتدوين، وتتحول الكتابة عبر أسفار الرواية (من سِفر الطين إلى سِفر مايكروسوفت، مروراً بسِفر البرشمان وسِفر البردي وسِفر الكاغد وسِفر رمنجتون) إلى أداة للترقي الحضاري داخل بنية ثقافية ترى في حفظ النصوص وتدوينها، عبر الأزمنة، فعلاً من أفعال السلطة.
في هذه الرواية التي ترشحت ضمن القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، استعمل ضياء جبيلي "ملحمة جلجامش" (بألواحها الاثني عشر) بوصفها خلفية مركزية يتشكل عبرها وعي السارد الذي انخرط منذ طفولته رفقة شقيقه دودو (البطل الذي التهمه النهر) في "تمثيل لعبي" للبحث عن "العشبة المخلدة للروح والنفس والجسد" التي طالما لاحقها جلجامش، ما يكشف عن انتقال الأسطورة من فضاء الحكي إلى فضاء الممارسة اليومية، إذ يعاد إنتاجها في أشكال حية داخل الذاكرة الفردية (ذاكرة دامو). ومن هنا يتحول "الخلود" إلى تجربة ملموسة، ذات ثقل يومي متواصل، محمولة على كاهل كائن يتورط دون إرادته في الزمن إلى حد التماهي معه. وهو ما يفتح سؤالاً حول طبيعة النصوص القديمة (ألواح الملوك والكهنة والحكام)، ومن يملك سلطة تثبيتها، وهل الكاتب هو من يدون الحكايات أم من يجمعها أم من يحرّرها؟
يتبدّى التاريخ بوصفه دائرةً مفتوحةً تعيد إنتاج نفسها عبر الأزمنة
يأخذ "الخلود" في الرواية معنى مغايراً، إذ يتحول من حلم أسطوري (أو من حكاية مشكوك في صحتها) إلى حالة وجودية معقدة؛ إذ تبدأ الحكاية مع حادثة الصقر "زو" الذي يلتقط "الأفعى السارقة لعشبة الخلود" ويلقيها في باحة بيت "لاهار"، فتلدغ دامو (ذا الثمانية عشر عاماً) أثناء نومه، لتبدأ رحلة تتسع عبر قرون طويلة، تتراكم فيها التجارب وتتكثف داخل ذاكرة مثقلة بصور العنف والموت. ذلك أنّ اكتشاف" السر" يبدأ من نجاة السارد من لدغة الأفعى ثم من "الطاعون"، أي من لحظة موت الأب في سياق صراع الملك سرخون الأكدي مع لوغال زاغيري، ثم موت الأم (ماميتو) والأخوال والخالات والأختين (نازي وناناي)، وهلاك كهان معبد "آي- أنا" عن آخرهم، ومعهم ساكنة أوروك الذين أبيدوا جميعهم تأثراً بالوباء العالق في الجثث المتعفنة التي رماها عليهم الملك الغازي... وتتوالى الأحداث في مسار يكشف عن هشاشة الوجود الإنساني داخل دوامات التاريخ، إذ تتكرر أنماط العنف والصراع، وتعاد الحكايات المؤسسة في أشكال متعدّدة، فيتبدى بذلك التاريخ بوصفه دائرةً مفتوحةً تعيد إنتاج نفسها عبر الأزمنة، ما يحول الخلود إلى عبء معرفي، لا يمنح الخلاص بقدر ما يكشف عن استمرارية الخراب والمآسي.
يزداد هذا العبء إفراطاً حينما يعي السارد عدم قدرته على الانفلات من "وباء الخلود". ذلك أنه، ومع كل تجربة جديدة، تنضم طبقة إضافية إلى هذا المخزون، فتتشابك الصور، وتتقاطع الأزمنة، ويصبح الحاضر مشبعاً بالماضي إلى درجة يصعب معها التمييز بين ما يحدث الآن وما حدث من قبل. بل إنّ تقاطع مسار دامو مع مسار شوسن (الطبيب والكاهن السومري) بوصفه قريناً سردياً يعكس بعداً ثقافياً مركباً، إذ يظهر في هيئات متعدّدة لرجل دين عبر الأزمنة، من كاهن وثني إلى حاخام إلى راهب، في تجسيد لتحولات السلطة الرمزية داخل المجتمعات؛ إذ يحمل هذا الحضور دلالة عميقة تتصل باستمرارية الخطاب الديني وقدرته على التكيف مع التحولات، ويطرح في الآن ذاته سؤال الخلود بوصفه تجربة تتجاوز الفرد لتلامس بنية الوجود البشري.
يتحول الصراع بين دامو وشوسن، الذي كان يعتقد السارد أنه الخال (لو- إنانا) إلى مواجهة حول المعنى والذاكرة، وتتجسد هذه المواجهة في مشهد تدمير الألواح الطينية (الجسد الآخر الأهم)، إذ تتحطم "أسفار الطين" تحت ضربات المطرقة، في فعل رمزي يعكس محاولة محو الذاكرة، وتفكيك السرد الذي يشكل أساس الوجود الثقافي. ذلك أن شوسن الذي طالما زرع الفخاخ في طريق دامو اهتدى، في آخر الرواية، إلى أن تحطيم الألواح الطينية هو وسيط الانتقام من الغريم الذي يمثله الخلود (وليس دامو)، خاصة أن تلك الألواح هي المجال الحصين لصياغة الحكاية بوصفها أثراً يقاوم التلاشي، ما يعني أن تدمير "الأثر القديم" محاولة لإعادة العالم إلى حالة الصمت.
تدمير "الأثر القديم" هو محاولة لإعادة العالم إلى حالة الصمت
يتغذى الهروب الذي يطبع مسار دامو، وأيضاً مسار شوسن، من هذا الوضع المركّب. ذلك أن الحركة المستمرة عبر الجغرافيا تحمل في عمقها محاولة لتخفيف ثقل الزمن، كأنّ الانتقال يتيح توزيع الذاكرة على الأمكنة. غير أنّ هذا التخفيف يظل مؤقتاً، لأن الذاكرة تنتقل مع حاملها، وتعيد إنتاج نفسها في كل موقع، كما أن الملاحقات التي يتعرض لها دامو تضيف طبقة أخرى من التوتر، فتتحول شخصيته إلى محور رغبة لدى قوى مختلفة، تسعى إلى الإمساك بسر الخلود. الملوك يظهرون بوصفهم تجسيداً لقلق السلطة إزاء الفناء، ورجال الدين يعبرون عن سعي الخطاب الرمزي إلى احتواء هذا السر داخل منظوماته، في حين تتخذ المعرفة طابعاً إجرائياً مع شخصيات مثل شوسن، الذي يرى في جسد دامو موضوعاً قابلاً للفحص والتفكيك، بل للفناء (إذا جرى تقطيعه إلى أجزاء صغيرة متناثرة).
تكتسب شخصية شوسن أهمية خاصة داخل البناء الروائي، إذ تتنقل عبر الأزمنة في هيئات متعددة، محتفظة بجوهر واحد يتمثل في القدرة على إعادة تشكيل الخطاب بما يتلاءم مع السياق، ما يشي بحيوية السلطة الرمزية (الدينية)، التي تجد في التحوّل وسيلة للبقاء، وتعيد إنتاج نفسها داخل صيغ دينية وثقافية مختلفة. ذلك أنّ حضور شوسن داخل مسار السارد، في كل الحقب والجغرافيات، يمنح الصراع بعداً عميقاً، إذ يتخذ شكل مواجهة بين إرادتَين: إرادة تحفظ الأثر وتمنحه امتداداً عبر وسائط الكتابة المتعددة (دامو)، وإرادة تسعى إلى التحكم في هذا الأثر وتوجيهه، ثم تحطيمه (شوسن). وبين هذا وذاك، هناك محاولات لإيجاد نقطة استقرار داخل حركة لا تهدأ بين الأزمنة والأمكنة، والدال على ذلك "ظلال الحب" التي تجثم، ثم تتبدّد بفعل "الهروب الواجب"، إذ تحمل علاقات دامو بنساء مثل نارسينيا أو راحيل أو گولي أو القهرمانة إمكانية الانتماء، غير أنها تنفتح على هشاشة واضحة؛ لأنّ الفارق في الزمن يخلق فجوة يصعب ردمها. ذلك أنّ الحب يكتسب طابعاً مؤقتاً يرتبط بلحظة شهوانية مكثفة، سرعان ما تتلاشى أمام تعذر الاحتفاظ بعلاقة ثابتة داخل زمن مفتوح تتراكم داخله المدن (من أوروك حتّى فاس) والوجوه واللغات والثورات (ثورة الزنج) والحروب والأسماء. ولا يُقبضُ على ذلك إلّا عبر التدوين؛ هذا الفعل الذي يجري تعميق الوعي به عبر "الاشتغال الميتاسردي" الواضح في الرواية.
يظهر البعد الميتاسردي، على سبيل المثال، في تأمل شوسن لفكرة الوجود بوصفه فيلماً طويلاً أو رواية ممتدة يكتبها كائن مهووس، إذ يطرح سؤال النهاية داخل الحكاية بوصفه مفارقة مركزية داخل كل سرد (هل توجد نهاية بالفعل؟). ويتسع هذا الأفق الميتاسردي حين تتداخل التقنية الحديثة مع فعل الكتابة، فتنتقل الحكاية من الطين (الألواح) إلى الوسائط الرقمية (الحاسوب)، ما يفتح مجالاً واسعاً لتأمل علاقة الإنسان بالتقنية، ويكشف عن استمرار الرغبة في تثبيت الأثر داخل مواد مختلفة، حيث تتجاور الأزمنة، وتتداخل الأصوات، ويتحول السرد إلى مرآة تعكس قلق الإنسان وهو يواجه امتداداً لا ينتهي، وحكاية تواصل انبثاقها داخل ذاكرة ممتدة (من الألواح إلى ميكروسوفت).
* كاتب مغربي
