عربي
تتفاقم معاناة سكان ريف الحسكة الشمالي الشرقي مع كلّ حادثة تسرّب نفطي جديدة، في ظلّ غياب حلول جذرية تضع حداً لأزمة سورية مستمرّة منذ سنوات. وفي آخر هذه الحوادث التي تطاول شمال شرقي سورية، شهدت بلدة معبدة القريبة من مدينة رميلان، في إبريل/ نيسان الجاري، تسرّباً نفطياً أدّى إلى تدفّق كميات من النفط الخام إلى داخل الأحياء السكنية وعلى الطرقات، الأمر الذي خلّف أضراراً بيئية وصحية متزايدة وأعاد إلى الواجهة معاناة الأهالي المزمنة مع هذا الخطر.
تفيد مصادر محلية "العربي الجديد" بأنّ التسرّب وقع نتيجة خلل في أحد خطوط نقل النفط، الأمر الذي تسبّب في انتشار النفط بين المنازل وفي الشوارع، في مشهد بات مألوفاً بالنسبة إلى سكان المنطقة. وتكمن خطورة الحادثة الأخيرة في أنّها وقعت بمنطقة قريبة من حقول رميلان النفطية، إحدى أبرز مناطق الإنتاج في سورية، حيث تتكرّر الأعطال في شبكة الأنابيب التي تعاني من تهالك واضح.
معاناة يومية وخطر دائم
يقول محمد علي يوسف، أحد سكان بلدة معبدة، إنّ الإصلاحات التي تُجرى بعد كلّ حادثة "ليست سوى حلول مؤقتة"، موضحاً لـ "العربي الجديد" أنّ "أنابيب النفط والمياه تتعرّض للتكسّر بصورة متكررة، الأمر الذي يؤدّي إلى فيضانات نفطية تتسبّب في أضرار مباشرة على المنازل، وتدفع عائلات عدّة إلى مغادرتها دورياً للحفاظ على سلامتها".
من جهته، يشير صالح الخالدي، من أبناء معبدة، إلى أنّ التسرّب الأخير أدّى إلى إغلاق طريق حيوي منذ أيام عدّة، الأمر الذي أعاق حركة التنقّل بصورة شبه كاملة. يضيف الخالدي لـ"العربي الجديد" أنّ "المشكلة تتكرّر باستمرار نتيجة تكسّر البواري، إذ يختلط النفط بالمياه، فيغرق الطريق وتتوقّف الحركة، في حين تقتصر الاستجابة على إجراءات إسعافية لا تمنع تكرار الأزمة".
ويوضح الخالدي أنّ الموقع المتضرّر هو سدّ قديم تختلط فيه المياه بالنفط، الأمر الذي يزيد من تعقيد الوضع في كلّ مرّة يحدث فيها تسرّب جديد، لافتاً إلى أنّ عدداً من المنازل تضرّر، فيما تتصاعد المخاوف من تداعيات صحية وبيئية خطرة. ويرى أنّ الحلّ يكمن في "إعادة تأهيل البنية التحتية بطريقة كاملة وإنشاء منظومة نقل آمنة تمنع تكرار مثل هذه الكوارث".
تلوّث يهدّد مياه الحسكة وزراعتها
ولا تقتصر تداعيات التسرّبات النفطية على الأحياء السكنية، بل تمتدّ لتطاول الموارد المائية والأراضي الزراعية، الأمر الذي من شأنه أن يهدّد مصادر رزق السكان. ويؤكد محمد درويش، من سكان المنطقة، أنّ تسرّبات المياه الطبقية الناتجة عن مخلفات النفط أثّرت بصورة كبيرة على المياه الجوفية والينابيع الطبيعية، من بينها نبع طابان الذي تعتمد عليه قرى عدةّ. يضيف درويش لـ"العربي الجديد" أنّ المشكلة تعود إلى "عدم إعادة حقن المياه المصاحبة لاستخراج النفط في آبار مخصّصة، بل يجري ضخّها في الأودية، ما يؤدّي إلى تسرّبها نحو القرى وتلويث مصادر المياه"، الأمر الذي يفاقم الأزمة البيئية ويجعلها أكثر تعقيداً مع مرور الوقت.
في سياق متصل، شهد ريف تل حميس شرقي الحسكة حوادث مشابهة في الفترة الماضية، إذ تدفّقت كميات من النفط إلى الأراضي الزراعية بسبب تخريب خطوط النقل بهدف السرقة، الأمر الذي أدّى إلى تضرّر مساحات واسعة من محاصيل القمح والشعير وخسارة مواسم زراعية كاملة.
ويوضح المهندس محمد الجوالي لـ"العربي الجديد" أنّ أحد هذه التسرّبات استمرّ لساعات قبل اكتشافه، الأمر الذي سمح بانتشار النفط في التربة ووصوله إلى قنوات مائية، محذّراً من آثار طويلة الأمد على خصوبة الأراضي الزراعية قد تؤدّي إلى خروجها من الإنتاج لسنوات.
مخاطر صحية وبيئية متصاعدة
من جهته، يرى الباحث في الشؤون البيئية عبد السلام حسن أنّ ما يحدث في المنطقة يمثّل تهديداً خطراً للإنسان والبيئة على حدّ سواء. ويشير لـ"العربي الجديد" إلى أنّ التلوّث النفطي لا يقتصر على عنصر واحد، بل يشمل التربة والمياه والهواء في آن معاً.
ويحذّر حسن من أنّ هذه التسرّبات تؤدّي إلى تدهور التربة الزراعية وخروجها من دائرة الإنتاج لفترات طويلة، بالإضافة إلى تلويث مصادر المياه، إلى جانب انعكاسات صحية خطرة تشمل أمراض الجهاز التنفسي وارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة، استناداً إلى دراسات سابقة أُجريت في المنطقة.
أزمة مزمنة بلا حلول
وتتكرّر حوادث تسرّب النفط في ريف الحسكة بصورة لافتة، سواء بسبب تهالك البنية التحتية أو بفعل عمليات التخريب والسرقة، الأمر الذي يكشف هشاشة منظومة نقل النفط ويضع السكان في مواجهة دائمة مع مخاطر التلوّث.
وعلى الرغم من مناشدات الأهالي المتكرّرة لإيجاد حلول جذرية، تظلّ الاستجابات محدودة وتقتصر في الغالب على إصلاحات مؤقتة، سرعان ما تتلاشى مع أوّل عطل مستجدّ، لتعود الأزمة من جديد محمّلة بمزيد من الخسائر البيئية والمعيشية.
وفي ظلّ هذا الواقع، يجد سكان معبدة وعموم ريف الحسكة أنفسهم عالقين بين تلوّث يهدّد صحتهم وأرزاقهم، وبنية تحتية متهالكة، في انتظار تدخّل فعلي يعالج جذور المشكلة ويضع حداً لمعاناة مستمرّة منذ سنوات.
