بنيامين نتنياهو ووقف حرب إيران: إخفاقات استراتيجية وأزمة سياسية
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
نجح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلافاً لكثير من التوقعات، في ترميم مكانته السياسية بعد أزمة الإخفاق الكبير في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، التي هدّدت مستقبله السياسي. فقد توقّع العديد من المحللين والسياسيين، بل حتى بعض أعضاء التحالف الحكومي نفسه، سقوط حكومته خلال فترة قصيرة. في ظلّ الظروف التي نشأت منذ السابع من أكتوبر، يُعدّ بقاء بنيامين نتنياهو مرشحاً قوياً لرئاسة الحكومة في الانتخابات المقبلة، وعدم انهيار حزب الليكود، إلى جانب عدم تمكن معسكر المعارضة، حتى الآن، من تحقيق أغلبية، إنجازاً سياسياً بحدّ ذاته لنتنياهو. استخدم نتنياهو الحرب والقتل والتدمير جزءاً من أدواته واستراتيجياته للبقاء السياسي والحفاظ على تماسك التحالف الحكومي، إلى جانب ضخّ ميزانيات كبيرة لمصلحة حلفائه في الائتلاف، واعتماد أساليب المراوغة والمناورة السياسية. ومع دخول إسرائيل عام الانتخابات، المقررة في نهاية أكتوبر المقبل، اختار نتنياهو استغلال وجود رئيس أميركي داعم ومتقبل لسياسات إسرائيل وأهدافها، لكي يعمل على تحقيق رغبته في القضاء على قدرات إيران النووية والصاروخية والعسكرية وتغيير الشرق الأوسط كما يدعي. كذلك سعى لتوظيف العمل العسكري أداةً لتحسين مكانته السياسية قبيل الانتخابات، بل وربما لحسمها لمصلحته. تحوّل المزاج العام الإسرائيلي من الشعور بحالة النشوة والحديث عن نصر سريع وحاسم، إلى حالة من خيبة الأمل والإحباط اعتقد بنيامين نتنياهو وغالبية المجتمع الإسرائيلي، في الأيام الأولى للحرب على إيران، أن المعركة قد حُسمت فعلياً، وأن إسرائيل تحقق أهدافها الاستراتيجية. بل إن حزب الليكود بدأ حينها بالحديث عن احتمال تقديم موعد الانتخابات إلى يونيو/ حزيران المقبل. غير أن إطالة أمد الحرب، وعدم انهيار إيران أو حزب الله اللبناني، ثم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، ولو كان مؤقتاً، من دون تحقيق الأهداف الاستراتيجية المعلنة، وفق معظم التقديرات الإسرائيلية، أدّى إلى تغيير واضح في المزاج العام داخل المجتمع الإسرائيلي ودوائر الحكم. فتحوّل الشعور من حالة النشوة والحديث عن نصر سريع وحاسم، إلى حالة من خيبة الأمل والإحباط. وقد انعكس هذا التحول أيضاً على موقع نتنياهو السياسي. رفع سقف الأهداف والتوقعات تمثّلت الأهداف الإسرائيلية الأميركية المعلنة للحرب بمنع إيران من تطوير سلاح نووي، وضرب قدراتها الصاروخية والعسكرية، واستهداف قياداتها السياسية والعسكرية، وإضعاف النظام إلى درجة تُسهّل إسقاطه خلال الحرب أو بعدها. وخلال الحرب، وسّعت إسرائيل هذه الأهداف، فوجّهت ضربات قاسية للصناعات الإيرانية، ولمقدرات الدولة الاقتصادية، وللبنى التحتية، في مسعى لتحويل إيران إلى دولة منهكة تنشغل لسنوات طويلة في إعادة إعمار ما دُمّر. وبحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز، أقنع بنيامين نتنياهو الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال لقائهما قبيل اندلاع الحرب، بجملة من التقديرات، منها أن مضيق هرمز لن يُغلق، وأن الأكراد في إيران قد ينخرطون في العمل لإسقاط النظام، وأن الاحتجاجات الشعبية ستتجدد، وأن احتمال استهداف إيران لجيرانها محدود، وأن برنامجها الصاروخي سيُدمّر خلال أسابيع قليلة، فضلاً عن وجود فرصة كبيرة لإسقاط النظام. إلا أن غالبية هذه التقديرات لم تتحقق، وبدا كثير منها أقرب إلى الوعود غير الواقعية، أو كما وصفها يوسي فيرتر، المحلل السياسي في صحيفة هآرتس (10 إبريل/ نيسان الحالي)، بأنها كانت "كلام فارغ". ويبدو أن حسابات بنيامين نتنياهو والجيش الإسرائيلي لم تكن دقيقة هذه المرة. فلم تنهر إيران، ولم يستسلم حزب الله، كذلك طال أمد الحرب من دون تحقيق حسم عسكري، رغم الضربات القاسية التي وُجّهت إلى إيران وحزب الله. ومع إعلان الولايات المتحدة وإيران التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، وبدء مفاوضات ثنائية، بدأت موجة جدّية من الانتقادات لنتائج الحرب، وبرزت تقديرات تفيد بأنها فشلت في تحقيق أهدافها الاستراتيجية، رغم ما يُنظر إليه على أنه إنجازات عسكرية مهمة من المنظور الإسرائيلي. إخفاقات وخيبة أمل ورأى المحلل العسكري في صحيفة هآرتس، عاموس هرئيل (10 إبريل)، أن إنهاء الحرب عند هذه النقطة سيُبقي إسرائيل بعيدة عن الأهداف التي أعلنتها مع انطلاقها. ويشير إلى أنه، رغم تمكّن إسرائيل من تسجيل إضعاف منهجي وواسع للقدرات الإيرانية في مجالات الدفاع والهجوم والصناعات العسكرية، فإن المشكلات الأساسية التي واجهتها لم تُحلّ بعد. ولعل الأخطر من ذلك كلّه، أن النظام في طهران يبدو، حتى الآن، مستقراً. كذلك رأى شلومو بن عامي، وزير الخارجية ووزير الأمن الداخلي السابق (في "هآرتس"، 10 إبريل)، أن وقف إطلاق النار الذي أُعلن في الحرب مع إيران يُمثّل خاتمة لهزيمة استراتيجية لمهندسي الحرب، الثنائي ترامب ـ نتنياهو، وذلك رغم ما تحقق من إنجازات عسكرية. كذلك أعرب المحلل في "هآرتس" ألوف بن (10 إبريل)، عن اعتقاده بأن نتنياهو يواجه ضائقة سياسية نتيجة إخفاقه في الحرب على إيران، ربما هي الأشد منذ عودته إلى الحكم عام 2009. وأشار إلى أن نتنياهو أخذ على عاتقه مشروعاً طموحاً لإعادة هندسة الشرق الأوسط وتنصيب نظام جديد في إيران، إلا أنه فشل في تحقيق هذا الهدف. المعارضة تهاجم بنيامين نتنياهو استغلت المعارضة الإسرائيلية حالة الاستياء العام وخيبة الأمل من انتهاء الحرب من دون تحقيق أهدافها الاستراتيجية أو حسم واضح، سواء في المواجهة مع إيران أو في لبنان، لتوجيه انتقادات حادة لنتنياهو. ويأتي ذلك بعد أن كانت جميع أحزاب المعارضة قد دعمت الحرب على إيران ولبنان منذ يومها الأول. ووجّه زعيم المعارضة، يائير لبيد، انتقادات حادة لنتنياهو، محذراً من أنه "خلال ساعات سيقف نتنياهو أمام الجمهور ويدّعي أن المعركة كانت ناجحة. وهذا كذب مطلق". وأضاف: "ما حدث مزيج خطير من الغرور، وانعدام المسؤولية، وغياب التخطيط، وإهمال تام للجبهة الداخلية، وأكاذيب بيعت للأميركيين وانتهت بكارثة سياسية. لقد وصل نتنياهو إلى أسوأ نتيجة ممكنة، النظام في إيران لم يُهزم". وانتقد رئيس الوزراء السابق نفتالي بينت وقف إطلاق النار، قائلاً إن "السبب في شعور هذا العدد الكبير من الناس بخيبة أمل، هو أن القيادة باعتنا أوهاماً. فقد تفاخر بنيامين نتنياهو ووزراؤه مراراً بتحقيق نصر مطلق على حماس، وحسم المعركة مع حزب الله، وهزيمة إيران، لكن جميع هذه الوعود الفارغة انفجرت في وجوهنا الليلة". من جهته، انتقد رئيس الأركان السابق غادي أيزنكوت، نتنياهو على خلفية إعلان وقف إطلاق النار، قائلاً متوجهاً إليه: "لقد فشلت في أداء مسؤوليتك في ترجمة الإنجازات العسكرية الكبيرة إلى نتائج سياسية ترسم شرق أوسط مختلفاً. استقل وأعد التفويض إلى الشعب... إن مستقبل إسرائيل موضوع الآن على المحك، في ظل مسؤولية لم تعد قادراً على تحمّلها". تُظهر الاستطلاعات تراجعاً يتراوح بين مقعد ومقعدين لحزب الليكود في الانتخابات المقبلة لم تقتصر هذه الأجواء المتشائمة على الإعلام والمحللين والقيادات السياسية، بل امتدت لتشمل شريحة واسعة من المجتمع الإسرائيلي. فوفقاً لمعظم استطلاعات الرأي التي أُجريت نهاية الأسبوع الحالي، يبرز مزيج من عدم الرضا عن نتائج الحرب، إلى جانب معارضة لوقفها، وشعور بأن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تحققا انتصاراً واضحاً، وأنه ينبغي الاستمرار في الحرب. فعلى سبيل المثال، أظهر استطلاع لصحيفة معاريف (10 إبريل) أن 32% فقط من المستطلعة آراؤهم أعربوا عن رضاهم عن النتائج العامة للحرب على إيران، مقابل 63% عبّروا عن عدم رضاهم. وعند سؤال المشاركين عمّا إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل قد انتصرتا في الحرب، أجاب 22% فقط بالإيجاب، فيما رأى 46% أنهما لم تنتصرا، واعتبر 32% أن من السابق لأوانه الحكم على ذلك. وبذلك، ليس من المستغرب أن تُظهر استطلاعات الرأي التي نشرتها القناتان 12 و13 تراجعاً يراوح بين مقعد ومقعدين في عدد المقاعد المتوقعة لحزب الليكود في الانتخابات المقبلة، على خلفية وقف إطلاق النار مع إيران، مقارنة بنتائج الاستطلاعات في الأسابيع السابقة. الهروب إلى الأمام وفي ردّ فعل على خيبة الأمل داخل إسرائيل، وفي ظل الضائقة السياسية التي يواجهها نتنياهو، صعّدت إسرائيل عملياتها العسكرية في لبنان عقب إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، وشنّت غارات مكثفة على بيروت أدت إلى سقوط مئات الضحايا (الأربعاء في 8 إبريل). سعت الحكومة الإسرائيلية والجيش من خلال هذا التصعيد، لتوجيه رسالة مفادها وجود فصل بين الجبهات وأن إسرائيل مصممة للاستمرار في الحرب على حزب الله. إلا أن التطورات اللاحقة أظهرت أن جبهة لبنان كانت، في الواقع، جزءاً من تفاهمات وقف إطلاق النار، قبل أن يطرأ تغيير على هذا المسار عقب محادثة بين ترامب ونتنياهو. وعلى ما يبدو، منح ترامب بنيامين نتنياهو مهلة محدودة لمواصلة العمليات العسكرية في لبنان، خصوصاً أن التقديرات الإسرائيلية تشير إلى أن الحرب الحالية على لبنان لم تحقق أهدافها، سواء في نزع سلاح حزب الله، أو في تقويض قدراته العسكرية، التي فاجأت إسرائيل. وقد يتحول هذا الوضع إلى نكسة لنتائج حرب عام 2024، إن أفضت مخرجات المواجهة الحالية إلى إعادة ترسيم نوع من الردع المتبادل بين إسرائيل وحزب الله. وبعد نحو 48 ساعة من إعلان وقف النار مع إيران، تزامناً مع التصعيد العسكري في بيروت، بدأ الحديث عن احتمال التوصل إلى وقف إطلاق نار في لبنان أيضاً، أو على الأقل خفض وتيرة العمليات في هذه المرحلة. وفي وقت لاحق، أعلن نتنياهو بدء مفاوضات مباشرة بين الحكومة الإسرائيلية واللبنانية، بهدف نزع سلاح حزب الله والتوصل إلى اتفاق سلام، وفق ما صرّح به. وعليه، إن فشل الخيارات العسكرية وسياسة التصعيد في إخراج بنيامين نتنياهو من أزمته السياسية، أو في تغيير حالة الإحباط داخل المجتمع الإسرائيلي، دفعه إلى طرح خيار المفاوضات مع لبنان مخرجاً محتملاً. إلا أن تجارب الماضي تشير إلى أن هذا المسار قد يكون مؤقتاً وغير جدي، ولا يفضي إلى حلول حقيقية، ولا سيما في ظل سعي إسرائيل لفرض اتفاق أقرب إلى الاستسلام منه إلى تسوية متكافئة. وفي الوقت ذاته، تترقب إسرائيل ونتنياهو نتائج المباحثات بين الولايات المتحدة وإيران، وقد تسعى للتأثير فيها وعرقلتها، على أمل أن يأتي منها مخرج لأزماتهما السياسية المرتبطة بقرار الحرب.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية