انتخابات المجر المفصلية تحت أنظار أميركا وروسيا وأوروبا
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
يتوجه المجريون، اليوم الأحد، إلى صناديق الاقتراع للمشاركة في الانتخابات البرلمانية المفصلية، التي تُعد من الأكثر حساسية في تاريخ البلاد الحديث، ليس لأنها تأتي بعد 16 عاماً من حكم رئيس الوزراء القومي المحافظ فيكتور أوربان فقط، بل لأنها تحولت إلى اختبار سياسي واسع يتجاوز حدود الدولة في قلب أوروبا. ولا تبدو انتخابات المجر شأناً داخلياً محضاً، بل جزءاً من صراع أوسع على شكل النظام السياسي الأوروبي، وعلى مستقبل العلاقة بين الديمقراطية الليبرالية والنماذج الشعبوية الصاعدة. بودابست اليوم تقف في قلب شبكة معقدة من الاهتمامات الدولية، تمتد من بروكسل إلى واشنطن، وصولاً إلى موسكو، وضمنها الحرب الأوكرانية وتشابكاتها، التي أدت إلى صدامات متكررة بين أوربان والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. بعد انتخابات المجر الجيوسياسية على المستوى الدولي، تكتسب انتخابات المجر بعداً جيوسياسياً واضحاً، فإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومعها شخصيات بارزة في التيار المحافظ الأميركي مثل نائبه جي دي فانس، لا تخفي تعاطفها مع أوربان، وترى في نموذجه السياسي امتداداً لرؤية يمينية محافظة تسعى لترسيخ حضورها داخل أوروبا، وهو ما تُرجم بزيارة فانس للمجر ودعمه لأوربان، وذلك يومي الثلاثاء الأربعاء الماضيين. إدارة ترامب لا تخفي تعاطفها مع أوربان وهو ما تُرجم بزيارة فانس إلى المجر في المقابل، ينظر الكرملين إلى استمرار أوربان في السلطة عاملاً استراتيجياً مهماً، فالعلاقة بين بودابست وموسكو، التي تجسدت في تقارب متكرر مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، جعلت من المجر أحد الأصوات الأوروبية الأكثر تمايزاً داخل الاتحاد الأوروبي، وخصوصاً في ملف الحرب في أوكرانيا والعقوبات على روسيا، ومحاولة أوربان الضغط لشطب شخصيات من لوائحها الأوروبية. هذا الموقف يراه كثيرون في بروكسل نوعاً من "العرقلة السياسية" باستخدام الفيتو، ما يعمّق القلق الأوروبي من تمدد النفوذ الروسي داخل مؤسسات الاتحاد عبر بوابة دولة عضو. أما الاتحاد الأوروبي نفسه، فيتعامل مع هذه الانتخابات بحذر بالغ، مدركاً أن أي تدخل مباشر قد يمنح أوربان ذخيرة سياسية إضافية لتعزيز خطابه المعادي لبروكسل. وهكذا، تجد أوروبا نفسها في موقع المراقب القَلِق أكثر من الفاعل المباشر. منذ عام 2010، تمكن أوربان من بناء نظام سياسي متماسك يقوم على السيطرة على الإعلام، وإعادة تشكيل القوانين الانتخابية والدستور، وتعزيز شبكة اقتصادية مرتبطة بالدولة. هذا النظام، الذي يصفه مؤيدوه بأنه استقرار سياسي، يراه خصومه نموذجاً لتآكل المؤسسات الديمقراطية، خصوصاً قضية فصل السلطات. خلال هذه السنوات، اعتمد أوربان على خطاب قومي حاد، يحدد "أعداءً خارجيين" وفقاً للظرف السياسي: من الاتحاد الأوروبي و"النخبة الليبرالية" إلى المهاجرين، وصولاً إلى أوكرانيا. خطاب لم يكن مجرد أداة انتخابية، بل جزءاً من إعادة صياغة الهوية السياسية للدولة. وسط هذا المشهد، برز اسم بيتر ماغيار أحد أكثر التحولات السياسية غير المتوقعة عشية انتخابات المجر المفصلية. الرجل لم يأتِ من خارج النظام، بل نشأ داخله، ضمن شبكات السلطة ذاتها. علاقته الوثيقة بدوائر الحكم وضعته لسنوات داخل الدائرة السياسية القريبة من حزب فيدس. لكنه بقي في موقع هامشي، في نظام لا يكافئ إلا الولاء السياسي الصارم. ومع مرور الوقت، تراكم الإحباط، وخصوصاً في ظل علاقات متوترة مع شخصيات نافذة. هذا التوتر لم يكن مجرد خلافات شخصية، بل انعكاساً لبنية سياسية مغلقة. التحول الكبير جاء عبر سلسلة من الأحداث المتتابعة: تسريبات تتعلق بالفساد داخل الحكومة، أزمات داخلية، ثم فضيحة العفو عن قضية اعتداء جنسي هزت الرأي العام المجري. في تلك اللحظة، لم يعد الصمت خياراً. خرج ماغيار إلى العلن، ليس بصفته سياسياً تقليدياً، بل بكونه شاهداً من داخل النظام، يقدم رواية تهدد أساس شرعيته. ومن هذه النقطة بدأت مرحلة جديدة في السياسة المجرية. في وقت قياسي، أسس ماغيار قبل عامين حركة سياسية جديدة تحت اسم حزب تيسا (وهو اختزال لحزب الاحترام والحرية)، استطاعت أن تعيد ترتيب المشهد السياسي. فقد نجح في استقطاب محافظين محبطين من سياسات "فيدس"، وليبراليين فقدوا الثقة بالمعارضة التقليدية، وطبقة وسطى متضررة من الأزمات الاقتصادية. بهذا، لم تعد المعادلة السياسية ثنائية تقليدية، بل مواجهة بين نظام مترسخ وشخصية خرجت من داخله تحمل أدوات نقده. وتعكس استطلاعات الرأي هذا التحول بوضوح. إذ تشير غالبية المؤشرات المستقلة إلى أن "تيسا" يتقدم بنسبة تراوح بين 47 و48%، مقابل 40 إلى 41% لـ"فيدس". هذا الفارق، الذي يصل إلى ست أو ثماني نقاط مئوية، يمثل أكبر تراجع لأوربان منذ سنوات. لكن هذا التقدم لا يعني حسم النتيجة. فالمشهد السياسي قبل انتخابات المجر يشهد انقساماً حاداً حتى على مستوى الاستطلاعات نفسها، حيث تقدم بعض المراكز المقربة من الحكومة صورة معاكسة تمنح "فيدس" أفضلية نسبية. ويعكس هذا التضارب حالة استقطاب سياسي عميق، جعل من الأرقام جزءاً من الصراع. المعضلة الأساسية تكمن في النظام الانتخابي نفسه، الذي يمنح أفضلية واضحة لحزب فيدس، خصوصاً في الدوائر الريفية. هذا يعني أن التفوق في التصويت الشعبي لا يضمن بالضرورة الفوز البرلماني. في هذا السياق، تراوح السيناريوهات بين حصول ماغيار على أغلبية دستورية تتجاوز 133 مقعداً (من أصل 199 مقعداً)، أو أغلبية محدودة بين 100 و120 مقعداً، أو حتى استمرار أوربان في السلطة عبر 100 إلى 110 مقاعد على الرغم من تراجع شعبيته. هذه المفارقة تضع الديمقراطية المجرية أمام سؤال جوهري: هل تعكس النتائج السياسية إرادة الناخبين، أم هندسة النظام الانتخابي؟ في العواصم الأوروبية، يتزايد القلق، ليس من النتائج فقط، بل من تداعياتها المحتملة. فهناك مخاوف من الطعن في النتائج، أو إعلان أوربان فوزاً مبكراً، أو تدخلات خارجية تزيد من تعقيد المشهد. وفي حال حدوث أزمة سياسية بعد الانتخابات، قد تجد أوروبا نفسها أمام اختبار غير مسبوق داخل دولة عضو، من دون أدوات واضحة للمعالجة. تكشف انتخابات المجر عن مفارقة عميقة: نظام سياسي يبدو قوياً من الخارج، لكنه يواجه ضغطاً داخلياً متزايداً انتخابات مفتوحة على كل الاحتمالات في النهاية، تكشف انتخابات المجر عن مفارقة عميقة: نظام سياسي يبدو قوياً من الخارج، لكنه يواجه ضغطاً داخلياً متزايداً؛ ومعارضة تتقدم في الأرقام، لكنها تصطدم ببنية مؤسساتية صممت لتحدّ من قدرتها على الوصول إلى السلطة. أما بيتر ماغيار، فيبقى الشخصية الأكثر تعقيداً في هذه اللحظة. فهو ليس مجرد منافس لأوربان، بل نتاج نظامه، وربما أحد أكبر تحدياته. وبينما تتجه المجر إلى صناديق الاقتراع، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نشهد نهاية حقبة سياسية، أم إعادة إنتاجها بشكل جديد داخل القالب نفسه؟ يُذكر أن عدد سكان المجر يبلغ نحو 9.6 ملايين نسمة داخل البلاد، مع وجود ما بين 2.5 و3.5 ملايين مجري في الخارج، معظمهم في دول الجوار أو ضمن موجات الهجرة إلى أوروبا الغربية وأميركا الشمالية، فيما يصل عدد الناخبين المؤهلين في الانتخابات البرلمانية إلى نحو 7.8 إلى 8.2 ملايين ناخب، بينهم قرابة 7.5 ملايين داخل المجر ومئات آلاف في الخارج، وهي نسبة محدودة عددياً، لكنها تظل ذات دلالة سياسية في نظام انتخابي مختلط وحساس للفوارق الصغيرة، ما يجعل أي تحول بسيط في المزاج الانتخابي قادراً على إحداث تغيير في توزيع مقاعد البرلمان البالغ عددها 199 مقعداً، وبالتالي في موازين القوة بين معسكر أوربان ومنافسه الصاعد ماغيار. وأعاد أوربان هندسة النظام الانتخابي في المجر بعد 2010 عبر خفض عدد مقاعد البرلمان من 350 إلى 199 مقعداً واعتماد نظام مختلط يجمع بين الدوائر الفردية والتمثيل النسبي، مع منح وزن أكبر للفائز في الدوائر الفردية. كذلك أُعيد رسم حدود الدوائر بطريقة تُعزز تمثيل المناطق الريفية الموالية لـ"فيدس"، ما يجعل تحويل الأصوات إلى مقاعد غير متكافئ نسبياً ويمنح الحزب الحاكم أفضلية بنيوية في تشكيل الأغلبية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية