عربي
حدثان حرّكا السطح في المشهد العراقي الأسبوع الماضي، وأضافا شيئاً من التنوّع إلى أجواء التعبئة العسكرية التي يفرضها الإعلام المرتبط بالفصائل الموالية لإيران في البلاد، ولكن في البداية، ما أجواء هذه التعبئة؟ يقدّم الإعلام الفصائلي فرضية أساسية من شقّين؛ أوّلهما أن لا مجال لسردية أو قراءة أخرى في المجال العراقي، في الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي، غير السردية التي يقدّمها، فإمّا أن تكون معه أو ضدّه. ولا تعني هذه الثنائية الحادّة مجرّد اختلاف في وجهات النظر، بل تحوّل المخالفين إلى أعداء يحقّ استهدافهم. ويتعلّق الشقّ الثاني بتصفير الماضي الفصائلي، وتغطية جراحه الأليمة في ذاكرة العراقيين، وتقبّل أنّه يمثّل اليوم صورة المقاوم والمدافع عن الحقّ ضدّ الشرّ الصهيو– أميركي. وهذا ما يوجب، على الأقلّ، تأجيل "الخلافات" إلى حين انتهاء المعركة، فلا خيار ثالثاً ولا مجال للحياد.
هذه الثنائيات الحادّة تجرف في طريقها العديد من وجهات النظر المعقولة والمنطقية، التي تنتقد الحرب، وتدين العدوان الإسرائيلي الأميركي على إيران. ومن الغريب أن يُصنَّف من ينتقد سلوك الفصائل، خلال العقد الماضي أو في الحرب الحالية، على أنّه صهيوني أو أميركي. على الرغم من أنّ مرجعية النجف، التي يتّبعها غالبية الشيعة في العراق، لم تؤيّد سلوك الفصائل، ولم تدعُ إلى الاشتراك في الحرب، بل فضّلت الدعم المادي والتبرّع للشعب الإيراني المظلوم. كما حاولت الحكومة العراقية، بموقف شفوي أقلّ من المطلوب، عبر بيانات متواترة، النأي بالعراق عن أهوال الحرب المدمّرة، ولم تفعل شيئاً في سبيل هذا "النأي".
في هذه الأجواء، جاء فوز المنتخب العراقي على نظيره البوليفي في تصفيات كأس العالم 2026 ليشعل الشارع، إذ يُعدّ هذا أوّلَ صعود من نوعه منذ أربعين عاماً. وسرعان ما تغيّرت الأجواء، وخرج الناس إلى الشوارع للاحتفال بهذا الفوز. ولم يتأخّر الإعلام الفصائلي في انتقاد مظاهر الاحتفال، معتبراً أنّها موجّهة ضدّه وضدّ أجواء التعبئة العسكرية التي يسعى إلى فرضها. كما استغلّ كثير من الناشطين أجواء الاحتفال لنخس خاصرة الفصائل. وفي العموم، كانت الاحتفالات واسعة وكبيرة في مناطق مختلفة من العراق، وأحيت شيئاً من العواطف الوطنية في مواجهة رثاثة الخطاب الطائفي الذي يزكم الأجواء. وبغضّ النظر عن الرسائل المبطّنة، فهي احتفالات مستحقّة وطبيعية.
الحدث الثاني، هو التظاهرة التي أقامها التيار الصدري ضدّ الحرب في ساحة التحرير وسط بغداد، وكانت تظاهرة واسعة ولافتة، وتميّزت بحضور أعلام الدول العربية، وبتوجيه انتقادات مزدوجة: ضدّ إسرائيل وأميركا لإشعالهما الحرب، وضدّ إيران لاستهدافها دول الخليج العربي.
هذان الحدثان يقدّمان تنوّعاً في الآراء ووجهات النظر، وهناك مؤشّرات عديدة على أنّهما يمثّلان مزاجاً غالباً لدى العراقيين. غير أنّ هذه الآراء لا تؤثّر في مجريات الواقع، للأسف، إذ تُدار المعركة وفق إرادة الفصائل، في تبادل للاستهداف بينها وبين الأميركيين، وربّما الإسرائيليين أيضاً. وتتزايد الضربات على مقارّ الحشد الشعبي، ويسقط العديد من المنتسبين، فيما يبقى الجمهور في حالة غموض، إذ لا تكشف الحكومة معلومات دقيقة عن طبيعة هذه الاستهدافات وأسبابها: هل هي مجرّد عدوان أميركي، أم ردّ على استهداف فصائلي؟
يشعر كثيرون بأنّ الحكومة العراقية لا تفعل ما يكفي، وأنّ الفصائل توظّف كلّ شيء لإبقاء "جبهة" العراق مشتعلة، من استهداف المصالح الأميركية، إلى الإضرار بالمصالح الاقتصادية والحياتية العراقية، وصولاً إلى استخدام الأراضي العراقية في استهداف دول الخليج، فضلاً عن محاكمة المواقف في مواقع التواصل الاجتماعي. وبهذا المعنى، يبدو العراق، وفق هذا المسار، مسخّراً بالكامل لدعم إيران في مواجهة خصومها؛ وهو مسار لا يسعى إلى كسب تأييد العراقيين، بل يتجاهلهم ويتعالى عليهم، وينظر إليهم بمنطق الأبيض والأسود: إمّا أن تطبّل وتزمّر مع الجوقة أو أنت عدوٌّ مبين.

أخبار ذات صلة.
ضغوط لرفع العقوبات عن نفط روسيا
العربي الجديد
منذ 6 دقائق
إطلاق سراح مواطن ياباني كان محتجزاً في إيران
الشرق الأوسط
منذ 27 دقيقة