عربي
يبدو باعثاً على الدهشة أن يحاول أحد إثبات أنّ إيران جارة للدول العربية، ومكوّن أصيل من جغرافيا المنطقة. هذا يشبه تعريف الماء بالماء، أو إثبات أنّ الأرض كروية، غير أنّ هذا الصنف من الكلام متوفّر بكثرة هذه الأيّام، وكأنّنا بصدد إعادة اكتشاف إيران والشرق الأوسط.
التبرير الصهيوني، بشقيه الأميركي والإسرائيلي، للعدوان المُتواصل على إيران أنّها تحاول الهيمنة على الشرق الأوسط، وأنّ وجودها دولةً قوية يشكل خطراً وجوديّاً على جيرانها العرب، وبالتالي، لا يتورّع المعتدون عن محاولة إقناع دول الخليج بحتمية الدخول في المعركة جنباً إلى جنب الصهيوني الطيب الذي يحمل الخير والسلام والاستقرار للمنطقة، وهي المحاولة التي تقابل رفضاً قاطعاً من بعض الأطراف، أو هكذا تعلن على الأقل، واستجابة مرتعشة في صمتٍ من أطراف أخرى تمنّي نفسها بالاندماج الكامل مع العدو الصهيوني، على نحو ما يعبّر بعض الحمقى في الإمارات على سبيل المثال.
قد يبدو مفهوماً أن يتحدّث عدو جاهل مغرور بقوّته، مفتون بقدراته الإجرامية، عن إيران الحالية بوصفها خطراً طارئاً وداهماً على المنطقة، ذلك أنّ هذا الكيان الصهيوني اللقيط، المكوّن من المستعمرين الذين ضجّت بهم مجتمعاتهم الأصلية في بلدان العالم الاستعماري، فألقت بهم في أرض فلسطين العربية، ينطلق من عقدته الأبدية بأنّه مجهول النسب دخيل على هذه المنطقة، ما يجعله يتحرّك ويتحرّك وكأنّه جزء منها، على الرغم من أنّ تعريفه القانوني بحسب قرارات الأمم المتحدة أنّه احتلال قائم على أجساد شعب فلسطيني عريق عميق الجذور في الجغرافيا والتاريخ. أمّا غير المفهوم، والرائج جداً هذه الأيّام، أن تبدو بعض أطراف المنطقة في كلامها عن إيران وكأنها تكتشفها من جديد، وبالتالي تعبّئ خطابها الدبلوماسي بعبارات من نوعية أنّ إيران جارة يجب البحث في تنظيم علاقات جوار معها، وكأنّه لم تكن هناك علاقات مُمتدّة آلاف السنين بالفعل، أو كأنّ هذه الأطراف تتعرّف إليها مجدّداً، لكن هذه المرّة بعيون دونالد ترامب ومحدّداته.
والحال كذلك، ثمّة مخاوف من أن يكون الإلحاح على فكرة أنّ إيران جارة في الخطاب الإعلامي العربي نوعاً من محاولة غسل الأيدي من جريمة أميركية صهيونية تتحرّك أمامنا لإحراق الجميع، بالدوافع نفسها التي اغتالوا بها العراق 2003، إذ يعيدون الكرة الآن مع أمّة إيرانية، موجودة ومُتحقّقة تاريخيّاً وجغرافياً، وتحمل حضارة يتجاوز عمرها سبعة آلاف عام، منها 2500 عام إمبراطورية موحّدة، وخمسمائة عام من الوجود كيانًا سياسيًا حديثًا يتمتّع بحدوده الجغرافية الحالية.
باختصار، إيران مكوّن أصيل من مكوّنات وجود هذه المنطقة، عمرها من عمر المنطقة وأكبر بكلّ تأكيد من عمر أميركا نفسها، ومن أعمار الدول المُستجدّة على الجغرافيا الشرق أوسطية، وليس من بينها بالطبع ذلك الكيان اللقيط المُلقى مثل طفل خطيئة استعمارية كبرى فيها. صحيح أنّ العلاقات بين العرب وإيران لم تكن هادئة طوال الوقت، غير أنّ هذا لا يسقط حقيقة أنّه لا يمكن الحديث عن منطقتنا من دون الأخذ في الاعتبار أنّها أمة إيرانية جارة وشقيقة، منذ جاء الإسلام وصهر الجميع في وعاء حضاري واحد. كما لا يمكن لأحد أن يتجاهل واقع علاقات سياسية واقتصادية وثقافية عميقة وممتدّة ومتطوّرة بين إيران والدول العربية، وخصوصاً في الجانب الاقتصادي من هذه العلاقات، إذ يصل حجم التبادل التجاري بينها وبين العرب إلى عشرات المليارات من الدولارات سنوياً، ويدهشك أنّ الإمارات تصدّرت الدول العربية، والثانية على مستوى العالم بعد الصين في قائمة الشركاء التجاريين مع إيران، حيث تظهر الأرقام أنّ التجارة بين طهران وأبوظبي في 2024 بلغت نحو 28 مليار دولار مُحقّقةً طفرة تاريخية.
الشاهد أنّ إيران ليست خطراً وجودياً على العرب، حتى وإن تأزمت العلاقات بين الطرفين في بعض الأوقات، وانزلقت إلى الصراع المسلّح. نعم هي منافس حضاري قوي، غير أنّ هذه القوّة ينبغي ألا تُخيف أحداً وتدفعه إلى وضع يده في يد العدو الحقيقي والوحيد للإجهاز عليها، هذا انتحار حضوري ووجودي وإعلان للاستسلام للحلم الصهيوني الذي يريد ابتلاع إيران والعرب معاً.
حريٌ بالعرب أن يفكّروا كيف يصبحون أقوياء وغير تابعين مثل إيران، لا أن يتصرّفوا مثل مجموعة من الأطفال المذعورين من قوّة الجار حدّ الارتماء في أحضان العدو الذي يتربّص بها وبنا ويقترب حثيثًا من ارتكاب الجريمة الأكبر في حقّ المنطقة كلّها.
