فجوة لغوية في مدارس المغرب... انتقادات لاستمرار "الفرنسة"
عربي
منذ ساعة
مشاركة
كشفت الدراسة الدولية للتعليم والتعلم "طاليس"، في 24 مارس / آذار الجاري، أنّ نحو 70% من تلاميذ مرحلة الثانوي الإعدادي في المغرب، يجدون صعوبات في فهم لغة التدريس، فيما 40% من التلاميذ يدرسون بلغة غير لغتهم الأم. ما أعاد الجدل حول لغة تدريس المواد العلمية في المدارس المغربية إلى الواجهة من جديد. وأقر البرلمان المغربي في عام 2019 مشروع قانون يتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، ألغي بموجبه الاعتماد بشكل وحيد على اللغة العربية، والتي استمرت إلى ما يقرب من أربعة عقود لغةَ تدريسِ المواد العلمية، في انفصال تام عن منظومة التعليم العالي، ليستبدلها بالتناوب اللغوي، باعتباره خياراً تربوياً متدرجاً يستثمر في التعليم متعدد اللغات بهدف تنويع لغات التدريس إلى جانب اللغتين الرسميتين للدولة. وأتاح القانون تدريس بعض المواد، ولا سيما العلمية والتقنية، أو بعض المضامين في بعض المواد بلغة، أو بلغات أجنبية، وهو ما لم يتم تنفيذه حتى اليوم، مع الاقتصار على اللغة الفرنسية، وإزالة خيار الدراسة باللغة العربية بشكل تدريجي خلال الـ3 سنوات التي أعقبت صدور القانون. وبينما اعتبر اعتماد اللغة الفرنسية لغة تدريس للمواد العلمية محاولة من الحكومة المغربية السابقة لإعطاء روح جديدة للتعليم الجامعي، بخاصة في شقه المرتبط بالشعب العلمية، وتجاوز الفشل الذي يصطدم به الطلبة بسبب تلقيهم الدروس العلمية باللغة العربية في المرحلة الثانوية، ثم متابعتها باللغة الفرنسية في الجامعات والمعاهد العليا، كان لافتاً تمسك المدافعين عن اللغة العربية برفض ما يصفونه بـ"الفرنسة"، والذي يرون فيه "انسلاخاً عن الهوية". وأشعل اعتماد الفرنسية لغة لتدريس المواد العلمية جدلاً طيلة السنوات الماضية في الأوساط السياسية والتربوية في المغرب، وطرحت أسئلة عدة حول مآلات هذه التجربة، وأثرها الفعلي على جودة التعليم، ولا سيما في ظل ما تكشف عنه دراسات وطنية ودولية من تراجع مستمر. ويرى الخبير في قضايا التربية والبحث العلمي، رشيد جرموني، أن نتائج دراسة "طاليس" ترسخ النتائج السلبية التي تم رصدها في كل الدراسات التقييمية التي أنجزها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي (حكومي). ويوضح لـ"العربي الجديد"، أن "الدراسة التي شاركت فيها الحكومة المغربية بشكل مباشر، تظهر الفجوة اللغوية الكبيرة داخل الفصول الدراسية، كما تظهر أن هناك خللاً على مستوى التصور العام للمنهاج المرتبط بتدريس اللغات داخل المدارس العمومية". ويضيف جرموني: "بعد ست سنوات على تطبيق ما يسمى بالتناوب اللغوي، والذي كان مثار نقاش كبير داخل البرلمان والمجتمع، خصوصاً بين الخبراء، يظهر أن ذلك التناوب لم يكن موفقاً، فالعودة إلى تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية أسبابه غير واضحة، وغير منطقية، وذلك لاعتقاد الفاعل التربوي بأن تلك العودة تؤهل التلاميذ للعمل على اعتبار أن منظومتنا الاقتصادية لا تزال مرتبطة بالفرنكوفونية".  ويوضح الخبير التربوي المغربي: "خلصت الدراسة إلى أن هناك صعوبات ناتجة عن لغة تدريس المواد العلمية، وعدم استيعاب التلاميذ للمضامين، ما يعني أن هناك خللاً على مستوى التدبير والتصور والاختيارات المنهجية والبيداغوجية. في المقابل، يبدو لافتاً أن الدول التي تصدرت القائمة بحسب الدراسة هي الدول التي تدرس المواد العلمية بلغتها الرسمية، مثل كرواتيا وإستونيا، وخلاصات هذه الدراسة تقدم دليلاً كافياً على أنه لا يمكن تدريس العلوم إلا باللغة الرسمية للبلد". ويتابع: "المغرب الآن في مفترق طرق بعد أن جرب أكثر من طريقة للإصلاح، ثم إصلاح الإصلاح، وينبغي إعادة النظر في التداول اللغوي الذي تبين أنه فشل، والعودة إلى ترسيم اللغة العربية كلغة تدرس بها العلوم، مع الانفتاح على اللغات الحية الأخرى التي تمكننا من تأهيل تلاميذنا. هذا الخيار ليس سهلاً، لكنه ليس مستحيلاً، والمهم أن نتفادى خسارة المزيد من الزمن، والمزيد من الأجيال، أو الدخول في دوامة الانتحار اللغوي. المطلوب اليوم هو إعادة النظر في التصور الحالي، وتثمين اللغة العربية وتعزيزها باستعمال أدوات الذكاء الاصطناعي وغيرها من الوسائل التكنولوجية، فتجارب كثيرة على مستوى العالم تؤكد أنه لا نهضة بعيداً عن لغة البلد الرسمية". وللخروج من واقع الفجوة اللغوية الكبيرة داخل الفصول الدراسية، يؤكد جرموني ضرورة تعزيز القدرات اللغوية لدى الفاعلين الأساسيين، خصوصاً المدرسين، عبر إخضاعهم لتدريب مكثف، وإعادة النظر في التدريبات الحالية بما ينسجم مع التحولات والتحديات المطروحة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، منبهاً إلى خطورة تحول المنظومة التربوية إلى حقل تجارب، ومعتبراً أن ما كشفت عنه دراسة "طاليس" يتعين أن يكون" ناقوس خطر" وأن "يقض مضاجع صانع القرار التربوي".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية