في القرية البعيدة
عربي
منذ ساعة
مشاركة
يكون عبد العزيز وحده في المساء. يعبث بلحيته محتاراً أين تجرّه قدماه. عيناه على ذروة التلّ، حيث يمكنه أن يرى هناك الحمّام الكبريتي في أطراف قرية الحن، الحمّام عينه الذي يتفرّع منه الفلج الساخن المحاذي لجامع الحن حيث يقيم ويعمل. كما يمكنه في المساء أن يراقب جالساً في ضوء القمر، بالقرب من قدميه، قبيلة النمل وهي تكدّ في خطَّين طويلين ذهاباً وإياباً. ينتبه إلى ما تحمله بين مخالبها الضئيلة من فُتات بحرص وكأنّه شيء شديد الأهمية. يقذف ساهياً بين فينة وأخرى بحصاة جهة الشارع الترابي. تتدحرج الحصاة ولا تصل. يؤدّي الشارع إلى قرية لزغ، حيث السوق الوحيدة التي يتسوَّق منها احتياجاته، وهناك يمكنه أن يفتح هاتفه ويستقبل رسائل "واتساب" دفعةً واحدة، لأنّه لا يوجد إرسال في القرية حيث يعمل. كان يمشي وهو يتلفّت بحثاً عن سيارة عابرة يمكنها أن تقلّه؛ هذا ما يحدث عادةً في صباحات الشتاء. يتلثّم السائقون بعماماتهم بسبب برد الصباح، ولا تظهر من وجوههم سوى أعينهم الساهية. وعند مرور سيارة يقودها شخص من دون عائلته تقف بتلقائية أمامه، يسرع عبد العزيز الخطى ويفتح الباب ويجلس في جانبه من دون حديث. يعرفونه ويعرفون مقصده، لأنّه إمام الجامع الوحيد الذي يصلّي فيه أهالي جميع القرى المتقاربة صلاة الجمعة. توجد مساجد صغيرة في كلّ قرية، ولكنّ الجمعة لا تكون إلا في الجامع الذي يعمل فيه. يتمشّى ساعةً في سوق لزغ، ويشرب شاي الكَرك في المقهى، ثم يشتري من المتجر ما يحتاج إليه قبل أن يعود إلى الحن ماشياً من الطريق التي جاء منها وبالطريقة نفسها، وهو يتلفّت عند سماع صوت سيارة من دون أن يلوّح لها. وأحياناً في الذهاب كما في الإياب، يكمل طريقه راجلاً إذا لم يجد من يقلّه. ثري من مسقط، وفاءً لقرية مولده الحن، أمر ببناء جامع كبير وواسع، وكأنّه رسمه في هيئة القصر الذي سيعوّضه الله له في الجنّة، وأكمل بناءه أبناؤه بعد رحيله. يُقال إنّ بناءه كلّف ربع مليون ريال. كان كجبل مضيء وسط تلك القرية المتباعدة بيوتها. يقضي عبد العزيز أغلب وقته وحيداً وهو يتأمّل عزلته. وقبل أن يأتي إلى الحن، كان يعيش مع والدته في حلة الأنصب في مسقط، وهناك، في المسجد الذي اعتاد أن يصلّي في صحنه، انتظره رجل إلى أن أنهى قراءته للقرآن، ثم اقترب منه ليبشّره بأنّه وجد له عملاً إماماً لجامع في قرية نائية (الحن) لم يسمع بها حتى المتحدّث نفسه. عملٌ مؤقّت بعقد، وإذا تحمّل وصبر فسيُعيّن بعد ثلاثة أعوام. وسيزوره كلّ خميس موظّف وزارة الأوقاف ويترك عنده الخطبة المعمّمة، وفي نهاية كلّ شهر سيضيف إلى الخطبة ظرفاً من المال. وفي صباح السبت، اتّفق مع شاب بنغلاديشي يحرس مزرعةً خاصةً في الأطراف ولديه دراجة هوائية، على ريال عن كلّ إمامة صلاة، وخمسة عن كلّ يوم يغيب فيه عند أمّه حيث سيضع المال من أجل المهر.أعطته أمُّه في آخر زيارة صورة لفتاة. سيسكن عند أمّه ليملأ وحدتها. لا يمكن أن يأتي بزوجته إلى هذه القرية النائية، حيث أقرب بيت للجامع يبتعد مسافةً تخفي أيّ بريق، فمعظم الذين يأتون إلى الصلاة يكونون في سيّاراتهم، فرادى أو زرافات. يتدرّب عبد العزيز في مساء يوم الخميس بعد أن يتسلّم الخطبة المطبوعة من موظّف وزارة الأوقاف. يقرأ الخطبة مرّات بصوت عالٍ في الجامع الفارغ حتى يحفظها. يعتلي منصّة الخطبة ليستظهرها وهو يتخيّل حشداً أمامه، فيبدو في ظهيرة يوم الجمعة وكأنّه خطيب مفوّه لا يحتاج إلا إلى لِمام لينظر إلى صفحات خطبة الوزارة. وهو، في أثناء استعراض ذاكرته، يمرّر عينيه على صفَّي القرويين تحت منصّته، وكأنّما يصوّرهم بالكاميرا واحداً واحداً. ولكن قبل انتهاء أعوام التجربة الثلاثة، حمل عبد العزيز حقيبته وولى إلى غير رجعة... لم يكن الوحيد الذي فعل ذلك من قبل.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية