هل سورية خارج الحرب أم في قلبها؟
عربي
منذ ساعة
مشاركة
خلال أكثر من عقد، تعاملت إسرائيل، ومن بعدها الولايات المتحدة، مع الأرض السورية بوصفها حديقةً خلفيةً لإيران، وجعلتا منها ساحة حرب وهدفاً لضرباتهما المتكرّرة، ما كبّد سورية خسائرَ فادحة. وقد انقسم السوريون حيال هذه الضربات بين من رأى فيها إضعافاً لبنية النظام الأسدي المدعوم إيرانياً ومن ندّد بها بوصفها انتهاكاً للسيادة قد يفتح الباب أمام مزيد من التغوّل الإسرائيلي في دول الجوار. في المحصّلة، وجد الشعب السوري، الذي كان تحت وطأة النظام، نفسه في قلب حرب مباشرة في أرضه، وتستهدف مراكز النفوذ الإيراني فيها وفي لبنان، يدفع أثمان هذا الصراع على مستويَين؛ يتعلّق الأول بحرب النظام الذي تسانده فيها إيران، ويتكبّد جرّاء هذا مزيداً من دمار بنيته التحتية والخسائر البشرية. ويتعلّق الثاني بتلقّيه ضربات أعداء إيران على أرضه. في المقابل، اعتمدت الأخيرة سياسة امتصاص هذه الضربات للإبقاء على الصراع في حيّز جغرافي بعيد عنها، متجنّبةً إعلان حرب مفتوحة حماية لنظامها الحاكم الذي قد ينهار مع أيّ حرب مباشرة، كما هو الحال اليوم. ومع إنهاك إسرائيل ما تسميّها "أذرع إيران" في غزّة ولبنان، وتراجع قبضة النظام السوري المرتبط بمحور الممانعة، انتقلت ساحة المواجهة تدريجاً إلى الداخل الإيراني، وهكذا، وللمرّة الأولى، وجدت سورية نفسها في موقع الشاهد على الحرب، لا الشريك المباشر فيها. غير أنّ ذلك لا يعني ابتعاد سورية، كما هو حال المنطقة كلّها، عن تداعيات الحرب، أو خروجها من دائرة نار الاستهداف العسكري أو الاقتصادي، والاقتصاد هو السلاح الأخطر الذي تراهن عليه إيران لإخضاع الدول. فإيران لا تريد أن تحصر هذه الحرب في نطاق مغلق، وقد أعلنت ذلك، خصوصاً أنّها تعتبر أنّ تحرير سورية من نظام الأسد أثّر في خريطة هيمنتها، بعد تزعزع موقع حزب الله في لبنان، وانهيار مكانة حركة حماس في غزّة، "الثلاثي" المحمول على محور المقاومة، فذلك كلّه تعتبره إيران قد حوّل الصراع غير المباشر مع إسرائيل إلى حرب صريحة وممتدّة. تستفيد من توسيع دائرة الحرب عبر إدخال أطراف جديدة، وهي تدرك أنّها تضع المنطقة أمام خيار وحيد لضمان سلامتها، وهو السعي إلى إنهاء الحرب أو الدخول في جحيمها وكما أن إيران تستفيد من توسيع دائرة الحرب عبر إدخال أطراف جديدة وإيجاد خصوم متعدّدين في مواجهة إسرائيل لتشتيت أهدافها، فإنّها تدرك أنّها تضع المنطقة أمام خيار وحيد لضمان سلامتها، وهو السعي إلى إنهاء الحرب أو الدخول في جحيمها. فالفوضى الشاملة التي تحدثها الحرب الطويلة لن تنجو من عواقبها دول الخليج العربي، وكذلك دول الجوار المحيطة بأطراف الصراع، ومنها سورية، التي تعاني فعلياً من الانتهاكات الإسرائيلية لأراضيها من جهة، ومن ضياع فرص تمويل إعادة الإعمار من دول الخليج والمجتمع الدولي من جهة أخرى، ويدرس المجتمع الدولي فعلياً إعادة ترتيب أولوياته، ودعمه إعادة إعمار الدول الخارجة من حروبها، وقد لا يكون نصيب سورية منه بعد الحرب كما كان قبلها. على ذلك، انتقال السوريين من موقع ضحايا الحرب إلى موقع المتفرّجين عليها له ثمن أيضاً، رغم محاولات ترويج أنّ البطاقات مجّانية. فسورية التي كان يُرتجى أن تكون ملاذاً للاستثمارات الخليجية بعد 14 عاماً من الحرب، تجد نفسها اليوم محصورةً بين التصريحات والوعود الوردية للمسؤولين العرب والغربيين، وعلى وجه الخصوص الأميركيين، وواقعها الضاغط عليها. ومن تلك التصريحات استعادة المبعوث الأميركي إلى سورية، توم برّاك، مشروع بشّار الأسد الذي طرحه الأسد عام 2009 لمحاولة رفع الحصار الذي فُرض عليه بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري (2005)، وبعد التقارب اللافت مع تركيا، ومحاولته الاستثمار في علاقاته مع إيران والعراق من جهة، ومع تركيا والخليج العربي من جهة أخرى. ويعتمد المشروع على ربط البحار الأربعة لتحويل سورية إلى مركز تجاري ونقل إقليمي يربط بين البحر الأبيض المتوسّط والبحر الأسود وبحر قزوين والخليج العربي. وعلى الرغم من الترويج للمشروع، ظلّ حبراً على ورق، لعدم امتلاك البنية التحتية اللازمة لتحقيقه، وهي اليوم على حال أسوأ ممّا كانت سابقاً، ما يعكس التحدّيات الكبيرة التي تواجهها سورية، ويوضّح مدى الاستسهال في تعويم أفكار غير صالحة (على الأقلّ في ظلّ الحرب) للتطبيق. ويكفي النظر إلى أعباء عودة مئات آلاف اللاجئين من دول الجوار، في وقت لا تزال فيه المدن تعوم على رماد الدمار، وانقطاع إمداد المستوردات، وارتفاع الأسعار، وازدياد البطالة، وتوقّف المشاريع الاستثمارية الخليجية المأمولة، وتمدّد إسرائيل إلى داخل مجتمعاتنا المحلّية لإشعال نار الفتنة فيها، وتمدّدها داخل أراضينا السورية، لنعرف أنّنا لسنا بمنأى عن الحرب، بل في قلبها، حتى إن كانت الصواريخ هذه المرّة مجرّد عابرة لسمائنا أو متفجّرة فيها.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية