عربي
أظهرت صور التقطتها حديثاً أقمار اصطناعية أميركية، تسارع عمليات التجريف في الشعاب المرجانية الواقعة في بحر الصين الجنوبي المتنازع عليه، ما أثار شكوكاً لدى الدول التي لديها نزاعات متداخلة مع بكين. وبحسب بيان في هذا الخصوص صدر عن مبادرة الشفافية البحرية الآسيوية التابعة لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، الخميس الماضي، فقد تم استصلاح ما يقرب من 603 هكتارات من الأراضي في منطقة أنتيلوب ريف (شعاب أنتيلوب المرجانية)، وذلك استناداً إلى صور التقطتها الأقمار الاصطناعية التجارية الحديثة من شركة فانتور الأميركية.
وتقع أنتيلوب ريف في جزر باراسيل ببحر الصين الجنوبي الذي تفرض الصين سيادتها على معظم مساحته، وتتنازع عليه مع خمس دول مطلة على هذا البحر، هي الفيليبين وفيتنام وماليزيا وبروناي وتايوان. كما تقع هذه الشعاب في موقع استراتيجي على بعد حوالي 300 كم من سانيا، وهو ميناء في أقصى جنوب جزيرة هاينان الصينية، وعلى بعد حوالي 400 كم من دا نانغ على الساحل الفيتنامي. وتُعد سانيا أيضاً قاعدة رئيسية للقوات البحرية والجوية الصينية التي تشرف على بحر الصين الجنوبي.
التوسع العسكري في بحر الصين الجنوبي
وذكرت مبادرة الشفافية البحرية الآسيوية، في بيانها، أن "الحجم مذهل" (حيث الاستصلاحات) مقارنة بالمعالم الصينية الأخرى في جزر باراسيل، بما في ذلك جزيرة وودي، المركز الإداري الصيني لبحر الصين الجنوبي، والتي تبلغ مساحتها حوالي 360 هكتاراً فقط. وأضافت أنه إذا سارت أعمال البناء بالوتيرة التي تظهر في صور الأقمار الاصطناعية، فمن المقرر أن تصبح أنتيلوب ريف أكبر معلم صيني في جزر باراسيل، وربما في بحر الصين الجنوبي بأكمله، مساوياً أو حتى متجاوزاً حجم ميشيف ريف في جزر سبراتلي، والتي تقع في قلب بحر الصين الجنوبي.
وتُعد ميشيف ريف، التي تغطي مساحة 608 هكتارات تقريباً، أكبر جزيرة اصطناعية للصين في بحر الصين الجنوبي، وأحد المواقع الثلاثة الكبرى في جزر سبراتلي المتنازع عليها، حيث بنت الصين مدارج طويلة ونشرت أنظمة رادار وصواريخ. وذكرت مبادرة الشفافية البحرية الآسيوية أنه إذا تم تطوير شعاب أنتيلوب المرجانية لتصبح منشأة عسكرية مماثلة للمواقع الرئيسية الأخرى للصين، فإنها ستوسع نطاق قدرات الاستشعار (الرصد) الصينية بالقرب من سواحل فيتنام، وستوفر قدرة إضافية لأصولها البحرية والجوية في شمال بحر الصين الجنوبي.
وقالت إنه على الرغم من أن ذلك قد لا يغير الصورة الاستراتيجية في بحر الصين الجنوبي بشكل كبير، تشير بكين بالتأكيد إلى قدرتها على توسيع المناطق التي تحتلها باستمرار، وهي رسالة ربما تكون موجهة بشكل مباشر إلى هانوي، التي لا تزال أنشطتها الخاصة في استصلاح الأراضي وردمها في جزر سبراتلي مستمرة.
من جهتها، قدمت هانوي احتجاجاً رسمياً على أنشطة استصلاح الأراضي الصينية في جزر باراسيل، وذلك في أعقاب تقارير عن تسارع عمليات التجريف وردم النفايات في أنتيلوب ريف. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الفيتنامية، فام ثو هانغ، في إفادة صحافية السبت الماضي، إن فيتنام تعارض بشدة مثل هذه الأنشطة، وتقدم احتجاجاتها وتؤكد موقفها من هذه المسألة. ولفتت إلى أن هانوي لديها أدلة تاريخية وأسس قانونية وافرة لتأكيد سيادتها على جزر باراسيل بما في ذلك شعاب أنتيلوب المرجانية، وفقاً للقانون الدولي. وأضافت أن أي أنشطة أجنبية في المياه دون إذن من فيتنام غير قانونية وغير صالحة تماماً.
في المقابل، ووفقاً لتقرير صادر عن مركز التحقيق في الوضع الاستراتيجي في بحر الصين الجنوبي ومقره بكين، في يونيو/حزيران الماضي، استعادت هانوي 850 هكتاراً من الأراضي الجديدة على 11 موقعاً في جزر سبراتلي منذ عام 2021. كما بنت أرصفة وممرات هبوط وسدوداً ومواقع هبوط مؤقتة على المواقع الجديدة التي يمكن استخدامها لنشر أنظمة المدفعية أو الصواريخ المضادة للسفن. وسيطرت الصين بصورة كاملة على جزر باراسيل - المعروفة باسم جزر شيشا في الصين وجزر هوانغ سا في فيتنام - في عام 1974 بعد معركة بحرية مع فيتنام الجنوبية، والتي انهارت في العام التالي عندما استولت قوات من جارتها الشمالية على سايغون في نهاية حرب فيتنام.
استغلال الانشغال الأميركي
في تعليقه على بيان مبادرة الشفافية البحرية الآسيوية، قال دا مينغ، الباحث في مركز يون لين (تايوان) للأبحاث والدراسات، لـ"العربي الجديد"، إن "الوجود العسكري الأميركي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ لطالما مثّل قوة ردع للأنشطة الصينية العدائية لدول الجوار، خصوصاً ما يتصل بعمليات استصلاح الأراضي في المناطق الجزرية المتنازع عليها".
دا مينغ: يبدو أن سحب الولايات المتحدة بعض قطعها العسكرية باتجاه الشرق الأوسط بسبب الحرب هناك، دفع بكين لتعزيز أنشطتها ووجودها
وأوضح أن هذه العمليات "كانت تسير ببطء شديد"، وفي رأيه "يبدو أن سحب الولايات المتحدة بعض قطعها العسكرية باتجاه الشرق الأوسط بسبب الحرب هناك، دفع بكين لتعزيز أنشطتها ووجودها". واعتبر أن هذا الأمر "يستدعي التفاتة من الجهات المعنية لبحث سبل التعامل مع سياسات الأمر الواقع التي تحاول الصين فرضها مع انحسار عمل المظلة الأمنية الأميركية".
في المقابل، رأى المتخصص في شؤون بحر الصين الجنوبي، ما تشونغ (باحث في مركز لونغ مارش للدراسات الاستراتيجية)، في حديث مع "العربي الجديد"، أن الأنشطة المرتبطة بتطوير شعاب أنتيلوب تتم في مناطق تخضع للسيادة الصينية، وتأتي بموازاة أنشطة مماثلة لفيتنام في جزر سبراتلي، وهي الأنشطة التي لم تأت على ذكرها وسائل الإعلام الغربية، بحسب قوله.
ما تشونغ: أعمال الاستصلاح في بحر الصين الجنوبي جارية منذ سنوات
أما بشأن توقيت الأنشطة الصينية وعلاقاتها بالانشغال الأميركي بالحرب الدائرة في منطقة الشرق الأوسط، فأوضح ما تشونغ، أن "أعمال الاستصلاح في بحر الصين الجنوبي جارية منذ سنوات، وقد تسارعت وتيرتها خلال العام الماضي وفق جداول زمنية محددة، ولا علاقة لها بالتطورات والتغيرات الجيوسياسية التي يشهدها العالم". وفي رأيه "لو كان الأمر مرتبطاً بالتورط الأميركي في الحرب على إيران، لكان أولى ببكين أن تستغل ذلك وتعمل على استعادة تايوان (التي تعدها جزءاً من أراضيها)"، مشدداً على أن "الصين لديها سياسة خارجية ثابتة ومبادئ لا تتأثر بالظروف والعوامل الخارجية".

أخبار ذات صلة.
أمطار وفيرة تدعم المخزون الغذائي للمغرب
العربي الجديد
منذ 28 دقيقة
لئلا تفقد المعارضة مصداقيتها
العربي الجديد
منذ 58 دقيقة