عربي
منذ نشأ المثقف احتل مركز "المُعارض"، وكان في ظهوره مكسباً للمجتمع، وشكل حماية له من طغيان الدولة، وكان في اتخاذه هذا الموقف أمر إيجابي، وفي كثير من الأحيان ضرورة أخلاقية، على أن تكون المعارضة فعلاً مسؤولاً ومشروعاً، ولقد مرت أزمنة وأحوال جازف المثقف فيها بحياته بالصدام ضد سلطة غاشمة.
اعتُبر المثقف ضمير المجتمع، عينَه الناقدة ولسانَه الناطق بالحقيقة في وجه القوة. هذا الدور لا يكتمل من دون شرط أساسي: المصداقية. أي ألا يضع نفسه تلقائياً في موقع الصواب، ولا أن يُعفى رأيه من النقد والتمحيص. فحين تُبنى المعارضة على إشاعات أو أكاذيب أو تلفيقات، فإنها تتحول من جهد مشروع يطالب بالحقيقة أو الإصلاح إلى مجرد الإثارة، ومن خطاب واعٍ إلى صدى لموقف متسرع، والأسوأ: إلى شكل من أشكال التضليل.
مع توفر الحرية، في زمن شبكات التواصل الاجتماعي، لم يعد المثقف بحاجة إلى منبر تقليدي، فكل حساب شخصي صار وسيلة بث تضمن التلقي من جمهور عريض، خاصة مع اتساع دائرة المتابعين الذيًن يتلقفون ما يكتب وما يقال، إلى حد بات مع تدفق الأخبار اليومية، مطالباً بمجاراتها بالمقابل يومياً، ولو بارتجال الرأي، وأحياناً من دون تدقيق، ما يؤدي إلى التهاون في المحاذير المهنية، فيقع بعض المثقفين في فخ ترويج أخبار ملفقة، أو تحليلات مبنية على تمنيات وأهواء، لا على وقائع وأدلة. ومع أن المثقف المعارض كما يفترض يمتلك "النية الطيبة" و"الاصطفاف الصحيح" لكن هذا لا يعفيه من مسؤولية التثبت من إطلاق أحكامه.
لم يعد السؤال "هل من حق المثقف أن يكون معارضاً؟" بل: "كيف يمارس هذه المعارضة؟". هل يُبنى موقفه على معلومات دقيقة، وتحليل متزن، ورؤية عميقة، أم أنه يكتفي برفض كل ما يصدر عن السلطة لمجرد الرفض؟ هل يبحث عن الحقيقة، أو عما يدعم قناعاته الأيديولوجية؟ هذه الفروق هي التي تحدد إن كانت معارضته تندرج ضمن عمل فكري مسؤول، أو مجرد استعراض لمهارته السياسية بحثاً عن زبائن لآرائه.
المعارضة الحقيقية، لا تتساءل فقط، ولا تكتفي بالاعتراض، بل تقدم البدائل هذا إذا كانت منطلقة من الواقع، وتتمتع بالوضوح، مع الالتزام بالأمانة، والاستعداد لمراجعة الذات. من هنا، فالمثقف الذي يهاجم السلطة، وفي الوقت نفسه، يمارس التعمية والمراوغة، إنما يُسهم في الخداع والفوضى.
لا يمكن للمثقف أن يطالب السلطات بالشفافية، بينما هو لا يُمارسها في خطابه وعلاقته مع المجتمع. ولا يحق له أن يُدين التزييف الإعلامي، بينما هو ذاته يروّج روايات لم يتحقق من صدقيتها. إن أسوأ ما يمكن أن تقع فيه النخبة المفكرة هو أن تفقد ثقة الناس بها، لأنها تفسح المجال أمام الشعبوية والدجل، وتُضعف القيمة الرمزية التي كانت تملكها بوصفها صوتاً للعقل والضمير.
المعارضة بطولة، هذا صحيح، لكنها أيضاً ليست شهرة فقط، بل مسؤولية. والمثقف لا يُقاس بجرأته فحسب، بل بقدرته على الوقوف مع الحقيقة حتى إن كانت إلى جانب خصمه. فالحقيقة لا تتجزأ، والصدق لا يُستعار.
المعارضة بطولة، هذا صحيح، لكنها ليست شهرة فقط، بل مسؤولية
باختصار، ليست المشكلة في أن يكون المثقف معارضاً، بل في أن تتحول المعارضة إلى موقف يصادر الحقيقة، ولا يحتمل سماع الآخر، ولا يحترم النقاش. آنذاك، تفقد قدرتها على التأثير الحقيقي. إن المعارضة التي تفقد مصداقيتها، تمنح السلطة ذريعة كي تتحول إلى أداة قمع، وبذلك تمنحها الأسباب لإسكاتها، وهو ما يخشى منه، والخاسر فعلاً هو المجتمع.
حديثنا هذا لا يتناول معارضة اللغو والثرثرة والتهريج، تلك التي تدعي المعارضة، في حين لا تقل انحطاطاً عن الذباب الإلكتروني، الذي يسخر ويشتم ويبث السموم، ويطلق الاتهامات بالطائفية والإرهاب وهلم جراً، هؤلاء ليسوا في حسباننا.
* روائي سوري
